استقبال نتنياهو وقتل خاشقجي وصواريخ غزّة

هل كان اغتيال أو تغييب الإعلامي جمال خاشقجي، والحملة الإعلامية، والاهتمام المُبالَغ فيه من قِبَل زعماء الدول الأوروبية وغيرها من بلدان العالم، سيناريو أو مقدّمات لتغطية التحضيرات التي تُعدّ لنشر العلاقات "الوطيدة" بين "إسرائيل" وأنظمة عربية؟، أم أن كل هذه السيناريوهات، تقصد الإعدادات والمخطّطات الموجّهة لضرب إيران الإسلامية؟. 

يتمّ إنجاز مشهد آخر لإعدادات وترتيبات ما يُراد أن يُصنَع في المنطقة، مما يسمّونه سلاماً، ونسمّيه استسلاماً
يتمّ إنجاز مشهد آخر لإعدادات وترتيبات ما يُراد أن يُصنَع في المنطقة، مما يسمّونه سلاماً، ونسمّيه استسلاماً

إن أول الجواب، ما يرتبط بعملية التطبيع، وإعلان العلاقات بين الكيان الصهيوني والأنظمة الخليجية، وما يُسمّى بالحرب على إيران... أمر واحد يهدف إلى تصفية القضية الفلسطينية، وتوسيع هيمنتها على المنطقة، وتسهيل توسّعها لاحقاً لتحقيق مشروعها "إسرائيل الكبرى".

لقد أريد للزيارات التي  قام بها مسؤولون صهاينة إلى محميات الخليج، كإعلان عن الاعتراف والصُلح مع هذا الكيان، أن تمر من تحت كفن خاشقحي الذي  لا يزال ينتظر الجثة التي توارت عن الأنظار ، رغم ما توصّلت إليه علوم بعض الدول باستكشاف ما لم يكن متوقّعاً له أن ينكشف، ولكنها "هذه العلوم" لم تستطع بعد هذه الفترة الطويلة من البحث، والمفاوضات، والخطابات، والتصريحات، والزيارات، بين عدّة عواصم مع إسطنبول، أن تفكّ لغز مقتل خاشقجي واختفاء جثته.

إنّه سيناريو لاستغفال الرأي العام العربي، المُستغفَل أصلاً في متاهات متعدّدة، هي أيضاً من نفس مصادر سيناريو خاشقجي. إنّ كل ذلك كان مفبركاً ومعدّاً، ضمن إعدادات "نفسية" لترويض الإنسان العربي، من أجل قبوله طواعية لمسائل التطبيع والقبول بوجود الغدّة السرطانية "إسرائيل".

إنّ جرائم آل سعود وحلفه المقيت في اليمن، يفوق آلاف المرات جريمة قتل خاشقجي، فلا نجد كل هذا الصخب، والاستنكار، والاهتمام... فهل دم خاشقجي أثمن من دماء الشعب اليمني؟، وهل كان مستغرباً أن يقوم النظام السعودي بتصفية أحد عملائه الذي خرج عن طوعه؟. 

إنّ الأمر لا يعدو عن صراع داخل الخندق الواحد، أو البيت الواحد، بين شركاء اختلفوا على ترتيبات مشروعاتهم، بعد أن أصابتهم الهزيمة في تلك المشاريع . وإذا كان لإيران دور في إلحاق الهزيمة بتلك المشاريع، التي صرف عليها الكثير من الزمن، والثروة، فإن من يفصل بين ما يحدث الآن على مسرح الأحداث الحالية، وبين أحداث الماضي القريب، المرتبط باغتصاب فلسطين.. فإنه من دون شك سوف يقع في خطأ التقدير.

إنها سلسلة من الحلقات ، تنتصر فيها القوى المُعادية وعملاؤها في الآونة التي تلت اغتيال الزعيم الخالد جمال عبد الناصر، وتوقيع اتفاقية كامب ديفيد ومثيلاتها مع النظام الأردني ، والسلطة الفلسطينية... مروراً باحتلال العراق، وليبيا، وإطلاق مشروع ثورات الربيع العبري، في محاولتهم الوصول إلى قلب العروبة النابض، لكي يتمّ نهائياً إعلان موت الأمة العربية.

لذلك، لم يكن مستغرباً أن يستقبل حاكم عربي، خدعنا أنفسنا كثيراً حينما تغاضينا عن سوابقه وماضيه الملوّث، وأطلقنا عليه صفة الحكيم.. يا ويلنا كم خُدِعنا أو خدَعنا أنفسنا.

