عن تجربة المجتمع المدني في سوريا

الحديث عن المجتمع المدني العربي هو حديث عن مرحلة لم تكتمل أدواتها ومعطياتها المعرفية والعلمية والصناعية ، كما حدث في أوروبا عصر النهضة الذي أتى بعد نجاح الثورات السياسية البرجوازية. مع ذلك وانطلاقاً من مقولة هيغل بأن " المجتمع المدني منظومة حاجات" ومن ضرورة هندسة البنية المجتمعية في مرحلة ما بعد الحرب لا بد من القطع مع الماضي وإعادة بناء المجتمع بطرق تتجاوز البنى التقليدية والقبلية والطائفية المحلية لمصلحة مبدأ المواطنة التي هي أساس للمجتمع المدني الحاضِن للطاقات الشابة، للكفاءات والقادر على إبعادها عن التطرّف والعنف.

كلما كان المجتمع المدني قوياً ضعفت سيطرة الدولة

اعتبر الكثير من المثقّفين السوريين العام 2000 بمثابة الولادة الجديدة لسوريا بعد فترات طويلة من الجمود، إلا أن واقع هذه الحال لم يستمر طويلاً. وفي هذه الآونة بدت سوريا وكأنها دخلت في مرحلة الانفتاح لجهة تكاثر المنتديات الثقافية والاجتماعية المدنية ، جمعية أصدقاء المجتمع المدني.. ومنتدى الحوار الوطني.. ومنتدى الأتاسي، وغيرها الكثير... وناقشت هذه المنتديات الأوضاع الثقافية والاجتماعية والاقتصادية، وأطلقت ربيع دمشق ونشطت الحركة الاجتماعية والسياسية فيها بشكل غير مألوف استناداً إلى مجموعة من المعطيات منها خطاب الرئيس الأسد. 

واقع المجتمع المدني السوري انطلاقاً من قاعدة أنه "كلما كان المجتمع المدني قوياً ضعفت سيطرة الدولة، وكلما كانت قبضة الدولة قوية ضعف هذا المجتمع وأصبح خاضعاً وتابعاً لسيطرة الدولة". ولا يوجد اتفاق حول عمل مؤسّسات المجتمع المدني. فهناك مَن يراها تعمل خارج نطاق عمل الدولة، والبعض يراها مُتمّمة للدولة، في حين يراها البعض الآخر تقوم بدور المراقب لأداء الدولة. إلا أن الحد الأدنى المشترك ما بين مُختلف التعريفات يُجمع على أنها جملة من الهيئات والمؤسّسات والمنظمات المستقلّة نسبياً عن الدولة.

في سوريا تكثّف استخدامه في إطار مشروع "قضايا ومشاهدات". ولكن بشكل خجول وصولاً إلى عام 2000 ومحاولة تفكيك المفهوم سورياً واستخدامه كمدخل للحديث بالإصلاح السياسي. حيث بدأ النقاش بالوضع الاقتصادي والاجتماعي ليتطوّر في ما بعد ويقترب من الخطوط الحمر في تلك الفترة، أي من السياسة.  وكانت حركة السلم الاجتماعي التي أطلقها منتدى الحوار الوطني بمثابة بداية النهاية للربيع الدمشقي. حيث تم اتّهام هذه المنتديات بأنها مُخترَقة من الخارج، عندها قرّرت السلطة تعزيز خطوطها الحمر وتثبيتها ومنع الاقتراب منها، فأغلقت المنتديات والحوارات وأراحت نفسها، لكن هذه الراحة لم تُعمّر طويلاً.

وحسب ميشيل فوكو المجتمع المدني "ليس له هذه الصورة المثالية التي تفصله عن سلطة الدولة، لكنه مع ذلك ليس خاضعاً لسيطرة الدولة، ببساطة لأن الدولة مثلها مثل المجتمع المدني مجرّد أثر للممارسة السلطوية المنتشرة" وبالتالي المجتمع المدني يعدّ موقعاً مميزاً لممارسة السلطة أو ما يُسمّيه فوكو "قيادة السلوك".

