الطفلة الحديدية خَتْمُ الحرب يُطبَع على وجهها

هل ستبقى وفاء سعيدة؟ وإلى متى ستظلّ قوية؟ هل خضوعها لعمليّات التجميل من أجل ترميم ملامِح وجهها من ندوب الحرب، ستُعيد لها سحر الطفولة؟إلى حين ذلك، أيّ مراهقةٍ ستبني آثار هذه الحرب؟ أيّ شابةٍ سترسم أحلامها؟ وأيّ امرأةٍ ستتبلور أفكارها؟

وجهٌ طُبعت الحرب ختمها عليه: "من هنا مررتُ وهذا إمضائي"
بخطى ثابتة ومشيةٍ عسكرية، تسير صاحبة القامة المُستقيمة في ساحةٍ شبه قاحلة وسط عمارة غير مكتملة، وتقول: " أنا وفاء، عمري ثماني سنوات، هنا أعيش وأنا سعيدة!"

تسير ورأسها لا يلتفت، لا يميناً ولا يساراً، حتى وإن مرّت بجانب منازل اللاجئين لا تنظر إليها، فتحسبها طفلةً قاسيةً، لا يرقُّ قلبها لمشاهِد الفقر والتهجير...

وها هو وجهها يُطل علينا لنفهم كلّ شيء!

وجهٌ طُبعت الحرب ختمها عليه: "من هنا مررتُ وهذا إمضائي". فمنحتها جواز سفر دوليّ جُدّدت له الحياة، يُعرّف عنها أبداً: "لاجئة من سوريا كُتِب لها ما كُتِب".

تخبرنا وفاء أنّ وجهها احترق وتشوّه حين سقطت قذيفة على منزلها في حلب، فانفجرت عبوة الغاز التي كانت واقفة إلى جانبها في المطبخ. وحركات يديها تروي لنا ما شعرت به من هلعٍ ورعب، فرفعتهما فجأةً عندما استذكرت انفجار البيت وعبوة الغاز.

وعندما سألتها مراسلة المنظّمة الدولية لشؤون اللاجئين عمّا إذا غيّرتها هذه الحادثة، تلبّكت وفاء وظهرت على وجهها براءة الطفولة وبان في جوابها نضوج ما بعد الحرب وارتقاء الإنسانية بعيداً عن الحقد والقساوة، فأجابت: "كلا سأبقى البنت الحنونة"، متمنيّةً أن تطيب وأن تذهب الى المدرسة إلى حين أن تكبر...

وإلى حين ذلك ، تلعب وفاء مع رفقائها في الملجأ، تشاهد مسرحيات الدمى، ونحن نتأمّل وجهاً جامداً كالشمع لا حياة فيه سوى عينين تتحدثان عمّا يجول في البال وثغراً ينطق شجاعةً ومحبة.

إلى حين ذلك، هل ستبقى وفاء سعيدة؟ وإلى متى ستظلّ قوية؟ هل خضوعها لعمليّات التجميل من أجل ترميم ملامِح وجهها من ندوب الحرب، ستُعيد لها سحر الطفولة؟

إلى حين ذلك، أيّ مراهقةٍ ستبني آثار هذه الحرب؟ أيّ شابةٍ سترسم أحلامها؟ وأيّ امرأةٍ ستتبلور أفكارها؟

إلى حين ذلك، ورغم أنّ المستقبل مجهول، وسط أصوات القذائف والثرثرات عن الحروب النووية... كل ما نعرفه أنّ وفاء لم تعد طفلةً تشبه ملامحها أطفال العالم وتتشارك معهم الأحلام ذاتها، فنحن على يقين أن حياة وفاء تغيّرت وكانت على قدر التغيير، لا بل فاجأت أصحابه بقوتها وعزمها وإيمانها بأن الغد أفضل. فهي كفتاة التقطت، من دون سابق معرفةٍ، كرةً للقدم بيديها الناعمتين، وبرهنت لأصدقائها الذكور أن الأنثى تُجيد لعب كرة القدم، لا بل تبرع بها وتتفوّق عليهم.

إلى حين ذلك، برهنت وفاء، أنها قدوة لفتيات جيلها ولكل النساء اللواتي ينهرن عند ظهور بثرة في وجوههن. فهي لم تخجل من وجهها المشوّه، لأنها لم ترتكب فعلاً أثيماً، بل ظهرت به منكشفاً تماماً أمام أصدقائها في الملجأ وأمام شاشات الكاميرا، مُتحديّةً ببراءتها وعفويّتها كلّ مذنبٍ شارك في هذه الحرب، وكأنها تقول له: أنظر، ها أنا لا زلتُ حيّةً، قويةً، سعيدةً والحياة أمامي.

إلى حين ذلك، كلّ ما نعرفه عن وفاء، أنها تعيش ألمَ الحرب وتحمل بأوجاعها مُعاناة كل اللاجئات، ولكنّ عينيها لا ترفّان ولا تدمعان، فهي صامدةٌ ومُتفائلة، لأنها طفلةٌ حديدية.

إن الآراء المذكورة في هذه المقالة لا تعبّر بالضرورة عن رأي الميادين وإنما تعبّر عن رأي صاحبها حصراً
سينتيا بدران

صحافية لبنانية

إقرأ للكاتب

لي جيشٌ عظيم ومسؤول قياديٌّ بامتياز

بعد أن أصبح كلّ لبنانيّ مُحلّلاً سياسياً، بات اليوم كلّ مواطنٍ مُحلّلاً عسكرياً! ما هي دقائق...

سحر المُجوهرات في رسالتها

مَن مِن النساء لا تُحب المُجوهرات؟ مَن مِنكنّ لا تبحث عن الحلّي التي تليق بعُنقها؟ ومَن مِن...

يا فخامة الرئيس... ميلاد مجيد

يا فخامة رئيس الولايات المتحدة الأميركية لكي تشعروا بروح عيد الميلاد، عليكم أن تنطلقوا من هناك،...