الاعتداء على المُقدّسات في الغرب بدعوى حرية التعبير عن الرأي

في ذلك الريف الأوروبي الهادئ والجميل (اسكندنافيا) وتحديداً في مملكة الدنمارك، قد ترتقي مرتبة حرية التعبير عن الرأي في بعض الأحيان إلى مرتبة القداسة. تلك القداسة التي سقطت في الغرب منذ عقود طويلة، سقوطاً حراً من أعالي السماء إلى كينونة الإنسان، وإلى كل ما يتعلّق به من حرية شخصية وكرامة ورفاهية وحقوق. فصار المُقدّس هو الإنسان، حيث لا قدسية لسواه، أوهكذا هي حال الخطاب الذي يتم تداوله في الغرب عموماً.

الاعتداء على المُقدّسات في الغرب بدعوى حرية التعبير عن الرأي

ذلك الخطاب، الذي يقابله خطاب مختلف تماماً عند معظم أهل الشرق، أو أهل الجنوب؛ إذ أن المُقدّس عندهم لا يزال يرتبط بموروثهم الديني، وما يزال يحظى - لدوافع ذاتية ولأسباب موضوعية - بالمكانة السامية المتعالية، والعُليا على كل ما سواها. ومن هناك يستمد الإنسان حريته الباطنية وتناغمه الداخلي وشعوره بالأمان.

وفي واقع الحال، لا يمكن لأيّ من الطرفين أن يدَّعي بأنه يمتلك الحقيقة، فالمسألة تبقى نسبية إلى حدٍ بعيد. ولاسيما عندما نستثني أهل الجحيم من الطرفين، ممَن يحملون فكراً مُتعطّشاً للدماء، سواء كان فكراً أصولياً أو ليبرالياً. دينياً قد احتكر الله لصالحه أو أيديولوجياً قد تقَّنع بالعلمانية أو الديمقراطية لإخضاع الضعفاء وسلب خيراتهم. بعد ذلك الاستثناء؛ من العسير على المرء بأن يعتقد بصراع حضارات بين الطرفين، بين الشرق والغرب، أو بين الإسلام والمسيحية في سياق ما نتناوله، كما حاول البعض إن يُلبس الحقَ ثوب الباطل، عند محاولة تسويق الأزمة التي أحدثتها الرسومات المُسيئة للنبي في الدنمارك، على أنها مجرّد صراع حضارات قد بدأ يتفجّر، لكي يخلص المرء إلى نتيجة مفادها؛ أن هناك مشكلة حقيقية في التعايُش، لأن المسلمين لديهم مشكلة في فَهْم قِيم ومبادئ الغرب. مع أن القضية في الحقيقة هي أيديولوجية صرفة في بواعثها وأقرب إلى التراثية الوجدانية في ردّات فعلها، من قربها إلى التعصّب الديني. ولا ننسى هنا، بأن الدين هو تراث أيضاً، حتى للكثيرين من غير المؤمنين به. لذلك  كانت تلك الرسومات أو تداعياتها، مُستفزّة للكثيرين، بما في ذلك العلمانيين أو حتى المُلحدين، وكذلك مَن هم من غير المسلمين في بعض الأحيان، بل وحتى للكثيرين من الدنماركيين أنفسهم. ذلك أنه قد رأى الكثيرون، بأن تلك الرسومات قد أساءت استعمال حرية التعبير عن الرأي، تلك الحرية التي من المُفترض أن تنتهي، عندما تبدأ حرية الآخرين، أو عندما تمسّ مشاعرهم أو وجدانيتهم بقسوة. بينما أصرّ مَن يقفون وراء الرسومات، بأنها لا تخالف بنود القانون الدنماركي، وتتناغم مع تراث الصحافة الدنماركية، بانتقاد، أو حتى السخرية من الرموز المُتعالية، بما في ذلك الرموز الدينية، كالسيّد المسيح مثلاً.

وفي الحقيقة أنه على الرغم من أن الشعب الدنماركي الذي عايشته لعقود، هو من أكثر شعوب الأرض طيبة وتسامحاً واحتراماً للآخر، لدرجة أن اللحم الذي كان يتم تقديمه للمدارس ولرياض الأطفال لعقود متتالية في الدنمارك، هو على الأغلب لحم حلال بشكل حَصري، ليأكل منه الجميع، مسلمين وغير مسلمين، وذلك احتراماً لمشاعر المسلمين ولعقيدتهم، بما في ذلك نزلاء السجون منهم. بالإضافة إلى أنه كان يتمّ منح امتيازات كثيرة للاجئين، لا يستطيع الحصول عليها المواطن الدنماركي نفسه. ولكن مع ذلك، فمن الصعب على المرء الاقتناع، بأن حرية التعبير عن الرأي تلك كانت بريئة تماماً. وعدم البراءة تلك، من غير الإنصاف تعميمها على أخلاق الدنماركيين، لأنها تنحصر ببساطة بفئة يمينية محدودة تستغل رحابة القانون، لكي تشعل الصراعات التي تحفظ لها استمرارية وجودها، ولذلك فإن إحراق العَلَم الدنماركي والذي شاع حدوثه في العالم الإسلامي في تلك الفترة، كان بمثابة إصابة الهدف الخطأ.