من هنا كانت الأزمة السورية بمثابة الفرصة لعودة نشاط المجتمع المدني في الداخل والخارج السوري، وما حدث من انفلاش في حركات المجتمع المدني أصعب من أن يُعدّ ويُحصى، لجهة انتشارها بشكل فظيع من دون ضوابط قانونية ومؤسّساتية ناهيك عن حجم الفساد في جزء منها، حيث أصبح الكل ناشطاً مدنياً سواء في مناطق السيطرة الحكومية، وهنا بقي واقع العمل المدني محكوم بسلطة الدولة. لكنه توسّع وانتشر بشكل أكبر مما كان عليه سابقاً، بينما في مناطق سيطرة المعارضة المسلحة انتشرت وتفشّت ظاهرة العمل المدني عبر منظمات لسدّ الفراغ الذي حصل نتيجة غياب سلطة  الدولة وخصوصاً في مناطق ريف دمشق. الرقة. إدلب. حمص.  وبشكل مرتبط مع الخارج عبر منظمات تشكّلت في ظلّ الأزمة وتحديداً في تركيا والأردن ولبنان. مع الإشارة إلى أن النسبة الأكبر من هذه المنظمات نشطت في الخارج وكان لها فروع في الداخل، حيث بلغ عدد هذه المنظمات أكثر من 900 منظمة. ومردّ ذلك ضعف سلطة الدولة بعد عام 2011 وعدم قدرتها على تنظيم العمل المدني قبله. لأنه كان مُكبّلاً بقانون الجمعيات والمؤسّسات الخاصة السورية رقم (93) لعام 1958 والذي أصبح خارج الزمان والمكان بالنسبة للسوريين.

بناء على ذلك  وفي موازاة المتغيّرات الاجتماعية والسياسية الداخلية، مُضافاً إليها ضعف أو إضعاف العمل المدني. تراجعت قوى التغيير الحقيقي لصالح القوى الدينية، وتحوّل الصراع السوري إلى صراع بين المجتمع السياسي( السلطة) والمجتمع المدني (أي المجتمع)، وأضحى مفهوم المجتمع المدني يعني التعبير السياسي للقوى المجتمعية التي كانت مُغيّبة من قِبَل السلطة الشمولية.

الحديث عن المجتمع المدني العربي هو حديث عن مرحلة لم تكتمل أدواتها ومعطياتها المعرفية والعلمية والصناعية ، كما حدث في أوروبا عصر النهضة الذي أتى بعد نجاح الثورات السياسية البرجوازية. مع ذلك  وانطلاقاً من مقولة هيغل بأن " المجتمع المدني منظومة حاجات"  ومن ضرورة هندسة البنية المجتمعية في مرحلة ما بعد الحرب لا بد من القطع مع الماضي وإعادة بناء المجتمع بطرق تتجاوز البنى التقليدية والقبلية والطائفية المحلية لمصلحة مبدأ المواطنة التي هي أساس للمجتمع المدني الحاضِن للطاقات الشابة، للكفاءات والقادر على إبعادها عن التطرّف والعنف.

إن الآراء المذكورة في هذه المقالة لا تعبّر بالضرورة عن رأي الميادين وإنما تعبّر عن رأي صاحبها حصراً
حبيب شحادة

كاتب وصحفي من سوريا

إقرأ للكاتب

عودة اللاجئين.. ابتزاز سياسي

حيث أنّ أزمة اللاجئين هي مُفرز من مُفرزات الصراع السوري الدائر مُنذ سبع سنوات. ووفقاً للمفوضية...

حركة نسوية أم تجمّع للنساء

بداية ما يُعرف بالقبيسيات تم تأسيسه من قبل منيرة القبيسي في سوريا في سبعينات القرن الماضي نتيجة...

إدلب.. هل تسقط من داخلها؟

مُنذ سقوطها بتاريخ 28/3/2015، تحوّلت إدلب إلى خزانٍ مليشيوي للفصائل المتُطرّفة يجمعها قاسَم...

أستانة .. هل تؤسّس لحلٍ سياسي؟

أتى تأكيد اجتماع أستانة الأخير (4/4/2018) على أهمية إطلاق عمل اللجنة الدستورية المنبثقة عن...

عفرين والجيش التركي

تشكّل عفرين مسألة وجودية للكرد، ومسألة استراتيجية لتركيا تدخل ضمن نطاق أمنها القومي. والسيطرة...

خفْض التصعيد .. مُقدّمة للتسوية أم خطوة تكتيكية

منذ توقيع مناطق خفض التصعيد، ورغم عقد الكثير من المؤتمرات في أستانة، إلا أن تطبيق وقف إطلاق...