إدلب لا تبقى رهينة المعادلات الإقليمية والدولية

لكن في جزئيّات هذا المشهد، فقد نجح الجيش السوري وحلفاؤه في إعادة التوازن للمُعادلات العسكرية والتي بدورها ستحقّق نجاحاً سياسياً عبر فرض الوقائع.

نجح الجيش السوري وحلفاؤه في إعادة التوازن للمُعادلات العسكرية والتي بدورها ستحقّق نجاحاً سياسياً عبر فرض الوقائع
نجح الجيش السوري وحلفاؤه في إعادة التوازن للمُعادلات العسكرية والتي بدورها ستحقّق نجاحاً سياسياً عبر فرض الوقائع

تحسّباً لأيّ تصدّع قد يُصيب بنية التحالفات والتفاهمات المؤقتة، يحتدم الصراع بين القوى المؤثّرة في الشأن السوري للسيطرة على مكامِن القوّة، ليبدو المشهد السوري بذلك وكأنه رهنٌ بقوالب سياسية وميدانية مفروضة من قِبَل الأطراف الفاعِلة في سوريا، ما يُفسّر التسارُع المُتزايد في عَقدِ الاجتماعات والقمم التي لن تبحث في مضامينها عن حلول نهائية، بل ستحمل في خواتيمها تفاهمات وحلول مؤقتة تُفضي بالضرورة إلى تقاسُم مناطق نفوذ، تمهيداً للوصول إلى الرؤية السياسية والتي تكون متوافقة مع متطلّبات الحل الدولي، وهذا في طيّاته يحمل تعقيداً لمسار الحل السياسي في سوريا.

لكن في جزئيّات هذا المشهد، فقد نجح الجيش السوري وحلفاؤه في إعادة التوازن للمُعادلات العسكرية والتي بدورها ستحقّق نجاحاً سياسياً عبر فرض الوقائع، وما يحمله الانتصار الميداني من أوراق قوّة سياسية، وعلى اعتبار أن معظم مناطق الجغرافية السورية باتت خالية من الإرهاب، لن تبقى إدلب رهينة الخيارات الإقليمية والمعادلات الدولية، فـبجردة حساب بسيطة وبالاعتماد على نتائج مُنجزات استراتيجية مثل تحرير حلب والغوطة الشرقية لدمشق والجنوب السوري، يبدو واضحاً أن حسابات الدولة السورية وإنْ كانت مُتوافقة مع تطلّعات واستراتيجيات حلفائها، إلا أن منطق السيادة السورية الكاملة يفرض معادلات من نوع آخر، معادلات ستكون نتائجها حتماً تحرير سوريا من الإرهاب والقوى غير الشرعية في الأراضي السورية.

تُصرّ تركيا على تعقيد الحل السوري عبر جُملةٍ من المُتناقضات في السياسة الإردوغانية، والواضح أن التصريحات التركية شيء، والقدرة على تنفيذ أيّ تعهّد تركي شيء آخر، حيث أن تركيا لم تتمكّن عملياً من تنفيذ بنود اتفاق سوتشي الخاص بمناطق منزوعة السلاح، وبذات التوقيت لا يمكن لتركيا أن تحقّق أيّ نجاح من دون جَذْب واشنطن إلى مشهد يُراد منه عقد صفقة تُمرَّر من تحت الطاولة، فـالمنطق التركي يُدرك بأن روسيا لن تخرج من صيغة التفاهمات الإستراتيجية مع سوريا، ولن تكون هناك حلول من دون موافقة سوريّة كاملة، بينما الطرف الأميركي يمتلك هامشاً غير محدود في معايير الصفقات، ومن الممكن أن تبيع واشنطن ورقة الكرد ببضع تفاهمات حول إدلب.

