"قوات التّعبئة".. الجيش الاحتياطي لحزب الله

بحسب إعلام العدو الإسرائيلي والعديد من التقارير الأجنبية والمحلية، فإنَّ عدد "قوات التعبئة" في المقاومة يتراوح بين 40 و60 ألف فرد.

  • لطالما كانت
    لطالما كانت "قوات التعبئة" السند الأساسي للمقاومة في قتالها مع العدو الإسرائيلي

تتميَّز مختلف جيوش العالم النظامية بضمّها ما يعرف بـ"جنود الاحتياط"، وهم الجنود الذين أنهوا مدة الخدمة العسكرية الإلزامية أو خرجوا من الخدمة لأسباب مختلفة، وعادوا لممارسة حياتهم الطبيعية، ولكن يمكن استدعاؤهم للالتحاق بالمؤسَّسة العسكرية للدولة عند حصول أيّ حالة طارئة أو كارثة وطنيّة أو حرب تتهدَّد البلاد.

منذ أن تأسَّس حزب الله خلال ثمانينيات القرن الماضي، من أجل مقاومة الاجتياح والاحتلال الإسرائيلي للبنان، لازمه أمر أساسي في بنيته التنظيميّة، وهو وجود قوات رديفة لمقاتليه الأساسيين أُطلقَ عليها اسم "قوات التعبئة".

من هم أفراد "قوات التعبئة" في المقاومة؟

من ناحية التعريف العام، هم أفراد ينتمون تنظيمياً بشكل تطوّعي إلى حزب الله، ويحملون الخلفية الإيديولوجية نفسها، ويعملون في كل المصالح المدنية داخل لبنان (منهم المزارع والمهندس والطبيب وعامل البناء والموظف والأستاذ والطالب...)، ويلتحقون بالمقاومة خلال شنّ العدو الإسرائيلي أيّ حرب على لبنان أو عند وجود أي خطر يتهدّدها.

بحسب إعلام العدو الإسرائيلي والعديد من التقارير الأجنبية والمحلية، فإنَّ عدد "قوات التعبئة" في المقاومة يتراوح بين 40 و60 ألف فرد يتوزعون على مختلف المدن والقرى اللبنانية التي يتواجد فيها حزب الله بشكل خاصّ.

في عمق فلسفة وجود مكوّن "قوات التعبئة" الذي أسّس مفهومه الإمام الخميني، فإنه ينطلق من الإيمان والاعتقاد بالقدرات العظيمة التي يمكن أن تنتجها الشعوب. كما يَصِف السيد علي خامنئي، أفرادها بأنهم "كنزٌ من الله"، و"تعبيرٌ عن النقاء والإخلاص والبصيرة والنضال".

ومن أهمّ تجليات الإخلاص والنقاء الذي يتميّز به أفراد التعبئة، أنهم يقدمون التضحيات من دون أي مقابل مادي؛ التضحية بأوقاتهم على حساب راحتهم وراحة أطفالهم وعيالهم، التضحية بمنازلهم وأموالهم الخاصَّة التي يكدحون للحصول عليها، وصولاً إلى التضحية بأنفسهم في سبيل الله، وهي أرقى وأرفع مستويات البذل والعطاء.

إنَّ ميدان عمل "قوات التعبئة" لا يقتصر على العمل العسكريّ فحسب، فهو يدخل في كلّ المجالات، السياسية والاقتصادية والاجتماعية والصحية... وهو يضم النّساء كما الرّجال. وتتميَّز "قوات التعبئة" لدى المقاومة في لبنان بأنها تضمّ كل الفئات العمرية، فترى فيها الفتى الصغير والشّاب والشّيخ الكبير المستعد لتخضيب شيبته بدمه في "يوم الأمر".

لطالما كانت "قوات التعبئة" السند الأساسي للمقاومة في قتالها مع العدو الإسرائيلي، من حيث انتشارها على المحاور والجبهات وخطوط التماس في جنوب لبنان خلال الثمانينيات والتسعينيات وصولاً إلى التحرير في العام 2000.

