"أورورا" رواية تكشف عن الإمبريالية الثقافية اليوم

"أورورا" رواية أندره فيلتشيك الأخيرة والقصيرة، وفيها "أورورا" إسم امرأة جميلة ولكن لسوء الحظ، تتناول الرواية موضوعاً معقداً جداً وهو إمبرياليّة الغرب الثقافيّة. بحسب فيلتشيك "يعي الجميع ما يفعل الغرب سياسياً، لكن قلّما يعي الناس ما تفعله مؤسّساته الثقافيّة. لأوروبا تحديداً.

"أورورا" رواية أندره فيلتشيك الأخيرة والقصيرة
إنْ كانَ قلبُكَ يتألّمُ من أجلِ الإنسانيةِ، فإنه بعدَ قراءةِ مؤلّفاتِ أندره فيلتشك سينزفُ بغزارة، أو إنك لا تملِكُ قلباً، ولكنْ في الحينِ ذاتِه ستمنحُكَ كلماتـُهُ الأملَ، لا سيما عندما تقرأ بعضَ القصصِ المُلهمةِ عن أناسٍ تحدَّوْا العنفَ الإمبريالي، وقاموا بتغييرِ مجرى التاريخ. هذا بحسَبِ إحدى المراجعاتِ لكتبِ فيلتشك. الأمرُ ينسحب على آخِرِ رواياتِه "أورورا"، التي وصفها البعضُ "بالعمل ِالهائلِ وهي ما ينبغي أنْ يكونَ عليه أيُ عملٍ أدبي: إنساني بالكامل."

أما كلمة "أورورا" فتعني "الفجر" أو إلهة َ الفجر ِعند الرومان. أما في اللغةِ الروسية فقدِ استُخدِم مصطلحُ "أورورا" قبلَ القرنِ العِشرين وبات أكثرَ رواجاً عَقِبَ الثورةِ الروسية عامَ 1917، نسبةً إلى الدور الذي لعِبَتْهُ السفينة الحربية "أورورا" في الأحداثِ آنذاك.

"أورورا" رواية أندره فيلتشيك الأخيرة والقصيرة، وفيها "أورورا" إسم امرأة جميلة ولكن لسوء الحظ، تتناول الرواية موضوعاً معقداً جداً وهو إمبرياليّة الغرب الثقافيّة. بحسب فيلتشيك "يعي الجميع ما يفعل الغرب سياسياً، لكن قلّما يعي الناس ما تفعله مؤسّساته الثقافيّة. لأوروبا تحديداً. مؤسّسات ثقافيّة في جميع أنحاء العالم. ما أعنيه أنّ مؤسّساتها الثقافيّة الكبيرة كـ"ـأليانس فرانسيز" و"معهد غوته" و"كازا إيطاليانا" ومعهد "ثربانتس" ليست حميدة، بل يمكن أن تكون هذه المؤسّسات الثقافيّة خطرة جداً أحياناً. وكيف تكون كذلك؟ تعمل هذه المؤسّسات لصالح أوروبا والإمبراطوريّة الغربيّة. فتميّز المواهب اليافعة من فنّانين ومفكّرين معارضين لأنظمة بلدانهم التي تخدم المصالح الغربيّة." 
ويتابع فيلتشيك: "وما يحدث هو التالي، فلنفترض أنّك كاتبة يافعة في إحدى مناطق إندونيسيا أو مصر وقد زرتِ العاصمة بضع مرّات وأنّك من بلدة صغيرة، وينتابك كثير من الغضب بسبب ما ترين من مُعاناة شعب بلدك، وتشهدين ما تفعله الرأسماليّة والإمبرياليّة والحكومة الموالية للغرب ببلدك. لذا ينتابك الكثير من الغضب فترسمين أو تكتبين أو حتّى تصنعين مقاطع فيديو قصيرة، وتأملين أن تصبحي منتجة أفلام وما إلى ذلك، فيتواصل أعضاء هذه المؤسّسات الثقافيّة معكِ، ويدعونك لتناول العشاء. وللتحدّث تأتين إلى العاصمة ويدعونك إلى عشاء في مكانٍ جميل، وبعدها يقولون إنّ عملك رائع وأنّهم سيعدّون لكِ رحلة إلى برلين أو رحلة إلى باريس أو لندن ويخبرونك بأنّ الصحافة ستكون حاضرة وستُجرى معك مقابلات. وإذا كنت رسّامة مثلاً، سيخبرونك أنّه يمكنك الدخول إلى معرض رسوم. وإن كنت كاتبة، ستُجرى معكِ مقابلات وسيسعك القراءة في مكتبة لبيع الكتب وهذا جذّاب جداً. ولا يفرضون عليك أيّة شروط بشكلٍ أساسي، وبوسعك فعل ما تشائين، لكنّهم يطلبون منك عدم الانخراط في السياسة كثيراً بذريعة أنّ الناس يرغبون بالتعرّف إلى بلدك فحسب، ويقولون إنّ بلدك جميل ورائع، ويخبرونك أنّ الناس يريدون التعرّف إلى حضارة بلدك ويريدون معرفة ما يرتديه الناس. وإن كنت رسّامة، فلترسمي بعض اللوحات لتظهر جمال أراضي بلدك وتظهر ما يرتديه الناس وكيف يرقصون، وما إلى ذلك، ولا تنخرطي في السياسة كثيراً فلا نريد أن نعرف معلومات عن الأحياء الفقيرة ولا عن التعذيب. لا نريد أن نعرف ما يفعله الناس إذا كانوا يختلفون مع الحكومة الموالية للغرب، ويطلبون منك غضّ النظر عن هذه المواضيع. وبشكلٍ أساسي يظنّ الشخص الموهوب: كم هذا رائع أن تكون هذه المؤسّسة مهتمّة بحضارتنا، فيبتعد الشخص الموهوب عن طريق المؤسّسات ويذهب إلى برلين أو باريس أو لندن، وفجأةً يغدو كلّ شيء رائعاً، فإنّها المرّة الأولى التي يسافر فيها هذا الشخص إلى بلد أجنبي، وكلّ مصاريف الفندق مدفوعة ويعبّر هذا الشخص عن حضارته، ويعامله الجميع باحترام صحيح سياسياً. ويشعر هذا الشخص أنّه يطأ قمّة العالم في عمر الخامسة والعشرين أو الثلاثين. لكنّ الكمين هو في عودة الشخص إلى بلده وقد بات معلّقاً، ويعدونه برحلة ثانية، لكنّهم دائماً يضيفون: لكن أرجوك، لا تنخرط في السياسة كثيراً، ولا تفعل هذا وذاك رجاءً, لا يملون عليه ما يجب أن يفعله تحديداً، لكنّه يبدأ بالشعور تلقائياً أنّ هذا ما هو متوقّع منه."

