"الغرفة التي شهدت الأحداث": بولتون يكشف تجربة ترامب في الرئاسة

كتاب بولتون يشكل مرجعاً أساسياً لفهم تجربة الرئيس ترامب طيلة الأربع سنوات في البيت الأبيض ولمعرفة كيفية طريقة تفكير "الصقور" والمحافظين الجدد.

  • بولتون يروي في كتابه
    بولتون يروي في كتابه "الغرفة التي وقع فيها الحدث" كيف يسخر ترامب السياسة لمصالحه الشخصية

يهدف جون بولتون في كتابه "الغرفة التي شهدت الأحداث" الذي يسرد فيه كواليس ما حدث خلال فترة توليه منصب مستشار الأمن القومي الأميركي بين عامي 2018 و2019، بإقناع الأميركيين بإخراج الرئيس دونالد ترامب من البيت الأبيض، عبر التصويت ضده في الإنتخابات التي ستجري في تشرين الثاني/ نوفمبر المقبل 2020، وليس عبر إجراءات عزل تستند إلى مخالفات جسيمة للقانون إرتكبها عن سابق إصرار. 

عنوان الكتاب يشير إلى الغرفة البيضاوية لمكتب الرئيس الأميركي، كما أن التصميم البيضاوي على مجلد الكتاب مستمد أيضاً من شكل هذه الغرفة المليئة بالأحداث.

ويرسم بولتون صورة صادمة للرئيس ترامب كزعيم متهور استغل قوة منصبه لخدمة مصالحه الشخصية والسياسية حتى قبل مصالح الأمة. ويتهم بولتون في كتابه ترامب بأنه "يحاول تسخير السياسة الخارجية الأميركية لخدمة مصالحة الشخصية". 

ويتضمن كتاب"الغرفة التي شهدت الأحداث" الصادر عن شركة المطبوعات للتوزيع والنشر في بيروت، إتهاماً لترامب بالجهل بشأن عدد من القضايا في السياسة الدولية. ويعطي بولتون مثلاً على ذلك أن ترامب لم يكن يعلم مثلًا أن بريطانيا قوة نووية، وكان يظن أن فنلندا جزء تابع لروسيا، وكان على وشك الانسحاب من حلف الأطلسي.

يعتبر بولتون أنه من الناحية المؤسسية، كان الإنتقال الرئاسي لترامب والعام الأول من عهده فاشلين بشكل لا يمكن إصلاحه. فالعديد من مستشاري ترامب الذين لم يشغلوا في مرحلة سابقة أي مناصب تنفيذية رفيعة. فلم يتكبد ترامب ومعظم فريق عمله عناء قراءة "دليل الخدمات الحكومية" ربما لعدم إدراكهم بأن ذلك لن يجعلهم أعضاء في "الدولة العميقة" بصورة تلقائية. 

يعتبر بولتون أن وصف الفيلسوف الإنكليزي توماس هوبس للوجود الإنساني بأنه "متوحد، تعيس، بذيء، وحشي.."، ينطبق بشكل دقيق على الحياة في البيت الأبيض. ويضيف: العديد من المستشارين الرئيسيين كانوا يميلون إلى ذلك.

وقد قارب بولتون إنجار أعمال حكومة ترامب بمقاربة تجربته في الإدارات الحكومية التي عمل فيها (وزارة الخارجية، وزارة العدل، الوكالة الأميركية). فيروي أنه خلال زياراته الأولى للبيت الأبيض "تمكنت من تسجيل اختلافات صاعقة بين الرئاسة الحالية وتلك التي عاصرتها في مراحل سابقة. إذ تبين لي أن الأسلوب الذي كان يعتمد في يوم معين لمعالجة مشكلة محددة يختلف عن الأسلوب المعتمد في اليوم التالي أو في اليوم الذي يليه. وأكتشفت أن الوضع لن يتحسن كثيراً ما أثار إحباطي". 

