السياسة.. بين الواقع والأوهام

إن سياسية التجذيف التي تمارسها السعودية فوق مربّعات الموت في اليمن بالأساس، سياسة لا تقبل الرأي الحرّ ولا تؤمن بالرأي الآخر، وما يحدث في البحرين شاهد على هذه السياسة المفتوحة على الخيال بدل الواقع .. رئيس وزرائها في الحُكم لأكثر من أربعة عقود ويقول هل من مزيد.. وأميركا تؤيّد... والسعودية تُدير اللعبة من الخلف.. أموال الشعب فيها توزّع بالمجّان على الأجانب من ذوي النفوذ السياسي في شكل هدايا أو علي شكل استثمار هشّ، وبعضها تجرفه دور اللهو والمجون، والشعب البحريني يعيش الذلّ وربما يتضوّر جوعاً.. سياسة، هي نسيج للوهم وتوزيع للضلال تحت شعار "جلالة الملك أو قداسة السلطان" ولا جلالة ولا قداسة في الأصل إلا الله.

"الأحمدية القاديانية" مُحاصَرة بكل أفرادها وهي تحت سيطرة الأمن وكل أفعالها مُسجّلة بالصوت والصورة
"الأحمدية القاديانية" مُحاصَرة بكل أفرادها وهي تحت سيطرة الأمن وكل أفعالها مُسجّلة بالصوت والصورة
دعني أقول، وبالتأكيد، أن الجزائر تعيش حال الاستقرار الأمني، وقد تجاوزت كل مراحل الخطر"خطر الربيع الدموي" وتحاول قدر الإمكان توزيعه على جيرانها بما استطاعت وبأية وسيلة كانت.. وإن الذين ينفخون في رماد بقايا الحريق العربي ضدّها ما هم إلا ضحاياه بالتتالي، وبالتالي فان أي ادّعاء خارج هذا المحتوى هو فاقد لكل أدبيّات التوصيف السياسي للأحداث في الجزائر.. ثم إن مواقف الجزائر بالإستناد إلى قوتها الأمنية والعسكرية، بل وبقوتها الكبرى المُتمثّلة في نسيجها الاجتماعي المُتماسك والصلب.. هي بعيدة عن الخطأ والخطايا، ومَن كان واقعه بهذا المستوى لا يمكن أن يكون على الهامش تحتويه الأخطار إذا عصفت.. وإن ما عُرِف مؤخراً بجماعة "الأحمدية القاديانية "فإنها مُحاصَرة من زمان وكل أفرادها تحت سيطرة الأمن، بل أؤكّد هنا  أن كل أفعالهم مُسجّلة بالصوت والصورة وبالتالي فهم مُجرّد وعاء لفكر منبوذ في الجزائر مثلها مثل" الوهّابيىة "التكفيرية.

دعني أقول أيضاً، ومن دون أوهام، إن ضرب ليبيا وسوريا جاء لحسابات سياسية واقتصادية.. حسابات ساهمت فيها تركيا، وقطر، والإمارات، تحت غطاء الجامعة العربية، مع الأسف، حسابات تركيا عبّر عنها" أردوغان" في مناسبات عدّة بقوله "أنأ رئيس الشرق الجديد" وقد كرّرها مند مجيئه إلى السلطة إثنين وثلاثين مرة" أما قطر والإمارات فقد تراكمت الأموال لديهما فلم يجدا في ما ينفقانه بعد إن شبع حكامهما تشيّعاً لإسرائيل فأرادا الفساد في الأرض تأكيداً لقوله تعالى (كلا إن الإنسان ليطغى أن رآه استغنى..).. لكن، كل تلك الجبال من الجثث لم تشفع لهم في الرجوع عن أوهامهم وأحلامهم.. لقد تسوّلوا الغرب وروسيا وقدّموا الرشوة تلو الأخرى للغرب كله من أجل أن يُدمّر سوريا من دون أي اعتبار لأي من الأخلاق والدين اللذين يتبجّحون بأنهم حُماتهما انطلاقاً من إشرافهم على الأماكن المُقدّسة.. رئيس الاستخبارات السعودية السابق الأمير بندر بن سلطان قال حرفياً في اجتماع سرّي في موسكو: «نريد تدمير هذا النظام العلوي في سوريا حتى لو جرى تدمير سوريا». وتقول وثائق أخرى إن بندر لم يكن إلا واحداً من دُعاة التخريب طيلة ثلاثة عقود، ويصرّح في ما كتبه بأنه إبن جارية من السود..

