إبراهيم شمص

صحافي في الميادين نت

هكذا تتحول رؤى الآباء في أولادهم إلى حسرة لا يسعفها إلا الرحيل!

هكذا هي الرواية كما حدثني أبي. والدي الذي نشرت له مقابلة مع جريدة "السفير" يتحدث فيها عن شقيقه الأصغر المجهول المصير. هكذا أكتبها دون عودة إلى مصادر ومراجع أكاديمية. هكذا هي في ذهني ذاكرة حرب لم أعشها.

مرّت السنوات وبقيت "نوستالجيا" جدي عن ابنه الصغير تظهر في مقليته
مرّت السنوات وبقيت "نوستالجيا" جدي عن ابنه الصغير تظهر في مقليته

هرع حسين صوب كلية العلوم. جمع على بدنه في عجالة ملابسه المزينة ببقع سوداء. ابن الـ 18 عاماً دشن محلاً لتصليح السيارات قبل أعوام. فوق لباسه جعبة خضراء، لا يدري الحجة خلف ارتداءها، فمخازن الرصاص قليلة. يحمل بندقية كلاشينكوف بـ "أخمس" حديدي دون حزام، متزنراً بمسدس "توغاريف".

من منزله في حي السلم، مسافة مئات الأمتار صوب الكلية. يحسبها حسين "خط نار"، وهو المعتاد مذ بلغ الحلم على العسكرة. والداه يعجزان عن كبح جماح شاب حركته معهودة ، من السير صوب حتف غير محتوم. حسين وهو مسؤول عن مجموعة في المقاومة، يدخل الكلية متوسطاً 17 رفيق ومقاتل، جمعتهم البندقية رغم اختلاف الأيدولوجية. كانت أيام اجتياح بيروت ما زالت بعد.

أتت القوات الإسرائيلية ومن معها من فوق، لتنزل تجاه كلية العلوم. دارت رحى الاشتباك هناك. جنود مدججون مقابل شبان طامحين لمجد بين أيديهم يسعون لصنعه، لكنهم يسألون كيف السبيل إلى صد الغزو؟ ما كانت اللحظة في صفهم. لا وقت للتفكير على وقع اشتباك. رصاصة من هنا تقابلها قذائف من هناك.

ما كان الاشتباك لينتهي دون أثر من المعركة. الشبان الـ 18 مكبلين، سائرين إلى حتف لم يزل غير محتوم. إلا أن حسين بيده المصابة يحمل ثقلاً فوق ثقل. ليس يختبر الواحد فينا ضربات الحرب وآلامها، عندما تنزل عليه ويديه متصافحتان إلى الخلف، معصّب العينين..

هكذا هي الرواية كما حدثني أبي. والدي الذي نشرت له مقابلة مع جريدة "السفير" يتحدث فيها عن شقيقه الأصغر المجهول المصير. هكذا أكتبها دون عودة إلى مصادر ومراجع أكاديمية. هكذا هي في ذهني ذاكرة حرب لم أعشها. يزاد عليها، دموع جدي السخية، عندما كان يجلس معتمراً قلنسوة بيضاء، وعباءة رمادية، ينفخ هواء سيجارته التي يلفها بيديه، ويبكي متذكراً حسين الذي فقده، قبل عشرات السنين. جدي الذي نصب لابنه صورة على حائط منزله، ببزة عسكرية، وقميص أسود.. ما اكتمل رداء المقاتلين إلا نادراً في تلك الأيام.

مرّت السنوات وبقيت "نوستالجيا" جدي عن ابنه الصغير تظهر في مقليته. رائحته، صوته الناعم – الذي سمعته في شريط مسجل – هيئته وهيبته. كلها رحلت مع الكهل الثمانيني ذات صباح. هكذا تقطع الحرب وصال أبناءها فيما بينهم، هكذا تتحول رؤى الآباء في أولادهم إلى حسرة لا يسعفها إلا الرحيل.