نغوجي واثيونغو أهم أدباء أفريقيا وأبو الرواية الكينية

"ساحر الغراب" هي روايته التي نُشرت باللغة الإنكليزية، وتضمنت هجاء كثيفاً لنهج السياسة الديكتاتورية.

  • نغوجي واثيونغو أهم أدباء أفريقيا وأبو الرواية الكينية
    نغوجي واثيونغو أهم أدباء أفريقيا وأبو الرواية الكينية

من المؤكد بأن الروائي الكيني نغوجي واثيونغو يشكل جزءاً أساسياً من السرد الأفريقي، فمنذ أن كان طالب يخوض حربًا ضروسًا في مواجهة مخلّفات الحقبة الكولونيالية التي كانت تدعي أن الشعوب الأفريقية لا حضارة لها.

يروي واثيونغو أنه حينما كان تلميذاً لم يتجاوز الثانية عشر ربيعاً لمح معلمين ينهالان بالضرب على زميل له يتحدث اللغة المحلية، والتي لم يكن يسمح بالتحدث بها في فناء تلك المدرسة التي تقع في موقع من مرتفعات كينيا. حينهت كان المسموح فقط التحدث بالإنجليزية، وإلا فإن التلاميذ سيواجهون بالعقاب المحتوم.

منظر الضرب المبرح الذي أدى إلى تقرح جلد التلميذ أرعب واثيونغو وملأ داخله بالضيم. فيما ظلت عبارة "يا قرد"، والتي كان معلما المدرسة، والتي أنشاتها الاستعمارية البريطانية، يصيحان بها أثناء لحظات الضرب، ترن في أذنه حتى الآن.

 ويؤكد واثيونغو "أن التحدث بلهجة مدينتي لم يكن من الموبقات التي تستدعى الجلد  فحسب، وإنما هو الأمر الذي يجلب الألم والإذلال أيضاً".  ويضيف: أنه قد مر زمن طويل إلى أن أدرك كيف أن صرخات الصبي وصيحات "يا قرد" أمام حشد التلاميذ،كانتا لبنات أولية لـ"سجن لغوي" في داخله تعاني، ثم تقاوم، أجيال من المواطنين الأفارقة نوعاً من المهانة الإستعمارية.

يعتبر واثينغو من أبرز الأدباء الأفارقة الذين استطاعوا لفت الانظار إلى معاناة القارة الافريقية فنجح أن يقدم للعالم من خلال أدبه صورة حقيقية لكل الأساليب التي اتبعها الإستعمار في كينيا.

ولد نغوجي واثينغو عام 1938 شمال نيروبي وعمّد باسم (جيمس نغوغي) جرياً على تقاليد الكنيسة التي تخلع أسماء قديسين على أسماء المواليد، تيمناً بهم وطلباً لبركة مرجوة. 

درس بداية في مدرسة الالينس الثّانويّة في نيروبي، وانتقل إلى أوغندا لدراسة الأدب الانجليزي في جامعة جامعة ماكيرير في كمبالا، مما سمح له بالاطلاع على الكتابات الفرانكفونية والاحتكاك بالكتاب الإنجليز، وخلال فترة تعليمه الجامعية هناك عرضت له مسرحية بعنوان "الناسك الأسود" عام 1962.

أكمل واثينغو دراسته العليا الجامعية في جامعة ليدز البريطانية، وفي هذه المرحلة وتحديداً عام 1964، نشر روايته الأولى التي زادته شهرة "لا تبكِ يا ولدي" التي كانت الرواية الأولى التي تنشر بالإنكليزية لكاتب من شرق إفريقيا.

  • رواية
    رواية "النهر الفاصل" نشرت 1965

وتبعها نشر روايته "النهر الفاصل" عام 1965 التي يحكي فيها عن تمرد قبائل الماوماو، وقد وصفت الرواية بأنها حكاية رومانسية حزينة للعنف الذي ساد بين المسيحيين وغير المسيحيين في تلك الأصقاع الإفريقية النائية، وقد اعتمدت هذه الرواية ضمن مناهج الدراسة الثانوية في كينيا.

  • رواية
    رواية "حبة قمح" نشرت عام 1967

في عام 1967 نشر واثينغو روايته "حبة قمح" والتي اقتبس عنوانها من الإنجيل بحسب القديس يوحنا، لتؤشر إلى تعلق واثيونغو بالماركسية الفانونية (نسبة إلى فرانز فانون). وتحوي هذه الرواية العديد من القصص التى حصلت أثناء حالة الطوارئ فى صراع كينيا من أجل الاستقلال (1952-1959). 

بعد أعوام، نشر روايته الرابعة "تويجات الدم"، وهي إسم زهرة تنبت في السهول الكينية بعد هطول المطر في موسم الربيع، وهي تعطي صورة حقيقية لما هي عليه الحياة الكينية من قسوة، وتخلف.

 وتتحدث عن ثلاثة أزمنة متداخلة، تتماهى مع ثلاث تجارب من الإضرابات الطالبية، مهدت لبلورة الوعي الشعبي وصقله ضمن بوتقة الفخر الذاتي المكون للهوية القومية. 

