التوسّع الإسرائيلي في إفريقيا

الدبلوماسية لا تسير من دون المخابرات، فالموساد كان ولا يزال أهم أدوات الاختراق الإسرائيلي للقارة الإفريقية، و دعمه لانفصال جنوب السودان واضح ومشهود، كما يتذكّر البعض دعمه لحركة بيافرا الانفصالية في نيجيريا في الستينات.

من خلال الاقتصاد تحاول إسرائيل خلق مصالح لها مع الدول الإفريقية
من خلال الاقتصاد تحاول إسرائيل خلق مصالح لها مع الدول الإفريقية

النظرة الإسرائلية لإفريقيا ليست حديثة العهد ولم تترافق مع إنشاء الدولة الصهيونية في فلسطين. بل ترجع فى جذورها إلى مؤتمر بازل عام 1897 حين كانت أوغندا إحدى ترشيحات الحركة الصهيونية لقيام وطن قومي لليهود. وفي ذلك الحين اتّجهت آراء بعض الصهاينة إلى السودان باعتباره بلداً زراعياً شاسع المساحة  تسهل مزاولة الزراعة فيه.وهذه النظرة كانت تجدّد نفسها بانتظام بعد قيام الكيان الصهيوني، فبعد أن وصل العجز التجاري الإسرائيلي في العام 1950 إلى281 مليون دولار وفى عام 1961 إلى أكثر من 400 مليون دولار نتيجة الحصار العربي، فكّر العدو الصهيوني في اللجوء إلى إفريقيا عساه يكسر بقواه الناعمة ما لم يستطع كسره بالبارود.

كانت الفكرة الغريبة في دواعي التقارُب الصهيوني مع إفريقيا هي التشابُه بين تجارة العبيد الأفارقة و محرقة الهولوكوست (أسطورة صناعة الهولوكوست، نورمان فنكلشتين)، وكان الأغرب ظهور مفهوم " الصهيونية السوداء" على يد بعض مؤسّسي حركة الوحدة الإفريقية مثل ماركوس جارفي وفرانسوس فانون اللذان رأيا في الشتات اليهودي شتاتاً مشابهاً لما حدث للأفارقة بعد خطفهم من بلادهم وتفرّقهم ومُعاناتهم في الأمريكتين.

وعلى الرغم من وعي مصر في الدائرة الإفريقية بعد ثورة تموز/ يوليو استطاعت إسرائيل التغلغل في إفريقيا تدريجاً متّبعة سياسة النَفَس الطويل. فقد سبقت إسرائيل الدول العربية في افتتاح سفارة لها في غانا عام 1957 بعد استقلالها عن بريطانيا، فكان طبيعياً أن تصبح غانا منطلقاً للتوسّع الإسرائيلي الناعم في إفريقيا خاصة في غربها، قبل أن يؤدّي الفتور مع نكروما إلى استبدال غانا بنيجيريا كخزان التمدّد الصهيوني في الغرب الإفريقي.

لم يمنع هذا التغلغل الأفارقة من التصويت بالموافقة على مشروع قرار في الأمم المتحدة يُدين الصهيونية ويعتبرها لوناً من ألوان العنصرية في منتصف السبعينات. لكن جاءت اتفاقية السلام المصرية الإسرائيلية لتُحدث تغييراً هاماً في تفكير الدول الإفريقية تجاه إسرائيل عبّر عنه أحد الكتّاب الأفارقة بقوله " إن مصر و هي عضو في منظمة الوحدة الإفريقية قادت مقاطعة إسرائيل، أما الآن فقد تبادلت مصر و إسرائيل السفراء، ومازلنا نحن الذين ذهبنا لمواساة مصر على فقدانها سيناء غير قادرين على العودة من هذه الجنازة إلى بيوتنا".

ثم جاءت اتفاقيات أوسلو وبعدها غزّة ــ أريحا ووادي عربة، لتتزامن مع إنشاء الغرفة التجارية الإسرائيلية الإفريقية عام  1994. وبحلول أواخر التسعينات أصبح عدد الدول الإفريقية التي تُقيم علاقات دبلوماسية مع إسرائيل 48 دولة.

لكن الدبلوماسية لا تسير من دون المخابرات، فالموساد كان ولا يزال أهم أدوات الاختراق الإسرائيلي للقارة الإفريقية، و دعمه لانفصال جنوب السودان واضح ومشهود، كما يتذكّر البعض دعمه لحركة بيافرا الانفصالية في نيجيريا في الستينات.

يجيء التواجد العسكري الإسرائيلي في القارة ولاسيما في شرق إفريقيا مكمّلاً للمشهد المُحزن لتراجع الدور العربي في إفريقيا، فهو يضمن لها التأثير على دول حوض النيل لإضعاف مصر والسودان من ناحية، ويؤمّن حرية الملاحة الإسرائيلية عبر باب المندب من ناحية أخرى.

ومن خلال الاقتصاد تحاول إسرائيل خلق مصالح لها مع الدول الإفريقية، فأقامت شركة النجمة السوداء للملاحة البحرية في غانا وشركة الأسطول البحري في ليبيريا، وساهمت في بناء مطار أكرا في غانا، وأقامت أيضاً مدارس وجامعات، مثل جامعة هيلاسيلاسي في إثيوبيا، ومستشفيات مثل مستشفى مصوع في أرتيريا، كما تقوم بتقديم المِنَح المالية من هيئة الماشاف الذي بدأ كمُقترح بإنشاء صندوق للمساعدات المالية و الفنية لدول آسيا و إفريقيا تابع لوزارة الخارجية الإسرائيلية عام 1958 ثم تطوّر ليصبح الوكالة الإسرائيلية للتعاون الدولي. ولم يتوقّف نشاطه خلال فترة قطع العلاقات الإسرائيلية الإفريقية، فكان جسراً مهماً لاختراق إفريقيا وتوطيد النفوذ الإسرائيلي فيها عن طريق تقديم دورات تدريبية للطلاب الأفارقة في مجالات الطب والزراعة والتعليم والصناعة ( وصل عدد الطلبة الأفارقة الدارسين في إسرائيل منذ أواخر الخمسينات حتى أوائل السبعينات إلى حوالى 16 ألفاً و797 طالباً). ويمثل المجال الأول عنصراً مهماً من عناصر التغلغل الإسرائيلي في إفريقيا، حيث يدرس الأطباء الأفارقة في المستشفيات الإسرائيلية، كما ترسل إسرائيل البعثات الطبية إلى دول إفريقية مثل كينيا وليبيريا وناميبيا، ولم يفوتها بالطبع استغلال وباء الإيبولا في غرب إفريقيا لتعمل على زيادة تواجدها في هذه المنطقة التي يبلغ عدد الإسرائيليين فيها نحو 5 آلاف نسمة. فأوغندا كانت محط اهتمام بن غوريون فور استقلالها وقدّم 150 منحة دراسية مجانية كإثبات للحضور الإسرائيلي إفريقياً.

ولا تكتفي إسرائيل بالتوسّع الممّول حكومياً، بل تشجّع رجال الأعمال الإسرائيليين على إقامة المشاريع الاقتصادية في القارة الإفريقية، وتعتبرهم أحد أذرعها لزيادة الاعتماد الإفريقي على إسرائيل، ليصبح خلعها من إفريقيا أو حتى محاصرتها كاستئصال الورَم يخرج بالدم واللحم فلا يغادر بسلام.