إنّ أقسى ما أظهرته صور ومشاهد استقبال نتنياهو في عمان، هو ذلك القبول، ولنقل السكوت المخزي، للشعب العماني اتجاه حادثة العار هذه، الا بعض من اشرطة عن حرق العلم الصهيوني، لا ندري مكانها وتاريخها!، مع أن ذلك ليس إنكاراً تاماً لقوى عمانية معارضة للزيارة ومعارضة للسلطان وسياساته، وكذلك فإننا لا نقصد العمانين وحدهم دون غيرهم.

فها هي أبو ظبي تستقبل وزيرة "الثقافة" الصهيونية، وتتبرّك بها في أحد مساجدها، وها هو "النشيد" الصهيوني يصدح، أمام جمهور يسمّى، عربي؟!.

إن واحدة من أسباب تسارع هذه المشاهد، والسيناريوهات من دون أدنى شك، هي الخوف الصهيوني الأميركي من الموقف السوري الصامد، والمتصاعد في مسألة القبض على ثوابتها، وهي الثوابت القومية... فإن الرجل الذي لم يوقّع، لم يكن ليموت كغيره، الرجل الذي لم يوقّع، أنجب وطناً مقاوماً، برئيسه، وجيشه، وشعبه وقواه الوطنية والقومية.. إنه الاقليم الشمالي للجمهورية العربية المتحدة، الممسك بنهج الخالدَين جمال عبد الناصر، وحافظ الأسد.

لا نقول جديداً حينما نؤكّد أن سوريا كانت الاستدارة، من الانهزامات العربية، بعد احتلال العراق وليبيا وتفشّي ثورات الربيع العبري. استدارة فاقت وضع سوريا الجغرافي، والقومي.. فتوسّعت لتجد معها حلفاء "مُستهدفين" في الإقليم، وفي العالم، فكان لروسيا دور في تأكيد هذه الإستدارة، كما كان لإيران دور.. فإذا كانت روسيا قوّة عظمى، تعني المواجهة المباشرة معها، قيام حرب عالمية ثالثة، لا تُبقي ولا تذَر، فإن تهديد إيران، والإعداد للحرب ضدّها، لها تأثيرات إقليمية "فقط" كما يتصوّر دُعاة الحرب، وهي كما يتخيّلون، لا تتطلّب إمكانات عسكرية واقتصادية، كما مع روسيا.

إنهم يغفلون أن خيارات إيران، وشركائها في المحور المقاوِم وجماهيره، متعدّدة وشاملة، وأن خياراتهم أضيق كثيراً مما يتوقّعون.

إذاً من تحت سقف أيّ حدث مضخّم.. يتمّ إنجاز مشهد آخر لإعدادات وترتيبات ما يُراد أن يُصنَع في المنطقة، مما يسمّونه سلاماً، ونسمّيه استسلاماً. إنهم يضيّقون كما يتصوّرون على إيران حتى باتت "إسرائيل" على مقربة من حدودها وموانئها.

فهل بإمكان السلطنة، أن تكون بقدر الأبعاد السياسية والعسكرية والاقتصادية، التي تفرضها عملية الاستقبال الفاحِشة لرئيس وزراء كيان العصابات الصهيونية.. وهل تكون كذلك بقية محميات الخليج، بشأن ما سيترتّب في مواجهة محتملة مع إيران؟. يقيناً ليس نعم.

فإذا أرادت السلطنة استجلاب قوات أو "خبرات" إسرائيلية أو أميركية وغربية، أو حتى عربية أو "شرق أوسطية" حسب تعبيراتهم... تحت أيّ مسوّغ أو عنوان، فإن النتيجة التي لا تقبل الشك فإن السلطنة و كل محمياتهم، ستقع تحت مدى الأسلحة الإيرانية.

إن هذه الأحداث والإعدادات، مع تفاصيل ما يُعدّ ويجري في الجبهة الشمالية للكيان الصهيوني، وفي الجبهة الجنوبية مع غزّة... يكاد، بل هو يقين، يعيد الأمل والمشاعر العربية الشعبية في إحداث تغييرات مفاجأة، على الخارطتين الجغرافية والسياسية في المنطقة.

اتهم قادة عسكريون "إسرائيليون" فيلق القدس بإطلاق الصواريخ على الكيان الصهيوني من قطاع غزّة.

لعلّهم يصدقون؟، فيلق القدس أو حلفاؤه، يحاصرون العدو. يزورون محميات بعيدة، فليفرحوا بزياراتهم تلك، الرد داخل الكيان أو على مقربة منه.. فأين المفر؟.

إن الآراء المذكورة في هذه المقالة لا تعبّر بالضرورة عن رأي الميادين وإنما تعبّر عن رأي صاحبها حصراً
حسين الربيعي

كاتب عراقي