يوميات أميركية

رغم ذلك سمعت بأن أغلب الشعب الأميركي بكى لحظة فوز ترامب، وهي مفارقة مُحيرّة بالنسبة لي أنا الغريبة التي لا أفقه بالطبع دواخل هذا الشعب وما يُضمرهُ.

المزاج الأميركي ترامبي بامتياز

عدا السناجب والكلاب والعصافير و "الباركات" ثمة حياة يومية تجري في البيوت هنا، وهي على كل حال حياة جدّية تستهل النهارات باكراً وتستمر في أغلب الأحوال حتى حلول الظلام. كلٌ يعرف واجباته ولا مجال للبطالة أو التأخر أو الدلع فالحياة في أميركا تنبذك سريعاً إن تأخرت أو "تلكعت" فترى سريعاً لو فعلت، أنك أضحيت من دون عمل ولا مأوى ولا بيت أهل تؤوب إليه، ويغدو التشرّد نهاية ومصيراً. للتشرّد في أميركا طعمٌ مُرّ ولا يُشبهُ في حال التشرّد عندنا فما من جسر سليم سلام تنام تحته، وما من صديق يؤويك ولا من ابن عمّ يُعينك على ما تردّيت فيه، فالكّل هنا ساه عنك ويُسارع إلى حياته وحياة عائلته يُنقذها من التوّقف لأمر ما، وما أكثر الأسباب التي توقف فجأة حياة الأميركي وتُرديه في مهالك التهلكة، بفعل التنافس الشرس و "الكومبينات" وقساوة العالم الإستهلاكي، "والمؤسسات" التي كانت تُعنى بالفقراء والمشردين لم تعد تستوعبهم كما الوجبة الساخنة التي كانت تُعينهم... تبخرتّ.

لا أقول هنا بأن حياتنا مثالية وتشرّدنا نزهة، أو تبّطلنا وقلة فرص أعمالنا مزحة، بل أسجّل ملاحظات عينية و"خبريات" سمعتها بأذني عن بيوتات أميركية عرفت نجاحات باهرة، ثم لأمر على علاقة بالدائرة المتوحشة الخاصة بهذه البلاد، تتهاوى ممالك الورق هذه تحت ضربات "الإفلاس" ويغدو أهلها في الشارع برمشة عين.

أتيت إلى أميركا في الأساس لتفقّد بلد كينيدي، من فكرة حملتها معي تقول بأنه البلد الذي ينصر الفرد ويبلور أهميته، بلد فتح ذراعيه للمهاجرين كافّة من طليان وإسبان ومكسيك وعرب وأتراك وإيرانيين (هالني العدد الضخم من الجالية الإيرانية الموجودة هنا، وأزعم أنهم من مخلفات الشاه، ويقطنون عموماً في مناطق راقية من واشنطن). قالوا إن كنت تريد أن ترتقي بفرديتك وحلمك ..عليك بأميركا. تفقدت وضعي مؤخراً في بيروت وعاينت بغضب وعتب كم حقوقنا مهدورة على الصعد كافة ولا مجال لتعدادها هنا، فالكل يعرف وتحتاج هذه إلى مجلدات وليس إلى مقالات.

عندما أزور أميركا ولطالما فعلت، تروق لي منطقة "نيو انكلند" الممتدة من واشنطن جنوباً الى بوسطن وفرمونت ونيوهامشير شمالاً، أي بلد "ألكنيديز". فنكهة أميركا الأصلية طالعة من نيوأنكلند باعتبار أجداد السياسة الأميركية سكنوها إلى أن قرروا الانفصال عن بريطانيا والمضيّ في طريقهم. حرية المعتقد، حرية التعبير، حرية الاختيار، بالإضافة الى "الداينشي" أي "الجب" الكنيدي الذي محض الأفكار نفحة إنسانية خففّت من وطأة النظام الرأسمالي، وأسبغت عليه نكهة في مذاق الضعف الإنساني (قصة مارلين مونرو وجون كنيدي مثالاً)، علاقة جمعت بين الرئيس والممثلة عكست حال عطف بين السلطة وهوليوود، على عكس ما يجري حالياً بين الممثلة ميريل ستريب والرئيس ترامب إذ لا يكفّ هؤلاء عن تبادل الشتائم علناً وفي الإعلام المرئي. كينيدي لا شك، ومن كان معه عملوا على تخفيف الاحتقان العنصري بالممارسة وبالقانون.

لا أريد المبالغة في أن كينيدي عمل على نقلة نوعية في المفاهيم الأميركية، لكنه كان رمزاً لكل ما ذكرت.

