لبنان وسبل الخروج من مأزق المديونية

يرى المراقب أن إغراق البلد بالدين وتعطيل قطاعاته الإنتاجية وسلب وتدمير نقاط قوته الاقتصادية ما هو إلا تمهيد لإلحاقه بالسياسات الاستكبارية، ليصبح بين أمرين لا ثالث لهما: إما السير في ركب الاستكبار وسياساته الآثمة الرامية إلى نهب موارده، وإسقاط مشاريعها عليه والتي على رأسها القبول بتوطين الفلسطيني تيسيراً لعملية السلام المرسومة مع الكيان الصهيوني الغاصب، ومؤخّراً القبول بتوطين النازح السوري خدمة لابتزاز سوريا كدولة وأحد أركان محور المقاومة للاستكبار الأميركي، وتأخير الحلّ السياسي فيها.

لبنان وسبل الخروج من مأزق المديونية

عندما يتناول المرء مسألة الدين في لبنان: كيفية نشوئه، الدائنون، فائدة الدين وتراكمها، المستثمرون فيه من سياسيين لبنانيين ودول ومنظمات دولية، دور الحكومة اللبنانية.

يخلص إلى استنتاجات أهمها:

  • إن أحد الأسباب الموجبة له هو إعادة الإنماء والإعمار لبلد قد دمّرت بنيته التحتية الحرب الأهلية التي عصفت به منذ منتصف السبعينات.
  • إن سياسة الحكومات التي ترأسها الرئيس رفيق الحريري كمرشّح توافقي لرعاة اتفاق الطائف تعمّدت تشجيع أصحاب رؤوس الأموال الدوليين والإقليميين لا سيّما الخليجيين منهم وشركائهم من اللبنانيين على الاستثمار في الدَين واضعة سياسة نقدية اعتمدت على رفع الفائدة بشكل لم يسبق له مثيل في العالم، حتى وصلت الفائدة على سندات الخزينة بالليرة اللبنانية إلى ما يقرب ال 40 بالمئة ولسنوات عديدة وقد أُردفت بسياسة نقدية هدفت إلى تثبيت سعر صرف الليرة اللبنانية مقابل الدولار الأميركي ما زالت سارية لحد الآن.
  • أدّت السياسة المالية المتّبعة إلى تثبيط المستثمرين من اللبنانيين والأجانب الذين أغرتهم أسعار الفوائد العالية على سندات الخزينة، وإلى تحويل هؤلاء وجهة أهدافهم الاستثمارية إلى القطاع المصرفي فكان نشوء البنوك التي تجمع الأموال بالليرة من اللبنانيين بسعر فائدة مرتفع، لتقُرض الدولة هذه الأموال، لكن بسعر فائدة مضاعف، أرهق خزينة الدولة وضخّم كتلة الدَين عبر رفع الفائدة عليه، وأثرى أصحاب البنوك من السياسيين الفاسدين ورعاتهم الإقليميين والدوليين، وزادتهم ثراء هندسات مالية وضعتها حاكمية مصرف لبنان عن عمد أو عن جهل بالعواقب. فأصبح الدَين العام يربو على ال 80 مليار دولار وكان نصفه لبنوك لبنانية يمتلك أسهمهما أغنياء وسياسيون لبنانيون وأجانب يحمونها ويطوعّون سياسة الدولة المالية وقوانينها الضرائبية لمصلحتهم.
  • تشكّلت إثر ذلك طبقة من الأثرياء لا تتجاوز ال 2000 فرد يمتلكون 80% من الثروة المودعة في بنوك لبنان. وتضاءلت اإلى حدّ التلاشي الطبقة الوسطى وارتفعت نسبة الشرائح اللبنانية المنضوية تحت خط الفقر حتى بلغت نسبة اللبنانيين ممّن هم تحت خط الفقر في محافظة الشمال وبعلبك الهرمل الى ما يقرب من 75 بالمئة ، وارتفعت نسبة البطالة الى ما يقرب من 30 بالمئة وازدادت وتيرة هجرة الكفاءات اللبنانية الشابة.

5- ساهم في تعميق الهوّة بين الطبقات الاجتماعية في لبنان التعمّد الآثم والمُخزي للحكومات المتعاقبة  لعدم اعتماد التخطيط الاستراتيجي كسبيل رئيسي للنهوض بالبلد إنمائياً وعمرانياً، لا بل جرت شيطنة التخطيط واتهام مَن يقوم به أنه ينفّذ سياسات اشتراكية بائدة. وذلك تسهيلاً لعملية إغراق البلد بالمديونية والفوضى والارتجالية والعشوائية والهدر وذلك في ميادينه الحيوية كافة، حتى أن ثوب الإعمار الفضفاض الذي أُلبس للبلد كان يسير على غير هدى مُسترشداً بسياسة أميركية وعدت المسؤولين اللبنانيين الموالين لها بسلام آت في الربيع، ودور للبنان سياحي وخدماتي في هذا التطبيع مع الكيان الغاصب وهذا السلام الآثم. في ظل حكومة لم تفعّل أجهزتها الرقابية لمراقبة التلزيمات وعمليات تنفيذ المشاريع إمعاناً في التشجيع على الهدر وسرقة أموال الإعمار كجوائز ترضية لبعض الساسة السائرين في ركب المشروع الأميركي وإغراء وشراء ضمائر للبعض الآخر.

 لا توجد لدى الدولة اللبنانية لحد الآن ونحن في القرن الواحد والعشرين رؤية اقتصادية تنبثق عنها سياسات وأولويات واتفاقيات إقليمية ودولية من تجارة حرة أو اتحاد جمركي أو أسواق مشتركة.