أما كيف يُظهر فيلتشيك ذلك في روايته "أورورا" فيقول إن روايته غاية في القسوة في هذا الصدد، وفيها شخصيّتان أساسيّتان، إحداهما مدير مؤسّسة ثقافيّة ضخمة لا يذكر اسمها بتاتاً، ولغتها ألمانيّة وتقع في بلد محدّد وهو إندونيسيا.

وهذا الرجل يرأس المؤسّسة الثقافيّة وهو عميل مخابرات في آنٍ معاً. أمّا الشخصيّة الثانية، أو بالأحرى الشخصيّة الأهم، فهي "أورورا" نفسها. و"أورورا" امرأة من إندونيسيا، وهي رسّامة قويّة، وفي مرحلة ما تنجح في الوصول إلى الحريّة، فتخرج من إندونيسيا وينتهي بها المطاف في فنزويلا حيث تتزوّج برسّام جداريّات عظيم وهو من رموز الثورة في فنزويلا، ويعود الإثنان إلى إندونيسيا معاً. وتلتقي الشخصيّتان وهما مدير المؤسّسة الثقافيّة و"أورورا" بسبب صدفة غريبة، وتحدث بينهما مواجهة هائلة، لأنّ أختها كانت قد اختُطفت في السابق، وكانت هي الأخرى فنّانة...

جوهر هذه الرواية تكشف حقيقة أنّه ليس من الممكن تدمير روح الأمّة كلياً على الصعيد الثقافي، وحتّى إن لم يبقَ سوى بضعة أشخاص صامدين، وما من شيء يضيع أبداً طالما بقي أشخاص كـأورورا، وهم الأشخاص الذين يسيطرون سيطرةً  كاملة على عقولهم وتفكيرهم ومشاعرهم، وهم الأشخاص المستعدّون لفعل أيّ شيء في سبيل بلدهم. كذلك تحمل الرواية رسالة أنّه لا بدّ من محاربة الإمبرياليّة الغربيّة لأنّها لن تزول وحدها. فالرواية تتمحور حول المقاومة وكذلك حول الكشف عن الوجه الحقيقي للإمبرياليّة الثقافيّة.

أندريه فلتشيك,  المفكرُ والروائي  الأميركي والصِحافي الاستقصائي وصانعُ الأفلام  الوثائقيةِ، يخبرنا من الداخل عن فحوى روايتِهِ الأخيرة "أورورا" ورمزيةِ أحداثِها التي تتجاوز بتأثيرها عددَ صفحاتِ الكتاب.

إن الآراء المذكورة في هذه المقالة لا تعبّر بالضرورة عن رأي الميادين وإنما تعبّر عن رأي صاحبها حصراً
زينب الصفّار

أكاديمية وباحثة عراقية - لبنانية متخصصة بالقضايا الدولية. معدة ومقدمة برنامج "من الداخل" على قناة الميادين

إقرأ للكاتب

"إنسانية محمد" (ص) بعيون كاثوليكية أميركية من الداخل

عندما قرأ كونسيداين عن الرسول محمد (ص)، أدرك أنه يقدّم فكرةً مختلفة عن طبيعة كينونة الإنسان وما...

هل كان المهاتما غاندي عنصرياً؟

في لندن تمّ تلطيخ تمثال غاندي بالطلاء الأبيض مع كتابة كلمة "عنصري" على إحدى الخطوات المؤدّية...

الصعود المقلق لأقصى اليمين المتطرّف في ألمانيا

لماذا تعتبر الشعبية المتزايدة للصعود السياسيّ لحزب "البديل لألمانيا" أوAfD، مع التركيز على...

النوماخيا.. مشروع المُفكّر الروسي ألكسندر دوغين

يُقال إذا ما أردْتَ أنْ تفهمَ روحَ العصرِ التي تسود في روسيا اليوم فعليكَ التعرّفَ أكثرَ على...

هل المقاومات حول العالم تتوحد اليوم؟

"إننا نسير على خُطى نلسون مانديلا. عندما جاء نيلسون مانديلا إلى سوريا ليقول للرئيس الأسد أشكرك...

خطة برنارد لويس و بَلقَنة غرب آسيا و إخضاع إيران

لعلَّ برنارد لويس، المؤرِّخ البريطاني- الأميركيّ المُتخصِّص في منطقة الشرقِ الأوسطِ، كانَ له...

إقرأ أيضاً