نضال حمد

كاتب وإعلاميّ وناشط سياسيّ فلسطيني، رئيس تحرير موقع الصفصاف الالكتروني. من مواليد مخيّم عين الحلوة. أصيب بجراح بليغة أثناء الدفاع عن مخيّميْ صبرا وشاتيلا خلال معركة مع الدبّابات الصهيونيّة (17-9-1982).

علاقات بولندا والكيان الصهيوني لن تتبدّل كثيراً

الغريب فعلاً أن كل هذه القوّة الصهيونية موجودة ومُتغلغلة في كل شيء في بولندا. وأن أتباعاً وأنصاراً ومؤيّدين لديها بالجملة في الشارع البولندي، وبالذات بين نُخَب المجتمع. بالرغم من وجود حال قوية جداً من العداء لليهود أو كما يسمّونها " مُعاداة السامية " في الشارع البولندي. فلا يكاد يخلو شارع أو جدار أو زقاف في المدن البولندية من شعارات ضد اليهود، حتى أن مشجّعي فرق كرة القدم في بولندا يرفعون شعارات ضد اليهود.

لا أعتقد إن الأزمة الأحدث بين بولندا والكيان الصهيوني ستستمر طويلاً لأن التحالف بينهما قوي
لا أعتقد إن الأزمة الأحدث بين بولندا والكيان الصهيوني ستستمر طويلاً لأن التحالف بينهما قوي

لطالما كرَّر القادة الصهاينة تهجّماتهم على الأوروبيين بالرغم من كل الدعم والإسناد الذي تلقّاه الكيان الصهيوني من أوروبا والأوروبيين، حتى منذ ما قبل تأسيس كيان ( إسرائيل ) سنة 1948 على أرض الشعب العربي الفلسطيني في فلسطين المحتلة. فالعصابات الصهيونية تلقّت الدعم والتسليح والتدريب في تلك الدول ومنها بولندا، التي رأت قيادتها في سنوات الثلاثينات والأربعينات من القرن الفائت، أن أنسب طريقة لتسهيل رحيل اليهود من هناك تكون في دعم وتدريب الحركات اليهودية الصهيونية، التي تبنّت المشروع الصهيوني وكانت تدعو اليهود الأوروبيين إلى ترك أوطانهم الأوروبية  والرحيل نحو فلسطين، التي كانوا يسمّونها أرض الميعاد والوطن اليهودي الموعود.

أعلنت بريطانيا في الثاني من نوفمبر 1917 على لسان وزير خارجيّتها آرثور بلفور عن وعدها للصهاينة بإقامة وطنٍ قومي لهم في فلسطين العربية، التي كانت تحت الانتداب البريطاني. وبقيت بريطانيا تُسلّحهم وتُسهّل دخولهم وهجرتهم إلى فلسطين لغاية آخر يوم من وجودها الاستعماري في فلسطين الانتدابية. ولم تتغيّر سياسة الحكومات البريطانية فبقيت مُتصهينة حتى يومنا هذا، بالرغم من وجود تحرّكات شعبية بريطانية كبرى مُناصرة ومؤيّدة لفلسطين.

كل أوروبا غربية وشرقية، رأسمالية واشتراكية، كانت مع الحركة الصهيونية وضدّ العرب الفلسطينيين ، وسهّلوا احتلالهم لفلسطين. منذ البدايات وقفوا إلى جانب العصابات المسلّحة الصهيونية وسهّلوا وصولها إلى فلسطين المحتلة. فمَن لم يساعد الصهاينة بالمال والعتاد والتدريب والترحيل والتسفير، ساعدهم في تهجير اليهود الأوروبيين الذين لم يرغبوا بترك بلدانهم وممتلكاتهم والرحيل إلى الوطن المزعوم والموعود. وهنا لا بدّ من ذِكر العلاقات السرّية التي كانت قائمة بين بعض قادة الحركة الصهيونية والنازيين في ألمانيا والفاشيين في إيطاليا. ومن هؤلاء القادة الصهاينة إسحق شامير الذي نسّق مع النازيين ، وجيبوتنسكي الذي كان يمتلك علاقات مميّزة مع الفاشيين ومع موسوليني.