عندما أزور نيواكلند يحضرني كينيدي في بوسطن القديمة، في أفلام هوليوود، في موسيقى بول سايمون، في جبال وبحيرات نيوهامشير. ومع أن كنيدي توفي، إلا أنني لم أشعر أنه اغتيل إلاّ في زيارتي هذه. لحظة هبوطي في مطار بوسطن، أحسست أن لي أوزوالد قد أطلق رصاصته، وهي أصابت كينيدي في حال دخولي دائرة الهجرة الأميركية، وما لبث الرجل أن هوى حين خرجت إلى الأوتوستراد المؤدي إلى قلب بوسطن. تأكدت للمرة الأولى في لحظة سوريالية أن الرجل اغتيل عندما استمعت إلى نشرة الخبار في السيارة التي تقلني إلى بيتي، وتُسهب هذه في الحديث عن إجراءات جديدة تُتخذ بحق الأجانب على الأرض الأميركية منها طرد الأجانب وإهانة المغتربين كافة، كما إهانة السود ومنهم لاعبي "فوتبول" مشهورين، بالإضافة إلى حال من إحتقار النساء بشكل عام، إلى سياسات تُعيد للعنصرية زهوها السابق وللرأسمالية توحشها القديم متخذة صورة ألعاب الغولف، والذهب والفضائح والدعارة و"الرشوات والمحسوبيات" كما عندنا. وكل هذا في ما لا يتعدى النصف ساعة من نشرة الأخبار.

حسناً، وداعاً كينيدي لمرة أخيرة. وداعاً جون كينيدي لقد اغتالوك مرتين، مرّة في تكساس معقل الجمهوريين، ومرّة لدى انتخاب رئيسكم الجديد. الأشخاص تروح وتأتي هذا صحيح، لكن الصحيح أيضاً، أن الرموز والقادة من الصعب استعادتهم وحين تختفي الرموز كيف نتطلع إلى تألق الفرد واستقلاليته، وترك حيّز له ليحلم بأحلامه في بلد تحقيق الأحلام.

في حيّز كتاب لي هنا، سبق أن كتبت أن المزاج الأميركي ترامبي بامتياز، لذلك فاز ترامب وفازت مفاهيمه وصورته وصورة الأميركيين العاديين عن أميركا خالية من الغرباء ومحافظة بشراسة عن عرقها الأبيض وتعاليها عن بقية خلق الله. رغم ذلك سمعت بأن أغلب الشعب الأميركي بكى لحظة فوز ترامب، وهي مفارقة مُحيرّة بالنسبة لي أنا الغريبة التي لا أفقه بالطبع دواخل هذا الشعب وما يُضمرهُ.

يُعللون هنا، بعض الذين التقيتهم على كل حال، بأن الزمن الترامبي قصير ولا يتماشى مع "مفهوم" أميركا في أساس وجودها وعلتّها. يقولون: إصبري سنوات ثلاث وسينتهي هذا الكابوس الذي جثم على صدر أميركا، حكماً سينتهي وستطير رؤوس وتتبّدل أسماء وتنقشع هذه الغيمة، مع ذلك ووسط هذا العبث أجد أن سنوات ثلاث على هذا الخراب .. مُدمرّة. أكثر من 55 سنة على موت كينيدي، والآن فقط أحسّ بعض الأميركيين بوطأة غيابه! هل هم أنفسهم الذين انتخبوا رئيسهم الأصهب الجديد؟ أكتب لأسجل عجزي عن فهم هذه المفارقة.

إن الآراء المذكورة في هذه المقالة لا تعبّر بالضرورة عن رأي الميادين وإنما تعبّر عن رأي صاحبها حصراً
عناية جابر

شاعرة لبنانية عملت في مجال الصحافة. كتبت في السفير اللبنانية والقدس العربي اللندنية كما لديها العديد من الكتب الشعرية. عنوان مدونتها الشخصية: http://inayajaber.wixsite.com/inaya

إقرأ للكاتب

مصطلحات سادت ثم بادت

كانت اللغة تتحدّث عن احتلال الصهيونية لأرض فلسطين، فصارت تتقبّل مصطلح العودة. حقوقياً الفارق...

عندما لا تعتقد بجدوى الاحتجاج

أن نتجمهر، أن نحتشد وندعو إلى التظاهر والمسيرات لغرض ما ، فليس هذا بالضرورة كل ما يجب علينا...

مهرجاناتنا الصيفية والسؤال القديم

بيروت الجميلة أصبحت تُشعرنا رغم مهرجاناتها وكل الأشكال البرّانية الآتية من خارجها، أننا في...

فلسطين وسيرتها التاريخية والراهنة

لكل بلد في العالم سيرتان: تاريخية وحاضرة، والحديث في الغالب عن فلسطين (على الشاشات أعني) لا يجري...

المونديال بعيونِ امرأةٍ تعشق الجمال

ثمة من يقول بزمن المواهب الكروية الذي لا بّد ولىّ وانتابهُ الهمود. تحوّل من إعصار فنيّ إلى نبضِ...

الذاكرة العربية المنخورة

ما نحملهُ من تاريخ والتاريخ ذاكرة، لا يعدو أن يكون قبوراً كثيرة، وكلاماً مبحوحاً وذكريات...