وفي حرب تموز 2006، لبّت هذه القوات نداء الواجب، فالتحقت بمراكز المقاومة على طول الساحة اللبنانية، من بلدة "عيتا الشعب" التي دافع فيها "أفراد التعبئة" بكلّ بسالة ومنعوا العدو الاسرائيلي من دخولها، وصولاً إلى الكثير من قرى الجنوب اللبناني والشوف وعالية والضاحية وبيروت وجبيل والبقاع بأكمله، فكان منها الكثير من الشّهداء.

ما يمكن الحديث عنه اليوم هو التطوّر النوعي الّذي تراكمه "قوات التعبئة" على كلّ الصّعد، وخصوصاً على المستوى العسكري. هذه القوات لا تهدأ من حيث الإعداد الثقافي والمعنوي والتدريب العسكري المستمر، فكيف إذا أضيفت إلى سجلّها تجارب نوعية وفريدة دامت لعدة سنوات، من خلال مشاركتها إلى جانب التشكيلات النظامية للمقاومة في سوريا وفي السلسلة الشرقية الحدودية للبنان؟!

لقد كشف لنا وثائقي "أسرار التحرير الثاني" هذه المرة بشكل مباشر بعضاً من القدرات العسكرية النوعية التي تمتلكها "قوات التعبئة"، من قيادة العمليات الهجومية بمستويات دنيا وعليا، ومن جرأة وشجاعة في التقدم والاقتحام، ومن إصرار على تنفيذ المهمة حد الشهادة، مثلما شاهدنا في عمليّة اقتحام مرتفع "ضهر الهوة" في جرود عرسال.

كما كشف لنا الخبرات التي اكتسبوها في شتى أنواع ميادين القتال، من حرب المدن إلى قتال الجبال، مع الإشارة إلى أنَّ انتقال العقيدة العسكرية لقوات التعبئة المتطوّعة من القتال الدّفاعي إلى تنفيذ العمليات الهجوميّة، لا يعدّ أمراً سهلاً، حتى على مستوى الجيوش العسكرية.

إنَّ الإخلاص والنّقاء والبصيرة يمكنها فعل المستحيل، وهو ما يميّز "قوات التعبئة" عن غيرها من القوات والاحتياط لدى الكثير من الجيوش، وهو ما يجعلها تمتلك إرادة قتال من أقوى الإرادات في العالم، كما يجعلها مستعدة وجاهزة لمنازلة أعتى الجيوش، من أميركا و"إسرائيل" وغيرها.

ما يمكن التنبّؤ به هو أنَّ هذه القوات المخلصة ستكون الدّرع الّتي تقف في وجه أيّ عدوان على لبنان أو على محور المقاومة، سواء كان تكفيرياً أو إسرائيلياً أو على شكل تحالف غربيّ عربيّ، وستكون الكتف الّذي تستند إليه قوات الرضوان الهجومية في الدخول إلى فلسطين.

لقد استطاعت "قوات التّعبئة" أن تكون الكنز الثمين والجيش الاحتياطيّ الكبير للمقاومة وبكلّ جدارة.

إن الآراء المذكورة في هذه المقالة لا تعبّر بالضرورة عن رأي الميادين وإنما تعبّر عن رأي صاحبها حصراً
محمد زكريا عباس

ماجستير في الجغرافيا السياسية

إقرأ للكاتب

قادة العدوّ الإسرائيليّ.. كلّ جنوب لبنان مُقاومة

ها هو "جيش" العدوّ يتلقّى الصفعات، الواحدة تلو الأخرى، من قيادة المقاومة، وتُفرَض عليه معادلات...

أسرار التّحرير الثّاني.. العين على الجليل

ماذا ينتظر الجليل؟ هل هو حجم النار الكثيف والنوعي الذي تمتلكه المقاومة أو خطط عسكرية معقّدة...

رد حزب الله.. الضغط على الوعي الإسرائيلي

الضّغط على الوعي الإسرائيلي دفع رئيس مركز أبحاث الأمن القومي الإسرائيلي إلى التصريح بأن السيد...