في مقالة لي بعنوان ( أحفاد جابوتنسكي يقوننون نهجه الفاشي) نُشِرت في موقع الصفصاف يوم 11-10-2010. كتبت:

التحرّكات العنصرية والفاشية في الكيان الصهيوني تُعيدنا إلى زمن بروز الفاشية والنازية في أوروبا والصهيونية في فلسطين الانتدابية. ففي الأول من يوليو - تموز سنة 1933 كتب الناشِر المُعادي للفاشية  "برونو فراي" وهو - حفيد الشاعر الألماني الشهير هاينريخ هاينه - في مجلة " الهجوم المضاد " التي كان يصدرها من براغ بعد هجرته إليها. كتب تحت عنوان " الفاشية اليهودية .. تلميذ أدولف هتلر في فلسطين " وكان يقصد بهتلر اليهودي فلاديمير جابوتنسكي، رئيس الاتحاد الدولي للإصلاحيين الصهاينة، الأب الروحي لنتنياهو وليبرمان وبيغن وشارون وشامير وغيرهم. ومعلوم أنه كان لدى الفاشي جابوتنسكي برنامج متكامل لزرع الفاشية اليهودية في فلسطين. كما كان لدى جابوتنسكي أيضاً ترجمة عبرية كاملة لبرامج عمل هتلر.

وفي بحثٍ منشور في مركز الإعلام الفلسطيني من دون توقيع جاء إن جابوتنسكي وفي مُحاضرةٍ ألقاها بتاريخ 25 مايو عام 1933 في فيينا، قدّم جابوتنسكي – مُقلّداً معلّمه هتلر – خطة خماسية لفلسطين، تلحظ في تفاصيلها حرباً عربية أوروبية قادمة يقف فيها اليهود إلى جانب أوروبا ضد العرب.

 

في الأربعينات من سنوات القرن الفائت كان اليهود يُساقون إلى معسكرات الاعتقال النازية أو إلى المجهول والرحيل بترتيبات صهيونية إلى فلسطين العربية. وهذا يدلّ على التنسيق بين النازية والصهيونية والفاشية الأوروبية في مصير يهود أوروبا. ويجدر هنا التذكير بأن العنصريين الأوروبيين والقوميين المُتشدّدين والمُعادين للسامية، لا يعتبرون اليهودي مواطناً أوروبياً مثله مثل أيّ مواطن مسيحي أوروبي. بل يعتبرونه يهودياً وليس أوروبياً. وهذا العداء لليهود أفاد الحركة الصهيونية في ترسيخها بالعقول كذبة أو بدعة الشعب اليهودي، وهو شعب اخترعته الحركة الصهيونية.

لطالما قلت إن العداء لليهود كيهود في أوروبا يُعتَبر أكبر خدمة للأفكار الصهيونية. فأعداء اليهود لمُجرّد أنهم يهود يريدون تهجير ما تبقّى من يهود أوروبيين إلى فلسطين المحتلة، ويمانعون في عودة أيّ يهودي إلى وطنه الأصلي في أوروبا. ورغم ذلك نجد أن البعض لازالوا يراهنون عليهم في مُعاداة الكيان الصهيوني.

أليس غريباً أن المجرم شامير ( صهيوني من أصل بولندي) كان يتبع عصابة شترن الصهيونية المُجرمة وهو قاتِل المبعوث الدولي السويدي الكونت فولك برنادوت في أيلول - سبتمبر سنة 1948 في أحد شوارع القدس المحتلة، في القطاع الغربي المحتل من المدينة المُقدّسة، وذلك لأنه عارَض ضمّ بعض الأراضي الفلسطينية إلى الدولة اليهودية المُقترحة في قرار التقسيم الذي صدر في 29 تشرين الثاني 1947،... أليس غريباً أن شامير الذي أصبح في ما بعد رئيساً لوزراء الكيان الصهيوني، هو نفسه الذي كان ينسّق مع النازيين في تهجير اليهود من أوروبا، كما هو نفسه الذي قال وكرّر مِراراً إن " البولنديين يرضعون مُعاداة السامية منذ ولادتهم"؟.

لا ليس غريباً فأفكار شامير الصهيونية حيّة مع كل صهيوني ويقوم بترجمتها هذه الأيام نتنياهو وكاتس وزير خارجيته المؤقّت، اللذان أثارا مؤخراً الأزمة مع بولندا وحكومتها، مع أنها حكومة حليفة لهم كمّن سبقتها من حكومات بولندية تولّت الحُكم منذ انهيار الاتحاد السوفياتي ومعسكره الاشتراكي  وحلف وارسو سابقاً. إذ لا فرق في التحالف مع الصهاينة وأميركا بين حكومة بولندية يمينية أو يسارية، كلهم "بالهوى سوا".