لقد أوصى بالحرب غُربان الغرب وساسته والتُبّع من ورائه، وأرادها "ساركوزي"هوية  لإخفاء ما أخذه من أموال من ليبيا التي غطّى بها حملته للانتخابات الرئاسية 2007.. ثم إن الغرب وقتها كان على حافات السقوط والإفلاس الاقتصادي نتيجة تعرّضه لأزمات مالية قاتلة " أزمة 2008".. كانت ليبيا بداية المحطّة الأولى من وجهة نظر"ساركوزي"للخراب تتبعها محطّات أخرى، ومنها الجزائر كما صرّح هو  بذلك، وما كانت ليبيا البداية في التخطيط إلا لأنها تُناهض الغرب وبعض الدول العربية بمواقفها القومية والعروبية.. صحيح إن الغرب يتشدّق بحقوق الإنسان والديمقراطية ولكن الأصح إنه يعتقد أنه باستحكام قبضته على مجلس الأمن الدولي لا يؤمن بالتواري من على خارطة الإرهاب ..فأشعل بؤر التوتّر التي تحوّلت إلى صراعات طائفية أو دينية.. لكن، وللغباء الذي يمارسه ساسته ظنّ أنه بهدّه القبضة السياسية يمكن أن يظلّ متربعاً على كرسي الإرهاب، إرهاب الدولة، ولم يكن يفكّر أنه قد يأتي اليوم الذي تنهض فيه حِمَم المشاعر القومية والوطنية في أوطانه وتجرّه إلى مؤخّرة الأحداث، وما حدث مع صعود "دونالد ترامكب"وسقوط الديمقراطيين إلا بداية لاشتعال هذا الشعور المؤسّس للراديكالية ذات التوجّه العُنصري، وهو يتوسّع باتجاه أوروبا، لقد أخطأ إذن منظّرو الإرهاب السياسي والدموي وساسة القمع ضدّ الدول الخارجة عن نفوذهم، وإذا كان لا بدّ من خطأ فإنه لن يكون بعد اليوم لصالح سياسته، فالشعوب هي منطق التصحيح ومنطق التاريخ ، وإن ما كان يُعدّ ضرباً من المستحيل صار اليوم ضرباً من المُمكن والمُتاح.. لقد لعبت فرنسا دور المهرّج السياسي في أحداث ليبيا وسوريا بداية، تم أخذت بمبدأ التنفيذ الدموي كأداة نهوض سياسي لها، فاعترفت بجماعة متمرّدة جيء بها من أرشيف السياسة ونصّبتها كأوراق الخريف على ليبيا. بالتأكيد هي  جماعة لا تملك أدنى مقوّمات السلطة ولا حتى أبسط المفاهيم السياسية.. كان ذلك لأن "ساركوزي" الآتي من باب البحث عن الجنس وعن اللعب بالمشاعر.. جاء إلى الحُكم من باب النِفاق السياسي ليبسطه على فرنسا نفسها، وقد تعب الشعب الفرنسي من ألاعيبه وأخطائه.. لقد أخطأ " ساركوزي" هذه المرة خطأ قاتلاً  حيث أخرج من السياسة من بابها الواسع وجرّ إلى المحاكم مُهاناً.

سياسية التجذيف التي تمارسها السعودية فوق مربّعات الموت في اليمن سياسة لا تقبل الرأي الحرّ ولا تؤمن بالرأي الآخر
سياسية التجذيف التي تمارسها السعودية فوق مربّعات الموت في اليمن سياسة لا تقبل الرأي الحرّ ولا تؤمن بالرأي الآخر
صحيح، أن بريطانيا الذيل القصير لأميركا في أووربا ذهب ساستها ما ذهب إليه "ساركوزي" وقت الجريمة، وبدا أن الغرب فقد وعيه السياسي بسبب الأزمات التي تلاحقه وبسبب الخروج المتواصل لبعض الدول العربية من سيطرته وظهور دول كانت إلى وقت قريب مركزاً لأهم أجهزته الأمنية في الواجهة الحضارية إعلامياً واقتصادياً ونووياً.. لقد افتعل قبله "الكابران بوش" أزمة أفغانستان والعراق للدخول في قلب باكستان لاحقاً ومحاولة تشتيتها لأنها دولة إسلامية نووية وأسقطت أميركا أكثر من رئيس وزراء فيها بالاغتيال وأكثر من رئيس فيها أيضاً، ومنهم الجنرال ضياء الحق وإن استطاعت إسقاط بعض الدول فإنها فشلت قي إسقاط الشعوب، وتورّطت حتى عُنقها في أكثر من مكان وهي الآن بين المطرقة والسندان، فلا أفغانستان خضعت لسياستها ولا طالبان اقتُلِع عرشها ولا باكستان أخذها الجنون لاحتضان الشيطان الأميركي فيها.