وبعد نشر هذه الرواية تخلى واثيونغو عن كل من اللغة الإنجليزية والمسيحية وعن اسم (جيمس) الذي ألحق به عند العمادة، معتبراً هذه كلها رموزاً "كولونيالية"، واعتمد منذ ذلك الحين اسم (نغوجي واثيونغو) وابتدأ يكتب بلغة الكيكويو واللغة السواحلية.

وكان العمل المسرحي الذي كتبه وعرضه "سأتزوج متى أردت" عام 1977 بمثابة رسالة سياسية واضحة دفعت نائب الرئيس الكيني آنذاك دانييل أراب موي، إلى سجن واثيونغو في سجن يخضع لحراسة مشددة وقيود صارمة من دون أية محاكمة، ما دفع واثيونغو إلى الكتابة من داخل السجن على ورق التواليت الخاص بالمرحاض.

وقد كان سجنه صادمًا للغاية لدرجة أن الصحف فى جميع أنحاء العالم لفتت الانتباه إلى القضية. وحدثت احتجاجات عالمية. وقد كانت وفاة الرئيس الكيني اَنذاك جومو كينياتا كينياتا في عام 1978 سبباً للإفراج عنه.

وبعد إطلاق سراحه من السجن تم فصل واثيونغو من عمله كأستاذ في جامعة نيروبي. وفي عام 1980 نشر واثيونغو روايته التي كان كتبها في السجن على ورق المرحاض (الشيطان). يقول واثيونغو: "في غياهب ذلك السّجن أعملتُ تفكيري طويلاً في اللغة الإنجليزيّة التي كانت اللغة الاستعماريّة السّائدة ثمّ صارت اليوم اللغة السائدة لدى السلطة الحاكمة في الدولة ما بعد الكولونياليّة، وفكّرت أيضاً في علاقة اللغة الإنجليزيّة باللغات الإفريقيّة وعندها اتخذتُ قراري الحاسم الذي لا رجعة لي عنه بألا أكتب أيّة روايةٍ أو عمل دراميّ لي باللغة الإنجليزيّة ثانية، وجاءت رواية (الشيطان ) التي كتبتها على ورق مرحاض السّجن لتكون النتاج الأوّل لقراري ذاك".

وكانت هذه أولى أعماله التي تنشر بلغته (كيكيو) ثمّ ترجمت الي الإنجليزيّة و لّغات أخرى كثيرة . ويشير واثيونغو إلى أن الديكتاتورية في بعض الأحيان "مأساة تتجلى في شكل كوميديا".

ويعطي مثلاً على ذلك روايته الأسطورية المسماة (ماتيقاري) ،التي نشرت قبل 20 عاماً بلغة (كيكيو) في كينيا وترجمت الي اللغة الانجليزية لتنشر في سلسلة الكتّاب الإفارقة في عام 1989.

يروي واثيونغو حادثة حصلت معه نتيجة  هذه الرواية، يقول: "ماتيقاري" كان بطل الرواية الناقد لمن هم في السلطة. بعد صدور الرواية قرأها المتملقون..ثم بعدها أصدرت حكومة موي أمراً بالقبض على ماتيقاري، لكنه لم يكن شخصية من لحم ودم!!. لقد كان واثيونغو محظوظاً. قال إنه كان بالفعل في المنفى عند محاولة القبض على ماتيقاري. وما دام أن المحاولة الحكومية للقبض على بطل الرواية ماتيقاري مستمرة، فإنه قد تحتم على البروفيسور واثيونغو أن يظل بعيداً عن وطنه لمدة عقدين ونيف من الزمن.

كان للمضايقات الوقحة التي تعرضت لها عائلته من نظام الرئيس دانييل أراب موي بسبب نقده الحاد للحكومة الديكتاتورية، أثر بارز في خروجه مع عائلته إلى المنفى، وتبعاً لذلك غادر إلى المنفى في عام 1982 ومارس التدريس في جامعة امهرست، جامعة ييل، وجامعة نيويورك، حيث أمضى في الأخيرة عشر سنوات. وفي نهاية المطاف أصبح أستاذاً متميزاً في الأدب الإنجليزي، وفي الأدب المقارن في جامعة كاليفورنيا في ارفين، حيث فيها يدير المركز الدولي للكتابة والترجمة.

ولأن واثيونغو صاحب مشروع معرفي ثوري وقد تجلى ذلك في كتاباته السياسية ذات المنحى الفلسفي من خلال كتبه الثلاثة: الأول هو «تصفية استعمار العقل» الذي فيه فضح سرقة الغرب للمواهب والعبقريات في إفريقيا كما يسرق الاقتصاد. وكشف كيف أن الأوروبيين سرقوا في القرنين السابع عشر والثامن عشر الكنوز الفنية من أفريقيا ليزيّنوا بها بيوتهم ومتاحفهم، وفي القرن العشرين سرقت أوروبا كنوز العقل لتثري لغاتها وثقافاتها.