ويسخر بولتون من الرئيس ترامب قائلاً: "ترامب عتيق، ينتقل من صفقة في يوم واحد، إلى حرب شاملة في مجرّد ثوان". 

ويصف بولتون البيئة داخل الإدارة على أنها تتسم بالاقتتال الداخلي الساخر حيث يهاجم العديد من الأطراف بعضهم البعض في مسابقة لتقديم الاستشارة للرئيس. في المقابل، ينتقد الرئيس الجميع.

فعندما تولى بولتون منصب مستشار الأمن القومي في سنة 2018، استخف جون كيلي، الذي كان يرأس موظفي البيت الأبيض حينها، بالمستشار السابق، هربرت ماكماستر من خلال قوله: "لم يكن لدى الرئيس مستشار للأمن القومكاني في السنة الماضية وهو بحاجة إلى واحد الآن". من جهة أخرى،  يقول بولتون إن بومبيو استهزأ من نيكي هيلي التي مثلت سفيرة الأمم المتحدة حينها، واصفاً إياها بأنها "خفيفة كالريشة".

ويؤكد الكاتب أن التغيير المستمر للموظفين في البيت الأبيض لم يجد نفعاً، شأنه في ذلك شأن مبدأ حرب الكل ضد الكل الساري في البيت الأبيض.

يستذكر بولتون قول مرشده السيناتور السابق بول لاكاست الذي كان يردده: "لا مكان للمفاهيم النظيفة في السياسة"، ويقول: المنافسة على المراكز البارزة لا تشهد الجدية إلا في مرحلة "الإنتقال الرئاسي" وهي بدعة أميركية اكتسبت المزيد من الوضوح خلال العقود الأخيرة.

ويوضح ذلك بقوله أن الفرق المعنية بعملية الإنتقال الرئاسي توفر دراسات لحالات المتخرجين من كليات إدارة الأعمال. وتمارس هذه الفرق عملها لمدة زمنية من تاريخ الإنتخاب إلى تاريخ القسم الرئاسي، لتختفي بعدها إلى غير رجعة. وتغرق خلال هذه المرحلة في بحر هائج من المعلومات الواردة والتضليل والتحليلات المعقدة والتنافسية.. والتمحيص والضغط الذي تمارسه وسائل الإعلام والمجموعات ذات المصالح. 

يرى بولتون أنه من الممكن أن تكون عمليات الإنتقال الرئاسي أفضل من سواها وطريقة تطبيقها تكشف الكثير عن الإدارة الجديدة. ويبدأ المقارنة مع الإنتقال الرئاسي للرئيس نيكسون في العام 1968 – 1969 الذي شكل النموذج الأول لعمليات الإنتقال الرئاسي المعاصرة، مع تحليلات دقيقة لكل من الوكالات التابعة للسلطة التنفيذية.

ويتابع: في حين مثل الإنتقال الرئاسي لرونالد ريغان في العام 1980 – 1981 معلماً بارزاً على التمسك بأقصى حد  ممكن بمبدأ أن "الفريق العامل هو السياسة" مع التركيز باهتمام شديد على اختيار الأشخاص المستعدين للإلتزام ببرنامج ريغان. أما الإنتقال الرئاسي لدونالد ترامب في العام 2016 – 2017 فكان شبيهاً بدونالد ترامب.

بولتون وإيران

يعطي جون بولتون في كتابه حيزاً كبيراً للحديث عن إيران. وحسبما يقول مارك فتزباتريك أحد مساعدي جون بولتون في وزارة الخارجية الأميركية في الفترة بين عامي 2001 و 2005: لم يحظَ أي موضوع غير إيران على هذا الاهتمام الكبير من جانب بولتون في كتابه الأخير إذ ورد اسم إيران 755 مرة فيه، لأنه دوماً اعتبر إيران بأنها خطر كبير إلى جانب روسيا والصين وكوريا الشمالية. واعتبرها رابع أخطر دولة لأنها لا تملك سلاحاً نووياً.

