عن الطفولة المسلوبة

عن أية حقوق تتحدثون و عن أية طفولة تتحدثون الطفولة غادرت عالم الأطفال و تركتهم مثل الشيوخ قد هرموا من كل ما يتعرضون له يومياً، أصبحوا كشجرة من دون أوراق و كتاب من دون عنوان و ليلة من دون قمر مضيء ، حياتهم أشبه بالكهف المظلم و السفينة من دون أشرعة التى تواجهها الرياح و العواصف و يغرقون و يغرقون و لا يجدون يداً واحدة تساعدهم و لا صوتاً يُجيب نداءتهم المتكررة.

عن الطفولة المسلوبة

الطفولة من المفترض هي حق مُكتَسب ضمنته القوانين و المعاهدات و ندّد بها العالم ، لكن ماذا نقول عن وضع أطفال الشوارع و أطفال المخيمات الذين يمضون في طفولتهم ما بين الشوارع و المخيمات طفولة بائسة وحزينة ، ربما دمعة طفل واحد قادرة أن تروي الكثير عن قسوة حياتهم وقسوة ظروفهم في عالم لا يسمعهم يصرخون ، لكن صوتهم غير مسموع،
أن تمضي فتاة صغيرة جداً حياتها في الشارع بثياب ممزّقة و على وجهها الطفولي غبار الشارع و هي تبيع المناديل ، بل تتوسّل لهم شراء هاته المناديل لتجد رغيف خبز يسدّ جوعها.
أن يمضي طفل صغير طفولته و هو يمسح في أحذية الناس و عيناه تذرف دماً على الأرض.
عن أية طفولة سنتحدث في هذا العالم و هل الأطفال لازالوا أطفالاً فعلاً أمام قسوة كل هذا العالم.
من الشارع يحدثونكم أبناء الشوارع عن الذئاب المفترسة التى تصطاد فرائسها ، عن كل أنواع الاضطهاد و الظلم الذي يعانونه.
قصتهم يكتبونها كل يوم من معترك حياتهم بين النيران و الأشواك و الدمار و الرعب و الخوف.
تركوا مقاعد الدراسة بحثاً عن العمل ، طفل يعمل هل يمكن أن نتخيل حتى جهداً لا يملكه لينجز و يتحمّل ، لكنهم يكابدون بقوة لا تتحملها أعمارهم الصغيرة.
أطفال في الشارع هنا و هناك مكانهم الشارع و ليس المنازل لا يعرفون حتى الغطاء و الدفء في الشتاء ، و لا القليل من البرد في الصيف.
ماذا تعلموا لم يتعلموا شيئاً في المدرسة لأنهم لا يجدون من يكفلهم من أجل التعلم فعلمهم الشارع كل ما لا يتوقعه العقل.
لا يوجد مراقب و لا حارس و لا مَن يعلمهم الصواب من الخطأ و الحرام من الحلال و لا حتى كيف يكونون . إنهم بالمختصر أولاد الشوارع الجيل الذي ترعرع في الشارع و كبر في الشارع و لم يجد الرحمة ، فكيف سيُرحَم هل سيُرحَم من لم يرحمه من الذئاب المفترسة
من لم يقل في وجهه كلمة طيبة ، من لم يربّت على كتفيه و يمسح دموعه التي لا تكف.
لم نلم أولاد الشوارع و هم الذين لم يجدوا القليل من الحب و الاحتواء و لا يعرفون حتى الأمان ، ربما حلمهم لم يعد لعبة أو حتى ملابس جديدة أصبح حلمهم فقط القليل من الرحمة و النظرة التى فيها حب و ليس ازدراء لملابسهم و شكلهم و الغبار الذي على وجههم.
فلنسأل طفلة صغيرة ماذا حلمها فإنها ستبكي و ستطلب القليل من الأمان لا تريد دمية و لا فستاناً و لا شيئاً بل الأمان ، هي صغيرة جداَ لكنها تتعرّض كل يوم للتحرّش و الإعتداء و الاغتصاب ، ماذا سيحوّل الشارع هاته الفتاة المسكينة التي لا حول و لا قوة لها التى ليس لها سند و لا أب ولا أخ و لا عم و لا خال و لا حتى قريب هي وحيدة في الشارع بسبب الفقر و فقدان الأهل.
