"الحي الروسي": كرنفال السرد والتأويل

تنتهي أحداث الحكاية ضمن سرديةٍ تكاد لا تتشبه تقنياتها إلا بذاتها، لحيّ خرج عن صمته وحياده، فدخل الحرب بشكلٍ حكائيّ مرغماً.

  • رواية "الحي الروسي" للكاتب السوري خليل الرز.

في مقابلةٍ معه نشرتها صحيفة "لونوفيل أوبزرفاتور" الفرنسية تحت عنوان "القبح المركّز" سئل الفيلسوف والروائي الإيطالي أومبيرتو إيكو "كيف تقرر أن عملاً فنياً ما جميل أم قبيح؟". 

يفرّق إيكو بين الجمال الذي يصفه واقعاً ضمن إطار حدوده المرسومة والمحددة، وبين القبح الذي يصفه بأنه مجال متأطرٌ بتخومٍ لا متناهية.

وما بين تعقيدات القبح وتنوع موجوداته التي يصعب حصرها، يخلط الكاتب السوري خليل الرز (1956) بين الواقع والخيال من جهة وبين المعقول والغرائبيّ من جهةٍ أخرى، ليبرزً، عبر روايته "الحي الروسي" الصادرة عن منشورات " ضفاف- الاختلاف" عام 2019، القبحَ عارياً بتقنية رمزية خالصة، وصبغةٍ فانتازيةٍ تحيي كرنفالاً لفضاء مكانيّ افتراضي ومتخيّل. فتراهُ يغزل الحكاية وينسجها بمهارة الحكّاء المتقنِ قصّ سيرة حيّ نشأ على أطراف العاصمة القديمة (دمشق)، حوى كلّ مقومات الحياة الاعتيادية؛ مكتبات وشوارع وملاهٍ ومركز ثقافي روسيّ وحديقة حيوانات. إلا أنه لم يكوّن قبل ذلك أي خبرة في التظاهر أو الخروج عن نطاق معيشته المعتاد، حيث تفرزه مخيلة الكاتب بصورة تبدو كما لو أنه كان موجودأً بالفعل على أطراف العاصمة، إلا أنه يختلف عما حوله بتفضيله الحياد والتعامي عما يشتعل حوله من ويلات الحرب التي يستعر لهيبها في البلاد.

البناء الرمزي:

يظهر تأثر الكاتب الذي عاش في روسيا لأكثر من عشر سنوات بما يشبه التماهي مع شخصيات روايته وتفاصيلهم التي تتداخل موجوداتها وتتعمّق عبر أزمنة متغايرة، وكتابةٍ تمزج الفانتازيا بالحرب، فتبرز مهارة التجريب والتجدد، مضافةً إلى حنكة تمنح القارئ طرف الخيط، تاركاً مهمة التفسير لخياله و تفكيره و تأويلاته!

بطل الرواية، مترجم متخصص باللغة والأدب الروسي، يعمل ضمن حديقة للحيوانات، ويعيش على سطح غرفة فيها ضمن الحي المفترض، مع صديقته الروسية "نونّا" والتي تمثّل الرمز الأنثوي الفاعل في تحريك الأحداث، إلى جانب مدير الحديقة ورئيس تحرير مجلة الحائط، صديقه فيكتور إيفانيفتش، والذي ساقته الأقدار والأحداث السياسية في روسيا إلى العمل في دمشق. إلى جانب شخصياتٍ أخرى؛ مثل أبو علي سليمان معلم اللغة الفرنسية وصاحب محل الألبسة، وعبد الجليل المسرحيّ و"بوريا" المتنفّذ المسيطر على سكان الحيّ وأرزاقهم وحيواتهم، كما لو أنه خارج من إحدى حكايات الفتوة، من دون أن يتجرأ على مواجهته أحد سوى "عصام" بطل الملاكمة الأسبق والذي يصير رمزاً للقوة والظفر، وإن كان ذلك بشكل رمزي، بعد أن يقف في وجه بوريا إثر احتدام يتوقف ويؤجل بعد هطول الثلج على الحي وسكانه.