ويؤكد فتزباتريك أن بولتون خلال فترة عمله مع الرئيس ترامب كان دائماً يشدد على ضرورة مهاجمة إيران بالصواريخ وتغيير النظام في طهران كحل وحيد لمنعها من تطوير أسلحة نووية. 

ويسرد كتاب قصة تخطيط الهجوم العسكري الأميركي على ثلاثة أهداف في إيران بعد إسقاط الطائرة الأميركية المسيّرة بدون طيار يوم 20 حزيران/ يونيو 2019 في مياه الخليج. ويقول: أن كل شيء كان قد تم تجهيزه للرد على هذا الهجوم حتى بيانات وزارة الدفاع، وقد تم تحديد بداية العمليات العسكرية الساعة الـ9 مساء يوم 20 حزيران/ يونيو بحسب توقيت شرق أميركا، وحوالى الساعة الـ5 صباحاً بتوقيت إيران.

وكان الجنرال "دانفورد" رئيس هيئة الأركان المشتركة للجيش الأميركي قد حدد الساعة السابعة مساء لاختبار الهجوم على ثلاثة مواقع في إيران. واتصل بولتون حوالي الساعة الخامسة والنصف هاتفياً بترامب من داخل سيارة الخدمة السرية، وقال له كل شيء حول الهجوم، وأعلن موافقته.

ويضيف: تحدثتُ مع "باتريك شاناهان" وزير الدفاع آنذاك حول تفاصيل البيان الذي كان سيصدره هو و"دانفورد" بعد الهجوم، وتحدثنا أيضاً عمّا إذا كان عليهم الرد على التساؤلات في البنتاغون أم يكتفون فقط بقراءة البيان؟ 

ويروي بولتون: اتصل بي شاناهان وقال: إن السفارة البريطانية في إيران تعرضت لهجوم، ولذلك قرروا تأجيل الهجوم ساعة واحدة.

واتضح بعدها أن تقرير الهجوم على السفارة البريطانية في طهران لم يكن صحيحاً، وما حدث كان مجرد حادثة بسيطة أمام مبنى السفارة البريطانية.

بالنظر إلى أن معلومات الهجوم على السفارة كانت معلومات خاطئة، لم يكن أحد ليصدق أن البنتاغون قد غيّر توقيت الهجوم بحسب رؤيته للموقف. اتصل بولتون بترامب، وقال له: إننا ربما نضطر إلى تأجيل الهجوم ساعة واحدة. لم يدرك ترامب لماذا اتخذنا هذا القرار، ولم يعترض أيضاً.

ويتابع: كنتُ قلقاً من أن يضعف شاناهان ودانفورد في القرار الذي اتخذاه من أجل الهجوم، فاتصلتُ بوزير الخارجية "مايك بومبيو". وكان يعتقد بأن شاناهان ودانفورد أُصيبا بالهلع، ويخمنان بأنهما إذا صبرا بضعة أيام أخرى فسيتمكنان من إقناع بريطانيا أيضاً بالتدخل في هذا الهجوم.

خلال هذا التوقيت، تم إبلاغنا بأن ترامب يريد إجراء اتصال هاتفي جماعي معنا نحن الأربعة أنا وبومبيو وشاناهان ودانفورد.

تم الاتصال الهاتفي الجماعي مع ترامب، وقال إنه قرر إلغاء برنامج الهجوم لأن هذا الهجوم من وجهة نظره لا يتناسب مع إسقاط طائرة بدون طيار، وقال ترامب في الإتصال إن أحدهم قال له ربما يُقتل في هذا الهجوم حوالى 150 إيرانياً، وهو لا يرغب في اتخاذ هذا الإجراء في مقابل إسقاط طائرة بدون طيار.

ويؤكد بولتون أن بومبيو في هذه اللحظة سعى وراء إقناع ترامب بتنفيذ الهجوم، لكنه لم يهتم، وأنهى المكالمة بقوله إن هناك وقتاً دائماً لشن هجوم، ولم تفلح جهود بولتون أيضاً في إقناعه بتغيير رأيه. "كان هذا أكثر قرار غير منطقي رأيته من رئيس جمهورية"، قال بولتون.