القلق التركي تُرجِمَ كتدخل عسكري بارد في إدلب، ومن الناحية الاستراتيجية تسعى تركيا لضرب الكرد والجيش السوري عبر تفاهمات سياسية مع روسيا وأميركا، وهذا ما لا تُخفيه أنقرة، وعليه حاولت إيجاد تكامُل ميداني لضرب مصالح الأطراف كافة، بمن فيهم الأميركي، لكن ربما غاب عن ذهن إردوغان بأن الكرد يلعبون على المُتناقضات عبر التقرّب من الدولة السورية وجيشها، خاصة أن واشنطن قد خذلتهم في أكثر من مناسبة على الرغم من تزويدهم بالأسلحة، وذلك فقط من أجل أسباب تتعلّق بالمصالح الأميركية الراهنة، في المقابل فإن أنقرة أثبتت للجميع بأنها طرفٌ يناور ويُجيد اللعب على خيوط المصالح، حيث أن روسيا وأميركا تدركان أن طموحات تركيا قد فاقت وتخطّت المصالح الروسية والأميركية معاً، وبالنتيجة فإن تركيا ستدفع ثمن قراءتها الخاطئة للواقع السياسي والعسكري، الذي فرضه الجيش السوري رغم العوائق التي حاولت واشنطن فرضها لمنع تحقيق أيّ إنجاز عسكري سوري، وعليه لا بد لإردوغان من تصويب سياساته في سوريا، وقراءة ما أُنجز سياسياً وعسكرياً في سوريا، لرسم خطوط تفاهمات مع روسيا وإيران وصولاً إلى دمشق.

مندوب سوريا الدائم لدى الأمم المتحدة الدكتور بشّار الجعفري وخلال جلسة لمجلس الأمن الدولي حول الحال في الشرق الأوسط أكّد "أن إدلب جزء من سوريا"، وشدّد الجعفري "على أن سوريا لن تسمح بتحوّل إدلب إلى كهوف جديدة للإرهابيين"، وكترجمة فعلية لكلام مندوب سوريا الدائم في الأمم المتحدة، يبدو أن الميدان سيكون من جديد الحَكَم في صوغ التوازنات، وسيكون الجيش السوري عرَّاباً لأية معادلات إقليمية ودولية، فأيّ طموح غربي أو تركي في سوريا سيصطدم بمعادلة التحالف القوي السوري الروسي الإيراني، ولن يكون بالنتيجة لأية قمّة تحديد خيارات الدولة السورية إنْ لم تكن مُتطابِقة مع توقيت دمشق.

إن الآراء المذكورة في هذه المقالة لا تعبّر بالضرورة عن رأي الميادين وإنما تعبّر عن رأي صاحبها حصراً

إقرأ للكاتب

صفقة ترامب ووهم اليمين الإسرائيليّ.. بدايات الانفجار

لعلَّ شمعون شاباس، المدير العام السابق لديوان رئيس الحكومة الإسرائيلية، استشفَّ مآلات هذه...

حماقة أميركية ستُغيِّر معالم المنطقة

يمكن لواشنطن وتل أبيب توقّع ردٍ يعيد قواعد الاشتباك التي سقطت إلى نصابها، مع تعديلات إيرانية...

واشنطن والثُقب الأسود في شمال شرق سوريا

الثقوب السود لواشنطن في سوريا، لا تتمثَّل فقط بمُحاربة "داعش"، وجَذْب المزيد من اللاعبين...

تركيا في مهبّ تحوّلات المنطقة

حدثان يُعدَّان تحوّلاً استراتيجياً ناظِماً لموازين القوى في المشهد السوري، إحداهما صاغه الرئيس...

تركيا في مهبّ تحوّلات المنطقة

حدثان يُعدَّان تحوّلاً استراتيجياً ناظِماً لموازين القوى في المشهد السوري، إحداهما صاغه الرئيس...

واشنطن وموسكو ومركزيّة الشرق الأوسط

اليوم بات واضحاً أن التخلّي الأميركي عن الكرد وتركيا، جاء في توقيتٍ استراتيجي تمّ استثماره...