تتمازج الشخصيات السابقة بتعايش لا منطقي مع أبطال الرواية الحقيقيين. أولئك الصامتون، كالزرافة، والتي تعدّ بدلالاتها الرمزية دعامة الرواية، رغم أنها صامتة طوال النص، إلا أن الكاتب يستنطقها من خلال ملكات الحدس والتخاطر والصمت الذي يصبح ذا قيمة ومعنى؛ ذلك الصمت المتحدّث، والذي لا تلتقط مداه سوى امرأة رهيفة مثل "نونا" صديقة الراوي، إلى جانب حيوانات أخرى: كلبة روسية، وكلب بودول عجوز، وقطة!

اجتماع الأنساق المتعاكسة:

يرصد الكاتب مكوّنات روايته عبر صمت بطلته الأثيرة، الزرافة، إلى جانب الحيوانات الأخرى، في أجواء تنضح بروائح الحرب والأضداد اللا متجانسة، والقصف، والمعارك. ذكريات أم ريفية يظلمها العرف والمجتمع. إسلامويون على الطرف المجاور للحي في الغوطة. تكفيريون، ومصفقون ومضيّقون لأحوال السكان المعيشية إلى جانب الحياد، والحب للحياة، والعودة لحلم الموهبة المسلوب، فضلاً عن التهجير والترصد الممزوج بالترقب للوحش الأسطوري الذي يسيطر على النص. ألا وهو الصمت.

تتحدث الزرافة بأفكارها، إثر مشاهدتها مشاهد العنف والقتل والحرب على شاشة تلفاز صغير على سطح الغرفة، الأمر الذي يحرض ملكة التنبؤ والتخاطر ما بينها وبين نونا، لتصير الزرافة رمزاً للوداعة والصمت المخبوء تحت ذعرٍ كبير موروثٍ من أسلافها الذين عايشوا وحوش الغابات وأسودها وملوكها!

تتسلسل التنبؤات وتتطور، إلى عصفور تحوكه نونا، وعصام، بطل الحيّ الذي تقتله عصابات تكفيرية إثر رحيله المفاجئ باتجاه الغوطة، فيشكّل موته محرضاً لخروج الحيّ عن حياده تجاه الحرب، بعد أن كان مثل حيّ مخدّر يتابع ببلادةٍ مباراة كرة قدم عفا عليها الزمن، في حين تملأ سماءه أصوات المدافع والدبابات والقذائف، فيدخل حالة انعدام التحيّز بصورة ذاهلة ممزوجة بالدهشة والغضب بقيادة الزرافة الحكيمة التي تُقتل عبر النهاية، إلى جانب الكلبة الروسية وقطة عصام، بمدلولات يترك الكاتب تأويلها ذي الأوجه والاحتمالات المتعددة لخيال القارئ.

خاتمة جنائزية:

تحت سماء الغرائبية، والاختلاف عن السائد في السرد، وبعيداً عن المكرور في النشر، تنتهي أحداث الحكاية ضمن سرديةٍ تكاد لا تتشبه تقنياتها إلا بذاتها، لحيّ خرج عن صمته وحياده، فدخل الحرب بشكلٍ حكائيّ مرغماً، بعد أن يموت بطله الأول "عصام" على يد من اتهمه بالكفر والضلال، وصولاً إلى موت بطلته الزرافة في ساحةٍ من ساحات العاصمة بعد أن قادت خلفها سكان الحيّ الذاهلين الشاخصين بأبصارهم نحو جسدها المسجى بدمها، وجسدها المعلّق على أسنة الجرافات مثل أجساد القديسين المصلوبة.

يُذكر أن رواية "الحي الروسي" مرشحة لجائزة البوكر للرواية العربية 2020. أما  خليل الرز، فهو كاتب سوري من مواليد مدينة الرقة عام 1956، صدرت له مسرحية وتسع روايات، إضافة إلى مترجمات عن الروسية في القصة وغيرها.

*غنوة فضة روائية سورية.