زرد والقادري: استلهام الماضي استجابة لحنينية مفقودة

غاليري "تانيت" في بيروت يستضيف معرضين لغسان زرد وعبد القادري، يستلهمان الماضي استجابة لحنينية مفقودة.

  • من أعمال غسان زرد
    من أعمال غسان زرد

في صالته في مار مخايل ببيروت، يقدم غاليري "تانيت" الفنانين اللبنانيين غسان زرد -رسماً ونحتاً وتجهيزاً- وعبد القادري في مجموعة صور مع تجهيز. 

في مجموعة لزرد تحت عنوان "همسات الطبيعة" بالفنون الثلاثة: رسم ونحت وتجهيز، يستخدم زرد جذوع الأشجار، والألمنيوم، والنحاس، صانعاً منها قنوات اتصال لحوارات يمكن وصفها بالصامتة.

تلتصق على جذوع الأشجار قطع الألمنيوم أشبه بالفطر الطبيعي في رمزيّةٍ للنموّ، والمرونة، والحوار الهادىء الكامن في ظلال الأغصان، وحواشي الغابة.

بعض جداريات الأعمال مغطاة بأغلفة ألمنيوم، ونحاس تمثل ما يشبه سمفونية بصرية متناسقة، بينما قمم التلال تصعد وتهبط لاقطة المشاهد الطبيعية المتماوجة لما يحيط بالانسان من طبيعة، وتنطلق الغيوم في خلفيّة شاشة اللوحة (الكانفا) حاملة تفسير الفنان للبحر ضمن أشكال أثيرية.

مسارات متخيّلة للفنان زرد اعتاد عليها جمهوره، تتماهى بين حدود ما يصنعه الانسان، والمادة الطبيعية المتحوّلةً إلى ما يشبه سجادة هائمة بألوانها المتناسقة، تدعو للتنصت والحوار ليس فقط بالآذان، بل بالقلوب أيضاًً، لهمسات الطبيعة التي تلقى صداها في كل قطعة جرت معالجتها ببراعة فنية سبق أن أكّدها زرد في معارضه، وأعماله المختلفة.

  • من أعمال غسان زرد
    من أعمال غسان زرد

لم تغب براعة زرد (1954) الفنية المعهودة عن أعماله الحالية، حيث تقولب يده شاعرية بصرية تنطق بمتعلقات كل الأشياء بعضها ببعض، منقادة بفهم عميق وحسي للمواد المستخدمة. يمكن لأعمال معرضه الحالية أن توصف بسمفونية شجرية، كما يمكن أن يجد المشاهد نفسه ملتصقاً بالحوارات الهادئة التي تلقى صداها بنزعة الفن المميّزة لدى زرد.

ينطلق مفهوم زرد للفن من مقاربة الرسم والنحت لما يوقظ في الانسان براءة لعبة الطفولة. من هنا، يرتبط عمله بالحنين مع الحاجة للعودة لجمالات الطفولة والولدنة، وللفرح كمفهوم مترافق معهما.

المخلوقات تتخفى في الرقائق، وبظلال ملوّنة، وثمة فصل بين الفكرة والإحساس، بالتفاف عقلي غامض، بلا تفسير، يقود غالباً إلى إعادة تاسيس آلية عفويّة لا تُدرك إلّا لاحقاً. في العودة للطفولة، محاولة لإبعاد الجنون القاتل تحت وطأة عذابات الحياة اليومية، وتحويل مجراه نحو الترقي لما هو أكثر تأملاً وتشوّقاً.

بداية زرد تأثرت بالتجريد الغنائي. ولوحاته الكبيرة تنبىء بكون إيقاعي ملوّن، معيداً للذاكرة تقاسيم موسيقية، ومقارنة بين أعماله التصورية المتخيّلة، تعتبر منحوتاته أكثر التزاماً ورصانة، لكنها دائماً متشحة بشيء من النقد المتهكّم.

شارك زرد في العديد من المعارض الجامعة، منها "كان يا ما كان" في بيروت عام 2022، و"شيء ما أزرق" في لندن عام 2021، ومعارض أخرى في فيرونا 2021، وفي باريس 2022، وغيرها. ومن أبرز ما شهدته الساحة اللبنانية على مستويين نخبوي وشعبي، معرضه "سلاحف" الذي أقيم بالتعاون بين "أشكال ألوان"، والمركز الثقافي الفرنسي" و"تانيت" في بيروت عام 2015، وفي العروض تجهيز السلاحف الضخمة التي جابت أنحاء مختلفة من لبنان، لتستقر لاحقاً في متحف "مقام" في عاليتا بجبيل 2016.

ويقدم غاليري "تانيت" لعبد القادري معرض "رقصة الموت: من مخاطر الحضارة إلى صخب الهذيان" في "مركز مينا للصورة"، وھو معرض متعدد الوسائط للفنان نفّذها بین العامین 2020 و 2023.

وترافق المعرض بسلسلة من المداخلات، وعروض رقص أدائية، وحلقات نقاش، وورش، وتعمق  في العلاقات المعقدة بین الرقص والصدمة والانتماء في لبنان المعاصر.

لوحات القادري مستوحاة من تقالید "رقصة الموت" في العصور الوسطى، حیث یقود الموت الراقصین في احتفالات قاتمة، مجسّدةً المساحة البصریة المبھجة لانفصال الرقص عن الواقع. 

  • من أعمال القادري
    من أعمال عبد القادري

ویضم المعرض 6 لوحات كبیرة، وعمل فیدیو متحرّك، وعرضَین أدائيين، ویستكشف القادري عبر أعماله المشھد الموسیقي البدیل، وطقوس الرقص المصاحبة، باعتبارھما ملجأ من الصدمة والخسارة وتعبيراً عنھما، وتتشابك الأعمال مع رحلة الفنان الشخصیة بین بیروت وباریس.

یفتح المعرض نافذًة على مجموعة واسعة من التجارب العاطفیة والعقلية، من الیأس والحزن إلى التحدي والھروب والتضامن والشرخ العمیق في تاریخ لبنان الحدیث، مما یعكس الشلل الاجتماعي والسیاسي الذي استنزف الوطن حیث أن تفاقم الأزمات في السنوات القليلة الماضية، أدى إلى إغراق البلاد في نوبة سقوط حرٍّ لا متناھیة.

والقادري فنان لبناني، متخصص في الأدب العربي، والفنون الجميلة، لاحق في فنونه القضايا ذات البعد الانساني، وركز على مواضيع تدمير التراث الثقافي، والهجرة، والانتماء. من معارضه "يوميات أكتوبر 2019"، و"اليوم أريد أن اكون شجرة" وغيرهما.