الانتفاضة الثالثة جاءت غريبة وستعود غريبة

جاءت الانتفاضة الثالثة غريبة لا أحد يريدها وهذه حقيقة أثبتتها الاحداث على الأرض وقد تعود غريبة إذا بقي الوضع على ما هو عليه. لا أعرف إلى متى سيستطيع شبابها وشاباتها الاستمرار في ظل المعطيات الحالية. لكن مما لا شك فيه أن الذي يعول على استمرارها وحيدة لا يختلف عمن يعمل فعلياً على وأدها.

للانتفاضة الحالية الكثير مما يميزها عن سابقاتها من انتفاضات وثورات
ليست الانتفاضة الحالية التي يخوضها الشعب الفلسطيني أول تجربة له في مقاومة الاحتلال. فمنذ  عهد الاحتلال البريطاني لفلسطين حتى يومنا هذا خاض شعبنا عشرات الهبات والثورات في سبيل الحرية والتحرير.

ولكن للانتفاضة الحالية الكثير مما يميزها عن سابقاتها من انتفاضات وثورات. فقد ولدت يتيمة من عدم اللافعل ومن الخنوع وتخبط القيادة الفلسطينية الرسمية وعجزها عن تقديم أي شيء. وولدت من رحم الإحباط العربي الذي تجتاحه الفتن والاقتتال الداخلي اللامتناهي. ولدت ولا أحد يريدها لا قيادة السلطة الفلسطينية ولا قيادات الفصائل. وبغض النظر عن التفاوت في التصريحات والخطاب الإعلامي  إلا أن هذه هي حقيقة الأمر.

فأما بخصوص السلطة التي تربط وجودها بدورها الأمني قبالة الاحتلال فإن هذه الانتفاضة تهدد جوهر وجودها وقد تحولها إلى غير ذات صله لا حاجة لها. وبخصوص الفصائل فإن هذه الانتفاضة  تحرجها وتضعها أمام استحقاقات نضالية قد تعيدها إلى واجهة الاعتقالات والملاحقة والتصفيات الجسدية، هي لا تريدها في الوقت الحاضر. فغالبية الفصائل تفضل استمرار الحياة على وتيرتها   واستمرار تدفق المخصصات الشهرية والمحاصصة على الكلمات في المهرجانات وفقط وقف مخصصات الشعبية والديمقراطية ما يمكن أن يستفزها للخروج إلى الشارع. 

أما النظام العربي الرسمي وتحديداً محور الانبطاح فإنه يشخص الانتفاضة كخطر استراتيجي يجب القضاء عليه بأسرع وقت ممكن فهي خطر محدق على كل مخططات الفوضى الخلاقة التي يضطلع بها  والتي نعيش تفاصيلها الدموية هذه الأيام. ففلسطين هي الوحيدة التي يمكن أن تعيد توحيد العالم العربي حول قضية بعد أن تفرق واقتتل على كل مذهب وطائفة وجماعة وعشيرة ومشيخة وعلى كل شيء وعلى لا شيء واستبدل الأعداء بالأصدقاء والأصدقاء بالأعداء وبات تحرير طهران هو الأولوية أما تحرير القدس فضرب من أساطير الأولين.

أما حركة حماس والتي تتخبط حالياً حول أي صورة لأي رئيس عربي ترفع في شوارع غزة في محاولتها للخروج من المأزق السياسي الذي أدخلتنا وأدخلت نفسها إليه حينما قبلت على نفسها دور البيدق في رقعة شطرنج حروب الطوائف فهي ما زالت تتخبط وتنشغل بكيفية ضمان تدفق المال القطري والسعودي والدعم العسكري الإيراني السوري!! وتطبيع العلاقة مع مصر في الوقت نفسه الذي تناصر فيه النظام القطري على السعودي وحركة الاخوان على النظام في مصر وتناصر كل هؤلاء ضد المحور الايراني السوري. كما أن حماس مع كل تاريخها النضالي العريق يعرف عنها أنها لن تشارك ولن تدخل معركة لا تكون حسب اجندتها ووفق برنامجها الفئوي الخاص ويكون لها فيها الصدارة والقيادة.