دعني أؤكّد – وأرجو أن لا أكون مُخطئاً - أن"أوباما "الآتي من عقود عصر العبيد - بكل أسف - لم يسلم من أخطاء سلفيه" جورج بوش الأب والإبن "ولم يتمكّن حتى من إدارة المؤسسات الاقتصادية وإخراجها من الإفلاس.. لقد كان الإفلاس الأميركي شاملاً سياسياً واقتصادياً وأخلاقياً، وتؤكّد مصادر اقتصادية أن الدولار يُطبع لتغطية العجز من دون سند له.. أمام هذا التحدّي الذي أصاب الغرب وأميركا كان لابدّ من رؤية أخرى، فقام  من جديد بخلط الأوراق في ليبيا والمقصود منها الجزائر، وكانت دول الخليج  جزءاً من أوراق هذه اللعبة.. في بداية الأزمة الليبية طلب المغرب بفتح الحدود الجزائرية.. ولما فشل اتّهم- في غير رؤية سياسية- أن الجزائر تدعم ليبيا بالمرتزقة وطائراتها الحربية تجوب سماء ليبيا وهو يعلم إن بلده- وليست الجزائر- نصفه مرتهن وإن كذب فعليه إحضار مَن في قصور أمراء الخليج  لديه وما يدور فيها.. إن المتمرّدين الذين أداروا اللعبة الدموية في ليبيا أخطأوا أيضاً ولو نظروا للحظات كيف دخل "المجرم شلبي" العراق ومن أتى معه وكيف هو الآن ووطنه لرفضوا اللعبة القذرة التي وظّفهم فيها الغرب. 
إن ثقافة الإجرام هي بالأساس كما يقول التاريخ من صنع المافيا التي لا دين لها ولا سياسة، أما أن تكون غير ذلك وتصير جزءاً مهما من ثقافة الحُكّام أمثال " ساركوزي" و"ديفد كامرون"، و"بارك أوباما" فهذا شيء آخر ..ولكن في النهاية لن يقول عنهم التاريخ سوى أنهم مارسوا ثقافة المافيا وحاولوا فرض المخاطر على العالم كله لأجل بقاء مجتمعاتهم ضمن ما هي عليه من رفاهية على حساب العالم كله.. ولقد صدق من قال إن بعض الجنون فنون.. 

دعني أقول لك... وأظن – وليس كل الظّن إثم- أننا نريد أن يدرك الجميع الصواب في هذه المرحلة المُتآكلة لا الخطأ في ما يروّج له الغرب اليوم من مفاهيم هي بالأساس نتاج طحينها الأيديولوجي.. أقول، ثمة مواقف هي للتاريخ، وثمة مواقف هي في وجه التاريخ، وهي أيضاً حاضرة. وثمة سياسات تنتج المزيد من المنطق الحضاري وتراعي خصوصيات الأمم ، وتتماشي ومنطق التسوية الحضارية للأزمات.. لكن في مقابل ذلك هناك سياسات تأخذ صفة الشاهد في المأساة، وما تواري الصواب فيها إلا بما يشبه الصفقات المُنتجة للانهيار.. ما يشهده العالم اليوم قائم على هذه الأخيرة، فالصفقات المُبرمَة بين واشنطن  و"الأليزية  و"عشرة داونونغ " ليست إلا صفقات دموية، وهي صفقات أبرمت تحت غطاء مجلس الأمن الدولي !! والوجه القبيح فيها أنها – غالباً – ما ترجع في تنفيذ هذه الصفقات إلى"اوكامبو "المُدّعي العام للجنائية الدولية.