إنه الشارع حكاية لا تنتهي مع كل محطة تأتي المآسي و الشجون، مع كل محطة نجد التجارة بأرواح الآدميين ، مع كل محطة صراع دموي ، مع كل محطة الظلم و الاستعباد و العبد و الضحية ونجد السفاحين ومصاصي الدماء ، إنه الشارع ، أين الفقر و الجوع و المذلّة ، أين الأطفال الضعفاء
الذين يصارعون مع كل سقم و ألم الذين لا يجدون أدنى الأشياء و لا يوجد أب حنون و لا أمّ محبة ، إنهم في عالم آخرس في عالم يضطهدهم كل يوم و لا يرحم ضعفهم و قلة حيلتهم.
عن أية حقوق تتحدثون و عن أية طفولة تتحدثون الطفولة غادرت عالم الأطفال و تركتهم مثل الشيوخ قد هرموا من كل ما يتعرضون له يومياً، أصبحوا كشجرة من دون أوراق و كتاب من دون عنوان و ليلة من دون قمر مضيء ، حياتهم أشبه بالكهف المظلم و السفينة من دون أشرعة التى تواجهها الرياح و العواصف و يغرقون و يغرقون و لا يجدون يداً واحدة تساعدهم و لا صوتاً يُجيب نداءتهم المتكررة.
إنهم أولاد الشوارع و صراعهم مع الحياة
و صوتهم الموجوع و أنينهم ، لكن هذا قدرهم
في وسط العدد الهائل من التنديدات بحقوق الأطفال لا توجد حقوق فعلية للأطفال تحميهم.
أطفالنا تتسلّط عليهم كل أنواع الظلم و الإعتداء النفسي و المادي ، بناتنا الصغيرات يحملن أبنائهن بعد أن تعرّضن للاغتصاب ،صغار جداً ينامون في الشارع و فيهم حتى من مات في الشارع،
أبناؤنا تستغلهم العصابات في الشارع و تحولهم إلى مجرمين و قطّاع طريق ، و كل هاته الجرائم لا تجد قوانين فعلية لردعها و وقفها ويتحدّثون عن الإنسانية أية إنسانية ماتت بعد أن انعدمت حقوق الأطفال،
طفل صغير ماذا يعرف هو قاصر غير مميّز لا يعرف أدنى الأشياء ليكون مكانه في الشارع محاطاً بكل الذئاب التي لا ترحم.
أين هي المنظمات و القوانين و دعاة حقوق الطفل ثم نحلم بتحقيق الديمقراطية في دولنا و نحن لم نتعلم بعد أن نحتوى الفئة الضعيفة و هي الأطفال ، تستميلهم تربية القطط و الكلاب أكثر من المخلوقات البشرية الضعيفة ، فيكفل كلباً و لا يرحم طفلاً ضعيفاً ، بل يزدريه لأن على وجهه توجد غبار و ثيابه متّسخة ، عوضاً أن يمسح هذا الغبار عن وجهه ويغطيه حتى بمعطفه ، لكن عن أية عقول سوف نتكلم،
العقول و القلوب قد أصبحت محجّرة،
أطفال يعيشون في الذل و القهر و المذلّة و الهوان يبكون الحجر و لا يبكون البشر.
قصة يكتبونها من واقع مر و أليم يعزفونها
على أوتار الشجى و الأحزان ، مَن في سنّهم يلعبون و يلتحقون بالمدراس و يجدون الرعاية و الإهتمام و المحبة ، لكن أطفال شوارع محرومون من كل شيء متعطشون لكلمة طيبة أكثر حتى من الماء.
من يزدري شكلهم المتّسخ كان من المفترض أن يزدري نفسه لأنهم لم يختاروا شيئاً وجدوا أنفسهم في الشارع وسط قصصه الذي لا تنتهي كل يوم رواية عجيبة ، لكنه الشارع يسرد و يحكي ما لا يتوقّعه المنطق من دنيا العجائب و يسلّط سيفه الحاد الذي لا يرحم في وجه الأطفال ، إنه الشارع الذي لا يرحم الضعفاء و يصطاد ضحاياه بكل خبث و مكر.

إن الآراء المذكورة في هذه المقالة لا تعبّر بالضرورة عن رأي الميادين وإنما تعبّر عن رأي صاحبها حصراً
فريهان طايع

صحفية تونسية