وفي الداخل الفلسطيني في المناطق المحتلة عام 48 القيادة الرسمية لا تبتعد عن خط أولياء هذه القيادات سواء كانت قطرية أو تركية أو السلطة الفلسطينية. كما أنها لا تمتلك البنية النضالية أصلاً فهي قيادات سياسية تحترف العمل السياسي وليس النضالي الفعلي ولا تملك أي جاهزية أو استعداد لرفع سقفها الى المستوى الوطني  في النضال فلذلك كانت أول من عمل على إجهاض حالة التلاحم النضالي بين شقي الوطن في بدايات الانتفاضة.

أما محور المقاومة والممانعة والذي ما زال يعتبر فلسطين قضيته الأولى فعلى ما يبدو أن الاحداث  في المنطقة لم تبق فلسطين قضيته الأولى وربما تكون سوريا أو اليمن أو العراق أو حتى البحرين.

وصحيح أن إعلام محور الممانعة يتخذ موقفاً مسانداً للانتفاضة على عكس إعلام محور الانبطاح إلا أنه يبقى إعلاماً ويبقى الدعاء بدون القطران تمنيات فقط.

ولدى المقارنة بين دور محور الممانعة في دعم الانتفاضة الثانية ودوره الآن سنجد بكل صراحة أنه لا يقدم شيئاً بالمقارنة بين الانتفاضتين عدا عن الإعلام الناري، وحتى الجهد الإعلامي تغيب عنه أحياناً أحداث فلسطين. هذا المحور إذا خسر ساحة فلسطين فسيخسر في سوريا وفي العراق وفي البحرين وقد يخسر نفسه لأن لا وجود لمحور المقاومة والممانعة بدون فلسطين.

الاحتلال الصهيوني المعني الأول بالانتفاضة الحالية يستخدم كل الوسائل الشرسة في قمعها ليس فقط تعبيراً عن طبيعته الوحشية ولكن عن مدى خوفه من استمرارية الانتفاضة وتطورها وإمكانية أن توقف عجلة مخططاته التي يعتقد أنها حتى بأفضل احلامه لم تكن لتتحقق كما تتحقق الآن. وتحديداً في السنوات الخمس الأخيرة. فالدولة العربية تغرق في دمائها، وجيوشها إما تتفكك أو تغرق في حروب القبائل اللانهائية والكل يخطب ود إسرائيل سراً وعلانية. وقد باتت أقرب من أي وقت مضى بالانتقال بعلاقتها مع غالبية الدول العربية من حالة شبه السرية إلى العلانية والتطبيع الكامل وافتتاح السفارات في تل أبيب وربما القدس أيضاً. كل هذا تهدده الانتفاضة الحالية إذا كتبت لها الحياة.

جاءت الانتفاضة الثالثة غريبة لا أحد يريدها وهذه حقيقة أثبتتها الاحداث على الأرض وقد تعود غريبة إذا بقي الوضع على ما هو عليه. لا أعرف إلى متى سيستطيع شبابها وشاباتها الاستمرار في ظل المعطيات الحالية. لكن مما لا شك فيه أن الذي يعول على استمرارها وحيدة لا يختلف عمن يعمل فعلياً على وأدها. لا ينتظر من النظام العربي الرسمي أو القيادة الفلسطينية الرسمية أي شيء فهم معادون لكل مفاهيم ومضامين المقاومة. ولكن ينتظر من فصائل المقاومة ومحور الممانعة دفع ضريبة هذه التسمية وإلا تحولت كغيرها من أنظمة الردة بالمحصلة العملية.  لم تنتصر فيتنام بالخطابات بل بقطار الدعم اليومي من الصين والروس آنذاك. لا ننتظر في فلسطين قطار الدعم اليومي ولكن ننتظر أن تأخذ قوى نقشت على رايتها المقاومة والممانعة دورها. توقفوا عن مشاهدة أطفالنا على شاشة الفضائيات وهم يقتلون في مشاهد بطولية ومأساوية في آن 'واحد. قوموا وخذوا دورهم في  النضال فلقد أخذوا دور الكبار لفترة أطول مما ينبغي.  

إن الآراء المذكورة في هذه المقالة لا تعبّر بالضرورة عن رأي الميادين وإنما تعبّر عن رأي صاحبها حصراً
أيمن حاج يحي

نائب الأمين العام لحركة كفاح في فلسطين المحتلة.