حين رفض السودان الانصياع للمصالح الأميركية واتّخذ موقفاً وطنياً إزاء تدخّلاتها لصالح الجنوبيين أحيل عمر البشير إلى المحكمة الجنائية مباشرة وقُسّم السودان، وكان أن أدين كأكبر مُتّهم بارتكاب جرائم إبادة جماعية..؟!! والثلاثي المذكور أعلاه هو من كان وراء الأزمات في السودان وخاصة أزمة دارفور، ثم أزمة تقسيم السودان ، وقبلها كان صدّام حسين على نفس الخطى في منطق هذا الثلاثي ، وما لحق بالعراق وشعبه ما هو إلا تدبير مُهّيأ مُسبقاً، وبعدهما حوصرت ليبيا وأحيل ملف الأزمة فيها والتي صنعها الثلاثي إلى المحكمة الجنائية لأن ألقذافي مواقفه القومية رفض حسابات أميركا في المنطقة وحسابات أوروبا أيضاً وتمسّك بمواقفه المُناهضة للاستعمار الجديد.. لقد يئس سكان الغرب ذاته من السياسة التي تُمارَس من حكّامه ومن ساسته ضدّ العالم والتمييز العنصري الذي يشكّل الحلقة شبه الخالدة في مواقفه.. لكن انتفاضات الرفض التي تقودها اليوم بعض دول العالم العربي انطلاقاً من سوريا والمقاومة السلمية كشفت كل عيوبه داخل أنظمته وأطاحت بمصالحه في المنطقة.. مطالب المُنتفضين في مصر، وتونس، واليمن، وبعد سقوط حكوماتهم الواحدة تلو الأخرى أوضحت الأحداث بعدها أنها ليست من صُلب التوجّه الغربي.. هذه الانتفاضات برموزها التي تولّت القيادة فيها هي أشدّ عداء لهذا الثلاثي، نظراً للجرائم التي ارتكبها ضدّ الشعوب العربية فضلاً عن مواقفها ذات الاتّجاه العنصري.. اليوم أيضاً أغلب الدول التي شهدت الانتفاضة تبدو الخارطة السياسية الجديدة فيها خارطة وطنية، سياسياً بالأساس، تتحكّم فيها أفكار الداخل وتتوارى فيها كلياً أفكار الخارج ويتجّه الوضع فيها إلى ربط مُحكَم بين التاريخ والجغرافيا حفاظاً على النسيج الاجتماعي وأملاً في الخروج من دائرة الأزمات إلى الأبد .
هذا التوجّه يرفض إملاءات الغرب وأميركا وحتى أولئك الذين ما زالوا بعد يعتّدون بالمواقف الأميركية والوعود المُعطاة منها لهم بإقامة ديمقراطية تتناسب والحُكم التناسلي فيها كالسعودية وقطر والإمارات تبدو اليوم على موعد انهيار الحُكم فيها لكونه حكماً تجاوزته الأحداث وقائم على مفرقعات دينية وسياسية لا تلبّي احتياجات التواصل.
إن سياسية التجذيف التي تمارسها السعودية فوق مربّعات الموت في اليمن بالأساس، سياسة لا تقبل الرأي الحرّ ولا تؤمن بالرأي الآخر، وما يحدث في البحرين شاهد على هذه السياسة المفتوحة على الخيال بدل الواقع .. رئيس وزرائها في الحُكم لأكثر من أربعة عقود ويقول هل من مزيد.. وأميركا تؤيّد... والسعودية تُدير اللعبة من الخلف.. أموال الشعب فيها توزّع بالمجّان على الأجانب من ذوي النفوذ السياسي في شكل هدايا أو علي شكل استثمار هشّ، وبعضها تجرفه دور اللهو والمجون، والشعب البحريني يعيش الذلّ وربما يتضوّر جوعاً.. سياسة، هي نسيج للوهم وتوزيع للضلال تحت شعار "جلالة الملك أو قداسة السلطان" ولا جلالة ولا قداسة في الأصل إلا الله.

إن الآراء المذكورة في هذه المقالة لا تعبّر بالضرورة عن رأي الميادين وإنما تعبّر عن رأي صاحبها حصراً
محمد لواتي

رئيس تحرير يومية المُستقبل المغاربي

إقرأ للكاتب

حرب الفوضى الخلاقة والعمى السياسي المبرمج (1/2)

لقد حاول ترامب، طوال عهده الرئاسي، توصيف الأنظمة، بشكلٍ أسوأ مما هو عليه الآن، وممن سبقوه في...

الجزائر...الدول المطبّعة و"أحلام العصافير"

 العين شاخصةٌ الآن على الجزائر، لكنّ الأمة الجزائرية التي تملك في رصيدها الجهادي أكثر من سبعة...

أميركا ترامب.. أميركا ما بعد ترامب؟

إنّ منطق الولايات الأميركية المتحدة الذي يُعرف بمنطق الحرب الاستباقيّة، مبنيٌّ على افتراضاتٍ...

رؤية ورأي؟

مع الأسف، نتظاهر بالإنبات صوب المستقبل، ونحن نمارس العجز بأسوأ ما يمكن القول فيه، والأمم لا تنهض...

إيران وسوريا.. المقاومة لا التطبيع

إن افتراض مواجهة عسكرية بين الغرب وإيران يبدو ضئيلاً، و"إسرائيل" أمام هذا الضعف الغربي تبدو هشة،...

الجزائر والمموّلون لصفقات الأوهام

من المؤكّد أن الجزائر تعلم جيداً بما أصاب سوريا واليمن وليبيا من جحيم هذه بعض القنوات...