ثم ما حصل بعد ذلك، بأن الضجّة الكونية التي أحدثتها تلك الرسومات، كانت قد أغوت البعض إلى تسلّق سلّم الشهرة واختطاف الأضواء من دون جهد يُذكَر، في بلدان غربية عدّة، كتقليد للتجربة الدنماركية، ما دام القانون الرسمي لتلك الدول يحمي حرية التعبير عن الرأي، لا بل وقد يضع كذلك حرساً شخصياً لمَن تتهدّد سلامته بسبب آرائه، حتى ولو كانت تلك الآراء مُستفزّة ولا تحلو للبعض، إلى أن كاد استفزاز المسلمين أن يصبح الموضة الدارِجة. وفي الحقيقة أنه قد خاب أمل الكثيرين من الساعين إلى المجد والشهرة، لغياب ردّة الفعل الكافية ضدّهم في أوساط المسلمين، وهذا في الحقيقة خير عقاب لهم… أعني التجاهل.

بعد عدّة محاولات مُماثلة في الدنمارك وحيث لم يُكتَب لها النجاح، تُطلّ علينا ظاهرة جديدة أو شكل جديد من أشكال حرية التعبير عن الرأي يتمثل بإحراق القرآن، حيث أطلّ علينا فجأة شاب محام إسمه "راسموس بالودان" كان قبل بضعة أسابيع قد مثل أمام القضاء الدنماركي بتهمة العنصرية، بسبب تصريح له، بأن هناك رابطاً ما بين الأفارقة وقلّة الذكاء، بمعنى أن داكني البشرة هم أقل ذكاء من البيض، وقد حاول تبرير تصريحاته في المحكمة، بأنه فعل ذلك فقط لأنه أحبّ أن يكون معروفاً ومشهوراً، ولكن راسموس على ما يبدو، لا يحمل كمّاً كبيراً من الكره للأجانب فقط ، وهو المؤسّس لحزب مُعادٍ للأجانب، قبل سنتين أسماه (النهج الصارِم) وإنما هو يَعرف أيضاً "من أين تُؤكل الكتف" فتصريحاته حول سود البشرة وحدها، لن تمنحه الشهرة الحقيقية، أو ردّات الفعل التي يرجوها، ولذلك كان لا بدّ له من امتطاء الحصان الرابِح. وهكذا راح راسموس يتنقّل من مدينة إلى أخرى، مختاراً لأماكن تجمّع المسلمين لكي يحرق القرآن مع عدد قليل من مؤيّديه. وبما أن تظاهره مرخّص رسمياً، فكان يجب على قوات الأمن أن تحميه. وهذا ما يكفله له القانون الدنماركي ببساطة. وهو القانون نفسه الذي منح الرخصة والحماية لحزب التحرير، بإقامة صلاة الجمعة أمام "البرلمان الدنماركي" تضامناً مع مجزرة نيوزيلاندا، حيث تم رفع أعلام سوداء، من الصعب التمييز بينها وبين أعلام داعش، وتم استعمال مُكبّرات الصوت أثناء الصلاة، وبعدها للهتاف الجماعي بشعارات إسلامية أمام البرلمان. والمفارقة بأن حزب التحرير الذي اختار رمز الديمقراطية الدنمركية للصلاة في ساحته (البرلمان) اعتاد أتباع ذلك الحزب نفسه أن يهتفوا في تظاهراتهم في الدنمارك (تسقط الديمقراطية) لأنها تأتي بقوانين وضعية تتعارض مع ما أنزل الله، وهم أنفسهم اعتادوا أن يستغلّوا فرصة الانتخابات الدنماركية، لتوزيع منشورات على المسلمين تدعوهم إلى مقاطعة تلك الانتخابات، لأن المشاركة فيها أمر يحرّمه الشرع الإسلامي حسب زعمهم. أما المفارقة الأخرى، فهي أنه عندما كان المئات من أتباع  حزب التحرير منشغلين بإقامة صلاة الجمعة أمام البرلمان، كان راسموس بالودان يتّخذ ذلك ذريعة لكي يحرق القرآن بهدوء على الطرف الآخر من تلك الساحة. وأنا هنا لن أبحث عن أوجه التشابُه والاختلاف أو أوجه التكامُل بين حزب التحرير وراسموس بالودان، ولكني أتساءل فقط؛ في وجود مساجد كافية في الدنمارك، وفي وجود حدائق ومساحات خضراء كثيرة للصلاة في الهواء الطلق لمَن يرغب بذلك، وفي وجود المنطق الذي يُجيد الدنماركيون استعماله؛ لماذا كل هذا السخاء في منح التراخيص؟ سواء لحزب التحرير بالصلاة أمام البرلمان على طريقته، أو لإفطار جماعي وصلاة جماعية مثلاً، في قلب الساحة الرئيسية في كوبنهاغن. حيث اعتبرها اليمين الدنماركي بمثابة احتلال للساحة وكتظاهر لاستعراض القوة من طرف المسلمين، وذلك في الحقيقة ما يمنح الدافع ونوع من الشرعية لأمثال راسموس بالودان، ما دام هو يحصل على التصريحات أيضاً لممارسة طقوس حرية التعبير عن الرأي بطريقته. فهل يمكن أن يكون لحرية التعبير عن الرأي، أولوية على المصلحة الوطنية العليا، وأولوية على السلم الأهلي وعلى التعايش السلمي المشترك، في بلد يمكن اعتبار شعبه من أكثر الشعوب مسالمة في العالم!    