ليست الأزمة بين بولندا والكيان الصهيوني هي الأولى بين البلدين أو حتى بين كيان (إسرائيل) وبعض الدول الأوروبية. إذ شهدت العلاقات الثنائية محطات عديدة من الخلاف والاتّهامات المُتبادَلة. ربما أن أكثر مَن يفهم الصهاينة هم البولنديون ، لأن غالبية قادة الحركة الصهيونية والعدد الكبير من اليهود الذين احتلوا فلسطين وأسّسوا الكيان الصهيوني هم من يهود بولندا. وكذلك فإن يهود الكيان الصهيوني يفهمون البولنديين جيداً، ولا يستطيعون لغاية اليوم الاستغناء عن بولندا وتاريخهم الطويل هناك. فوجودهم في بولندا يمتد لمئات السنين. حتى أن الثقافة البولندية تعجّ بالحضور اليهودي، كذلك في كل المجالات الأخرى. لأن هؤلاء عاشوا هنا ككل سكان البلد، ولازال عشرات أو مئات الآلاف منهم يعيشون في مدن وقرى وبلدات بولندية، ولهم حضورهم القوي في كل مجالات الحياة السياسية والاجتماعية والثقافية والإعلامية والصناعية والفنية والتجارية والحزبية والبرلمانية والحكومية والتعليمية والأكاديمية والجامعية. كما أن مؤسّساتهم وجمعياتهم موجودة في كل مكان، يكفي أن هناك مهرجانات يهودية سنوية عديدة تُقام بشكلٍ مُنتظِم في عددٍ كبيرٍ من المدن والبلدات البولندية، وكلها مهرجانات تستغلّ لترويج الدعاية للكيان الصهيوني ومُعاداة العرب والفلسطينيين. منها مثلاً مهرجان الثقافة اليهودية الذي يُقام كل سنة في وارسو وكراكوف ويتلقّى دعماً وتمويلاً مالياً من السلطات البولندية. ومهرجان الفيلم اليهودي. ومهرجانات أخرى عديدة. وفي ما يخصّ مهرجانات الأفلام العالمية التي تُقام سنوياً في وارسو وكراكوف فإن الحضور اليهودي و ( الإسرائيلي) والصهيوني دائم الوجود وبقوّة. وهناك تعاون بارز وقوي بين مهرجان الفيلم العالمي في كراكوف ومهرجانات السينما الصهيونية. أما الإعلام البولندي المرئي والمسموع والمقروء ورقياً والالكتروني في غالبيته الساحقة للأسف إعلام صهيوني منحاز للصهاينة وضد العرب والمسلمين.

الغريب فعلاً أن كل هذه القوّة الصهيونية موجودة ومُتغلغلة في كل شيء في بولندا. وأن أتباعاً وأنصاراً ومؤيّدين لديها بالجملة في الشارع البولندي، وبالذات بين نُخَب المجتمع. بالرغم من وجود حال قوية جداً من العداء لليهود أو كما يسمّونها " مُعاداة السامية " في الشارع البولندي. فلا يكاد يخلو شارع أو جدار أو زقاف في المدن البولندية من شعارات ضد اليهود، حتى أن مشجّعي فرق كرة القدم في بولندا يرفعون شعارات ضد اليهود. ربما هذا هو السبب الإضافي لقوّة الصهاينة في بولندا. فمُعاداة اليهود كيهود تخدم الصهاينة ولا تخدم أبداً أعداء الصهيونية. ففي الوقت الذي يكون فيه النفوذ الصهيوني كبيراً جداً في بولندا وأوروبا، كان يمكن لرئيس الوزراء السابق شارون القول: إن أوروبا التي قتلت اليهود لا تستطيع أن تعلّمنا الأخلاق. وهو نفس السيناريو الذي يكرّره الآن نتنياهو ومَن معه.

لا أعتقد إن الأزمة الأحدث بين بولندا والكيان الصهيوني ستستمر طويلاً لأن التحالف بينهما قوي، والعلاقات التجارية والتاريخية أيضاً قوية. والمصالح في لغة الحكّام أهم من المبادئ والأخلاق. فكيف إذا كانت الخلافات بين حكومتين يمينتين ألعوبتين بيد إدارة ( ترامب) اليمينية الرأسمالية الأكثر توحّشاً وتصهيناً.