سد اليسو في تركيا.. جفاف يُنذر بعجاف في العراق

دجلة والفرات ليسا مجرد نهرين عذبين ومهمين لتوفير مياه الشرب والزراعة للعراقيين فحسب، بل هما رافدان للعراق بكل شيء و سبب قيام أولى حضارات الإنسانية على أرضه  ألا وهي حضارة _ بلاد ما بين النهرين و وادي الرافدين _ حضارة الحرف الأول والقانون الأول.

سد اليسو في تركيا.. جفاف يُنذر بعجاف في العراق

أزمة المياه الناتجة من تجفيف روافد دجلة والفرات القادمة من دول الجوار وإقامة السدود عليها ليست جديدة بل هي خطط ممنهجه سارت عليها دول الجوار منذ سنوات، وبدأت آثارها السلبية على العراق تزداد يوماً بعد يوم مستغلة ما يعيشه العراق من أوضاع في العقد ونصف العقد الماضية، ودائماً المواطن العراقي رغم قلّة حيلته هو الذي يبادر بتشخيص المشكلة والوقوف ضد هذه التجاوزات قبل مَن هم في موقع المسؤولية والقرار. 

وحتى سد اليسو التركي الذي كان بمثابة القشّة التي قصمت ظهر دجلة وأيقضت الرأي العام العراقي في هذه الأيام، كانت تركيا قد بدأت بإنشائه منذ آب/ أغسطس عام 2006 وأصرّت على إتمامه رغم معارضة الشعب الكردي في مناطق جنوب شرق تركيا، كون السد سيتسبّب في غرق بعض مناطقهم والإضرار بالمواقع الأثرية الكردية كالمدينة القديمة وحصن _ كيفا _ الذي يعود عمره لآلاف السنين، ولا من معترض لا من كردنا ولا من أعرابنا طيلة مدة هذه الحكومات الثلاث المتعاقبة رغم علمها بالموضوع. 

إن العمل بسد اليسو من قِبَل تركيا يعني القضاء على ما تبقّى من نهر دجلة المغذّي للأراضي العراقية من الشمال إلى الجنوب، فهذا السد العملاق سيأخذ أكثر من نصف حصّة العراق المائية التي هي بالأساس ليست حصّة كاملة بسبب إنشاء تركيا لمجموعة كبيرة من السدود على البحيرات والروافد التي تشكل مصدر دجلة والفرات، سبقت هذا السد إذ أن سد اليسو هو واحد من أصل 22 سداً تم إنشاؤها خلال السنوات الماضية، وهذا السد يُعدّ من أكبرها إذ سيسمح  بتدفق 47 ٪ فقط من مياه النهر المتدفّقة إلى العراق سابقاً، وهذا الأمر له مخاطر على كافة نواحي البلد الزراعية والبيئية والاقتصادية. 

ويؤكّد مختصّون إن هذاَّ السد سيحرم أعداداً كبيرة من السكان من مياه الشرب، وسيلوّث مياه الشرب المتبقيّة، لأنها ستمر في مولّدات الطاقة الكهرومائية، ويُضاف إليها ما يخرج من مياه ملوّثة من منظومات الصرف الصحي للمدن الواقعة على نهر دجلة، وسيرتفع مستوى التلوّث والملوحة في هذه المياه إلى 1800 ملغ /لتر، كما هي الحال في مياه الفرات التي تسمح تركيا وسوريا بمرورها إلى العراق، بعد أن تُشبعها بالملوّثات والأملاح الناتجة من الاستهلاك والزراعة والصناعة في سوريا، في حين أنَّ المعدّل العالمي للتلوّث لا يزيد عن 800 ملغ/ لتر! وهل نحن بحاجة لمزيد من التلوّث؟

وسيؤدّي انخفاض مناسيب المياه في دجلة إلى توقّف العمل في منظومات توليد الطاقة الكهربائية المقامة على طول نهر دجلة، وخصوصاً في سدّي الموصل وسامراء، وسيؤثّر ذلك على النشاط الصناعي والبنى التحتية كمحطات تصفية المياه ومصافي النفط والمستشفيات.

وستنخفض مناسيب الخزانات الطبيعية التي يعتمد العراق عليها في عملية خزن المياه للاستفادة منها في مواسم الجفاف كبحيرتيّ الثرثار والحبانية.

وسيُحدِث هذا الجفاف في دجلة أزمة في جنوب العراق وتوقّف لعملية إنعاش الأهوار التي تعتمد على مياه دجلة والفرات بملء أحواضها، وهو ما ينذر بكارثة على مستوى الثروة الحيوانية في مناطق جنوب العراق وانقراض لبعض التنوّعات الإحيائية بسبب الجفاف والتصحّر الذي ستسبّبه هذه الأزمة.

إن القوانين والأعراف الدولية جميعاً تقف إلى جانب العراق في حال تقديم شكوى على تركيا أو غيرها بخصوص التجاوزات الحاصلة على أنهاره، فقد نصّت قوانين الأمم المتحدة على (أنَّ الدول المُتشاطئة وإنْ كانت تملك حقوق السيادة على الجزء المار أو المتاخم لأراضيها، فإن هذا الحق السيادي مقيَّد بحقوق الدول الأخرى (المُتشاطئة على النهر)، وهذه المادة مثلاً تتناقض مع الشعار الدائم الذي ترفعه الحكومات التركية المتعاقبة لتبرير إنشائها عشرات السدود على دجلة والفرات، بدعوى أنها تمارس حقها السيادي على أرضها، وفي عام 1966 أقرت الجمعية العامة القانون الدولي في اجتماعاتها في _ هلسنكي _مبدأ ينفي الانتفاع بمياه الأنهار الدولية من قِبَل دولة واحدة ما لم يكن هناك اتفاق بين دول الحوض النهري المعني في هذا الشأن. أما لجنة القانون الدولي التابعة للأمم المتحدة، فقد ذكرت في العام 1973 ما نصّه (إنَّ الدول المُتشاطئة على النهر الدولي تستطيع استعمال المياه طبقاً لحاجاتها شرط ألا يسبب هذا الاستعمال ضرراً للدول الأخرى المشتركة معها في هذا النهر). وبالانتقال إلى توصيات مؤتمر الأمم المتحدة المعني بالبيئة والذي عُقد سنة 1992 الواردة في ما سُمّي إعلان "ريو"، فقد اعتمدت المبادئ الخاصة بالاتفاقيات الثنائية بخصوص الأنهار والمجاري المائية الدولية، وطالبت بأنْ يوضع في الاعتبار قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة 49/52، المؤرَّخ في 9/12/1994.

وختاماً أقول: ليس لنا أن نحمل الفؤوس ونذهب لتهديم سد اليسو، ولا يمكن للعراق أن يوجّه صواريخه نحو السد ويمنع ما تريد صنعه تركيا على أراضيها، لكن العراق يمتلك كافة الوسائل للضغط على تركيا من أجل إرجاع حصته المائية المُتدفّقة طبيعياً منذ أن خلق الله هذا الكوكب. 

"اليسو" صدمة ربما كنا بحاجة إليها، فساستنا قد انشغلوا كثيراً عن مُراعاة مصالح هذا البلد وانشغلوا بمصالحهم الضيّقة وافتعال أزمات أثقلت كاهل العراق وبان عليه المشيب.

إن الآراء المذكورة في هذه المقالة لا تعبّر بالضرورة عن رأي الميادين وإنما تعبّر عن رأي صاحبها حصراً
مصطفى عدنان

كاتب عراقي