والثاني كتاب "الكُتاب في السياسة" الذي صدرت ترجمته أخيراً عن "ابن النديم للنشر" و"دار الروافد الثقافية" (ترجمة عهود المخيني) الذي يعد جزءاً آخر لكتابه "تصفية استعمار العقل" .

  •  كتاب
    كتاب "جدل العولمة: نظرية المعرفة وسياساتها"

والثالث كتاب "جدل العولمة: نظرية المعرفة وسياساتها" الذي نقله إلى العربية الدكتور سعد البازعي وصدر في عام 2014 ضمن مشروع "كلمة" للترجمة التابع لهيئة أبوظبي للسياحة والثقافة، والذي يتحدث حول قضايا فكرية وأدبية وثقافية مختلفة، لكنها تتمحور حول تأثير العولمة التي يمارسها الغرب على العالم.

 عاد واثيونغو إلى كينيا بعد 22 عاماً، بعد أن تمت إزاحة أراب موي عن السلطة. ففي عام 2004، وبعد عامين من تنحى الرئيس موي وإنتخاب مواي كيباكي رئيساً، قام واثيونغو وزوجته بزيارة إلى الوطن. وتم استقباله استقبال الأبطال،حيث المواكب التقليدية من المغنين والراقصين، ملأت أرجاء البلد. يقول: "أعود بعقل مفتوح.. وقلب مفتوح..وبأذرع مفتوحة. لقد جئت للإنتشاء بنسيم الأرض التي انطلقت منها. نعم جئت للتعلّم".

لكن الإحتفال بعيد عودته تحول إلى ليلة مأساوية. إذ وجد أن ثلاثة من الأشخاص المسلحين ببنادق، وساطور، استباحوا شقة استأجرها الروائي العائد، وزوجته في العاصمة الكينية نيروبي. إنتشر الخبر في ربوع البلد. المهاجمون أهانوا روائي البلد، وأحرقوا وجهه بأعقاب السجائر.

ومع ذلك يؤكد واثيونغو أن هناك فضاء ديمقراطياً جديداً في ظل حكومة كيباكي الذي خلف موي، واضعاً جانبا الهجوم الذي تعرض له، ومؤكداً مرة أخرى "أن هناك أسباباً ملموسة تدعو إلى الأمل والتفاؤل".

ويطمئن شعبه وكل العالم: "لا أحد يسجن الآن لإختلافه مع الحكومة، ولا أحد يتعرض للقتل، أو النفي، أو مواكبة مضايقات لأسرته".

يعتبر واثيونغو "أن الشذوذ، عموماً، لا يزال يشكل جزءاً من نظام الحياة حتى بعد ذهاب المستعمرين. يقول: "الألمان يكتبون باللغة الألمانية. الإيطاليون يكتبون باللغة الإيطالية. الروس يكتبون باللغة الروسية. السويديون يكتبون باللغة السويدية. لماذا إذن متوقع لنا، ونحن في قارتنا، الكتابة بلغة أخرى، هي ليست من لغات بلادنا؟.. هذا هو جوهر الاستعمار الجديد؟".

ويضيف أن "هذا الاستعمار الجديد تعزز خلال الحرب الباردة بواسطة علاقات العملاء المحليين مع الدول الغربية المتعطشة للموارد. وهذه العلاقات القاتلة عانت منها كثير من الدول الإفريقية". ويشدد بلهجة جادة، وحادة: " أقول إن مهمتي، بلا شك، واضحة. أنا مناضل ضد تطبيع غير الطبيعي.. أقول ذلك وسلاحي هو الكلمة المكتوبة".

اَخر إنتاجات واثيونغو كانت روايته "ساحر الغراب" التي نُشرت في الولايات المتحدة باللغة الإنكليزية، حيث تضمنت هجاء كثيفاً لنهج السياسة الديكتاتورية. ويقول عن روايته الأخيرة: "إنها قصة رمزية من إفريقيا القرن العشرين، كان استخدام القص فيها أشبه بانفجار لقنبلة ثقافية ضد الدكتاتورية".

يقول واثينغو إن الرواية تمظهر دكتاتوراً يدعى "الحاكم" الذي هو مزيج مركب. "هو أشبه بشخصيات بارزة مثل موبوتو سيسي سيكو رئيس زائير سابقاً، أو فرديناند ماركوس في الفلبين، أو أوغستو بينوشيه في شيلي، وموي في كينيا. إن هذا الحاكم، كما بدا في الرواية، محاط بالمتملقين المثيرين للشفقة.  واحدهم يملك أذنين كما لو أنها معدلة جراحياً لتكون في حجم آذان أرنب لتلتقط أي مؤامرات مقرفة. وآخر يملك وسع عينين على حجم المصابيح الكهربائية ليرى بها كل ما يجري حول مختلف أنحاء الحاكم. الأكثر من ذلك أن الحاكم وطاقمه يريدان إقامة ناطحة السحاب الشاهقة المسماة بـ"الزحف نحو السماء" لوضع الحاكم على قدم المساواة مع الله".

ولكل ذلك يظل الكاتب الكيني نغوغي واثيونغو  في مقدمة المرشحين لنيل جائزة نوبل للآداب.