أعلن ترامب بعد ساعات في تويتر أنه ألغى هجوماً مخططاً له بسبب أنه كان سيؤدي إلى مقتل الكثير من الإيرانيين وقال: "تهيأنا أمس للانتقام بضرب ثلاثة أهداف، وعندما سألت كم فرداً سيُقتل؟ قال جنرال لي: 150 ضحية، فأوقفت الهجوم قبل توقيته بـ10 دقائق".

ويكشف هنا مارك فتزباتريك، أن بولتون كان على وشك الاستقالة بعد أن قرر ترامب الغاء أوامره بضرب إيران مشيراً إلى أن بولتون "أعتبر أن قرار ترامب بعدم إثارة حرب ضد إيران كان القرار الأكثر سخافة". 

رفض بولتون أي تفاوض بين القادة الإيرانيين وحكومة ترامب. فالمرة الثانية التي هدد فيها بولتون بالإستقالة من منصبه كمستشار للامن القومي، كانت في حال نفذ ترامب رغبته بلقاء وزير الخارجية الإيراني محمد جواد ظريف، على هامش مؤتمر زعماء المجموعة السبع بدعوة من الرئيس الفرنسي.

وحضر ترامب وكبار مسؤولي حكومته هذا المؤتمر في مدينة بياريتز الفرنسية، وسافر ظريف أيضاً بدعوة من إيمانويل ماكرون إلى مكان انعقاد المؤتمر بصورة غير متوقعة.

يقول بولتون: "تجهزتُ حتى إذا حدث لقاء فسوف أعود إلى أميركا بالطائرة، وأستقيل من منصبي". إلا ان اللقاء لم يتم. 

غادر بولتون البيت الأبيض من دون أن يُحقّق حلمه بالاحتفال بتغيير النظام الإيراني مع المُعارضة في طِهران، مثلما تعهّد لزُعمائها في خِطابه الذي ألقاه في مُؤتمرها السنوي في باريس قبل عام.

لا يجوز التقليل من خطوة استقالة بولتون أو إقالته، فقد كان هناك سباق محموم بين الدبلوماسية والخيار العسكري في التعامل الأميركي مع إيران. وقد يفتح سقوط بولتون الطريق إلى طهران ويجعل احتمالات شن الحرب عليها بعيداً جداً. 

نهاية بولتون لا يؤسف عليها. فالرجل المغادر خطير، يدين بأيديولوجيا التفوق والتعامل مع الخصم أو المختلف معه بلغة العصا. هو أحد أبرز صقور المحافظين الجدد، والذي لا مكان عنده للدبلوماسية وسياسة التسوية في معالجة الخلافات والأزمات، فقط إخضاع الآخر بالقوة. لذلك رفض الكونغرس تعيينه سفيراً أيام الرئيس جورج بوش الإبن.

  • بولتون يروي في كتابه
    يرى ترامب أن كتاب بولتون عبارة عن مخطوط كامل من المعلومات السرية التي تهدد الأمن القومي

علق ترامب على كتاب بولتون في سلسلة من تغريداته بقوله: "لو استمعتُ إليه لكنا الآن في الحرب العالمية السادسة". و"فشل بولتون في الحصول على الموافقة ليكون سفير واشنطن لدى الأمم المتحدة منذ سنوات، مبيناً أنه توسل إليه ليحصل على منصب مستشار الأمن القومي الذي لم يكن مجلس الشيوخ موافقاً عليه". ووصف ترامب كتاب بولتون بـ"القذر" و"غير الصحيح" مضيفاً أن الكتاب عبارة عن مخطوط كامل من المعلومات السرية التي تهدد الأمن القومي.

خلاصة ما تقدم أن كتاب بولتون يشكل مرجعاُ اساسياُ لفهم تجربة الرئيس ترامب طيلة الأربع سنوات في البيت الأبيض.