بالعودة إلى ممارسات راسموس بالودان، فبعد ما يقارب الخمسين محاولة، مصحوبة بأقصى أنواع الاستفزازات في خطابه للمسلمين أثناء حرق، أو محاولة حرق القرآن في مدن دنمركية عدة، لم يكن الحظ ليحالفه، ولم يحدث ردّة فعل تُذكَر. إلى أن توجّه أخيراً إلى منطقة "بلو كوردس بلاس" في قلب العاصمة كوبنهاغن، والتي تقطنها أغلبية مسلمة، بالإضافة إلى أنها رمز لتواجد اليسار الدنماركي. حيث تجمهر بعض الشباب المسلم، بالإضافة إلى بعض اليساريين الدنماركيين، والذين دخلوا في مواجهة مع رجال الشرطة، وحيث أشعلوا سبعين حريقاً في السيارات وفي حاويات القمامة في ذلك اليوم الذي مضى عليه أسابيع قليلة… ثم حصل راسموس أخيراً على ما يريد، أو أنه حصل على كرة الثلج الصغيرة، التي ستكبر من تلقاء نفسها عند أيّ منحدر ملائم، وأظن أن المسألة قد تكون مسألة وقت فقط، والرسومات المُسيئة للرسول نموذجاً. 

في الحقيقة أن الدنماركيين بطبعهم هم من الشعوب ذوي القلوب الطيّبة والنبيلة، إلى درجة قد لا يستطيع تخيّلها الكثيرون، وهذا ما كان من أحد أسباب استغلال "بعض" الأجانب لهم ولنظام رفاهيّتهم، ما أرهق ذلك النظام وكان سبباً لتعديله في مجالات شتّى، ومما كان السبب الرئيسي أيضاً لصعود أحزاب اليمين ولاحتلالهم مقاعد أكثر فأكثر في البرلمان، وهذا ما حدث كذلك في العديد من الدول الأوروبية. ولكنه كان السبب الرئيسي أيضاً لظهور جماعة "تعبير عن الرأي بلا حدود" ممَن كانوا يتحيّنون الفرصة سلفاً للاصطياد في الماء العكر. ولكن مع ذلك فمعدن الشعب لم يتغيّر. وخير دليل على ذلك، بأن الصليب الأحمر الدنماركي كان قد قام منذ فترة وجيزة بحملة تبرّعات لصالح اللاجئين، أسموها "حملة احتجاج على راسموس بالودان" والمفاجأة كانت، بأنه قد تبرّع آلاف الدنماركيين لصالح اللاجئين بمبالغ سخيّة في فترة قياسية، احتجاجاً على ممارسات مواطنهم راسموس. حتى أن امرأة دنماركية مثلاً، صرَّحت بكل عفوية على أحد محطات الراديو قائلة: راسموس هو مجرّد إنسان قليل التربية. ثم أن الأحزاب الدنماركية، بما في ذلك الأحزاب المعادية للأجانب، اعتبرت راسموس شخصاً غير مسؤول ومستفزّ إلى درجة كبيرة، وأدانوا ممارساته بشكل او بآخر، وقد وصل الأمر ببعض السياسيين إلى تشبيه حزبه (النهج الصارِم) بالنازي، أو بالفاشي في أحيان أخرى. وحتى أن مَن يصدرون الأوامر لحماية راسموس، كمسؤول رفيع في الشرطة مثلاً قال: لقد حان الوقت لإجراء تعديلات في قانون حرية التعبير عن الرأي، لأن استمرار هذا الوضع غير مقبول ويدفع الشرطة لأن تكون في المكان الخطأ، وكذلك فإن مسؤولاً سابقاً في الاستخبارات، حذّر من تفجير أزمة مماثلة لأزمة الرسومات، قد تُعَرّض أمن ومصالح البلد للخطر. ثم بدأت