ولا توجد بالتالي رؤى صناعية وزراعية وصحية وتربوية و... وهذا لا يُشبه ما تعتمده الدول لأن التخطيط هو عماد الدولة وسراجها الذي يُضيء لها سُبل التنمية والإعمار واستصلاح شعبها في الحاضر والمستقبل.

  • وصل الأمر إلى أن يكون على كل لبناني وكل مولود له دَين يقارب العشرين ألف دولار أميركي وذلك عبر عملية حسابية بسيطة بقسمة الدَين العام المساوي ل 80 مليار دولار أميركي على عدد اللبنانيين المقيمين المقدّر بحوالى 4 ملايين لبناني.

من هنا يرى المراقب أن إغراق البلد بالدين وتعطيل قطاعاته الإنتاجية وسلب وتدمير نقاط قوته الاقتصادية ما هو إلا تمهيد لإلحاقه بالسياسات الاستكبارية، ليصبح بين أمرين لا ثالث لهما: إما السير في ركب الاستكبار وسياساته الآثمة الرامية إلى نهب موارده، وإسقاط مشاريعها عليه والتي على رأسها القبول بتوطين الفلسطيني تيسيراً لعملية السلام المرسومة مع الكيان الصهيوني الغاصب، ومؤخّراً القبول بتوطين النازح السوري خدمة لابتزاز سوريا كدولة وأحد أركان محور المقاومة للاستكبار الأميركي، وتأخير الحلّ السياسي فيها.

إذن هذه هي بعض أبرز أسباب المشكلة التي ولّدت المديونية العامة في لبنان فكيف السبيل للحلّ؟

من الحلول البديهية المطروحة:

  • إعداد رؤية اقتصادية واضحة،* تنبثق منها رؤى صناعية وزراعية وصحية وتربوية ... وتؤازرها رؤية سياسية وأخرى قانونية. تستند كلها إلى فلسفة اقتصادية عمادها الاكتفاء الذاتي وأبرز سياساتها العامة التقليل من الاعتماد على الخارج بشكل تدريجي لا سيّما في موضوع توفير السلع الاستراتيجية.
  • بناء اقتصاد منتج* مختلف جذرياً عن اقتصاد الريع المعتمد حالياً، عبر تحقيق الرؤية الاقتصادية والرؤى الفرعية المتولّدة منها، من خلال *تفعيل التخطيط في وزارات وأجهزة الدولة* وتشجيع الاستثمار في القطاعات الإنتاجية التي تشكل ميزة تنافسية للبلد، وتنويع نقاط الارتكاز الإنتاجية لكي لا يعتمد البلد على سلعة واحدة في استجلاب موارده حتى ولو كانت ذات قيمة كالنفط والغاز.

ج- وقف الهدر والفساد وتفعيل الأجهزة الرقابية.*

د- إصلاح السلطة القضائية وتطهيرها من القضاة المرتهنين والمرتشين.* 

ه- اعتماد سياسة ضرائبية تراعي الفقراء وأصحاب الدخل المحدود* وتسلك منحى تصاعدياً على أرباح أصحاب الرساميل الكبيرة المتعاظمة من أصحاب الشركات والبنوك وعلى الأرباح المصرفية استفادة من 

مبدأ "ما جاع فقير إلا بما مُتّع به غني"

و- إعادة هيكلة الدَين العام* لقطع دابر تلك الشبكة المقيتة المهيمنة المتشكّلة عقدها من تقاطع مصالح ساسة لبنانيين مع آخرين اقليميين يديرها مفسدون اقتصاديون دوليون لتطويع البلد وتغيير سلوكه بما يناسب خدمة أهدافهم في المنطقة، لذلك تراهم يمنعون حتى التفكير في هذا الأمر ويهدّدون بإفلاس البلد ويخفّضون تصنيفه الائتماني ويبخسون سعر سنداته التي ينوي من خلالها الاقتراض لمنع قيامة البلد من مديونيته وإبقائه تحت قبضة الأسر والتبعيّة.

إن التفكير بتطبيق أي من هذه الحلول الستة المطروحة سيواجه بمقاومة شرسة من قِبَل بعض الساسة المحليين المرتهنين للخارج ورعاتهم الإقليميين والدوليين وبحملات تهويل وتخويف وتهديد للبنانيين. وما حصل منذ مدة خير شاهد على ما نقول عندما فكّر المسؤولون الماليون علناً مقترحين إعادة الهيكلة للدَين.

لذلك يتطلب السير في طريق الإصلاح عزماً وثباتاً وإصراراً من قِبَل المخلصين على مصلحة البلد وجرأة في تطبيق السياسات الاقتصادية والمالية الرشيدة المستندة إلى رؤية اقتصادية متينة. وعدم التهاون مع كل الفاسدين الذين كانوا وما زالوا يصرّون على ما فعلوا ملبسين فسادهم ثوب الإصلاح. إن هذا مسار طبيعي لكل مَن يسلك سُبل الإصلاح والسير نحو الأفضل في بلد يُراد له أن يكون ذليلاً تابعاً، ويأبى الشرفاء والحريصون عليه إلا جعله عزيزاً سيّداً حراً مستقلاً.

إن الآراء المذكورة في هذه المقالة لا تعبّر بالضرورة عن رأي الميادين وإنما تعبّر عن رأي صاحبها حصراً
علي شعيب

أكاديمي وكاتب لبناني

إقرأ للكاتب

الفساد في لبنان وكيفية التغيير

مسألة الفساد في لبنان قضية بنيوية رافقته منذ نشأته ككيان، والحماس والرغبة ومن خلفهما العزيمة...