بعض طلبات راسموس للحصول على ترخيص بالتظاهر تلقى الرفض من إدارة الشرطة. ولكن راسموس كان قد بدأ يتذوّق طعم الثمرة التي كان يشتهيها. فبعد أقل من أسبوعين على السبعين حريقاً الذي كان هو المُسبّب والدافع لها، ارتفعت نسبة الأصوات التي تؤيّد راسموس، لدرجة أن حزبه الصغير للغاية قد جمع الأصوات الكافية التي تؤهّله للترشّح للانتخابات البرلمانية. وعلى أية حال فإن راسموس لم يكن الأول ولن يكون الأخير، من أبطال حرية التعبير عن الرأي ذي الاتجاه الواحد، والذين اعتادوا أن يتركوا بصماتهم القبيحة على إمكانية التعايش السلمي على التراب الواحد. أعني - وبالعودة إلى الرسومات المُسيئة للرسول- كان هناك دنماركيون ممَن لا يحملون أية مشاعر سيّئّة ضد المسلمين، وبنفس الوقت، لم يكونوا متحمّسين لهذا النوع من حرية التعبير عن الرأي. ولكنهم عندما رأوا عَلَمهم يحترق في أنحاء العالم الإسلامي، ثم عندما تمّ إشعال عدد كبير من الحرائق في بلدهم عند إعادة نشر الرسومات في صحف دنمركية عدّة، بما في ذلك إحراق كمّ كبير من السيارات وحتى إحراق عدد من المدارس، فتحوّلت مواقفهم وقتها بشكلٍ جذري ضد الأجانب / مع ذلك النوع من حرية التعبير عن الرأي. أي أن هناك مَن يقوم بالفعل أولاً، ثم يكتفي بالرهان عليه، لكي تتوالى ردود الأفعال من نفسها بعد ذلك. ولكن مهلاً؛ ألم تكن تلك هي الآلية نفسها التي نشأ وتتطوّر فيها الإرهاب؟!

بعد الكثير من السِجال والجدل، حول مفهوم وحدود حرية التعبير عن الرأي، والذي كَثُر الحديث حوله، تحديداً بعد أزمة الرسومات. صديقي الدنماركي اليساري، الذي ألتقيت به ذات يوم في لقاء عابِر، همَس لي بقولٍ للفيلسوف الدنماركي، مؤسّس الفلسفة الوجودية المؤمنة "سورين كيركغورد" قائلاً: يطالبون بحرية التعبير، كتعويض عن ممارسة حرية التفكير. تلقفتُ هَمْسة صديقي الجميل، وتلَّقف هو إيماءتي، بأن مغزى ما قاله الفيلسوف الدنماركي لا يقتصر على طرفٍ واحد. وشعرت وقتها بأنني أعرف الدنماركيين جيّداً، بتواضعهم وبمهارتهم العفوية في نقد أنفسهم، في الوقت الذي يجتهدون ويتفانون فيه، لإيجاد الأعذار لعيوب وأخطاء الآخرين.

أما اليمين؛ دينياً كان أم سياسياً أم أيديولوجياً، والذي بات يكتسح عالمنا كـتسونامي مرعب، فلن أقول بأنه سوف يفسد كل ما هو جميل في عالمنا، لأنه كان قد فعل ذلك سلفا. وأما القادم، فأظنه أعظم.    

إن الآراء المذكورة في هذه المقالة لا تعبّر بالضرورة عن رأي الميادين وإنما تعبّر عن رأي صاحبها حصراً
أحمد دلول

كاتب فلسطيني في الدنمارك

إقرأ للكاتب

الثقافة المستهلَكة وخطرها على المعرفة

الأمر الذي بات يدعو للقلق جدياً في أيامنا هذه، بأننا بتنا نُعايش ثقافة، هي أكثر استهلاكاً من أي...