"الإسلام فـي شعـر المسـيحيين"

الكتاب جهد بحثي كبير تولاه الكاتب فارس يواكيم على مدى عقدين من السنين فهو يعيدنا إلى الأحلام الكبيرة، والوعي الذي رافق تاريخاً تنويرياً والثقافة النخبوية المنخرطة عن وعي في مجتمعاتها وتواريخها.

كتاب "الإسلام فـي شعـر المسـيحيين"، للكاتب فارس يواكيم
كتاب "الإسلام فـي شعـر المسـيحيين"، للكاتب فارس يواكيم
صدر للكاتب المسرحي والصحافيّ اللبناني العريق فارس يواكيم كتاباً بعنوان "الإسلام فـي شعـر المسـيحيين"، استعاد فيه أسماء لشخصيات أدبية لبنانية، وسورية، ومصرية، وسودانية، وهي شخصيات مرموقة وذات موقع متقدّم في النص الشعري.

قصائد هؤلاء الكبار تتناول مفاهيم ومناسبات إسلامية دقيقة تدل على أن الثقافة المجتمعية كانت سابقاً وحتى وقت قريب، متآلفة، متداخلة، بعيدة عن أيّ تعصب في زمن باتت القسمة داخل المذهب الواحد متوافرة ومتاحة للجميع للعمل فيها على إثارة النعرات.

يقول يواكيم في مقدمة كتابه: "منذ نحو ثلاثين سنة فكرت في إعداد كتاب يشمل أبرز القصائد التي كتبها الشعراء المسيحيون العرب في موضوع الإسلام. وكنت قرأت في مجلة "الهلال" المصرية عدد شهر نوفمبر/تشرين الثاني 1976، مقالا بعنوان (شاعر عربي مسيحي يكتب عن محمد) مع مقدمة تشير إلى أن الشاعر هو السوري وصفي قرنفلي، وهو قد نشر قصيدته عن الرسول(ص) سنة 1934".

وجاء في مقدمة مجلة "الهلال": "وهذه القصيدة هي ثمرة من ثمرات الوحدة الوطنية التي تمتد بجذور عميقة في الوجدان العربي بين المسلمين والمسيحيين. هذه الوحدة التي يحاول أعداء العرب الآن أن يمزقوها كما يحدث في لبنان اليوم، حتى يثور الصراع بين الأخوة على أساس طائفي، لم يكن له وجود في تاريخ العرب قديماً أو حديثاً. و"الهلال" تعيد اليوم نشر هذه القصيدة ليتذكر الجميع أن العرب أمة واحدة، وأن الصراع الطائفي في الوطن العربي ليس له جذور حقيقية".

يقول يواكيم: "رحت آنذاك أسترجع العدد الوافر من القصائد التي كتبها أدباء عرب مسيحيون في موضوع الإسلام، وهم على اختلاف صياغاتهم يتفقون على المديح والإشادة. ورأيت أن أضع هذا الكتاب (الإسلام في شعر المسيحيين) لكي يطـّلع القراء على هذه القصائد الغنية في مادتها كمـّاً ونوعاً. والمسيحي العربي يتعرف على الإسلام في مجتمع بلده منذ تفتح وعيه وبداية إدراكه. وكون اللغة العربية لغته الأم، وهي في الوقت نفسه لغة القرآن الكريم، سهـّل عليه ولوج عالم الثقافة الإسلامية، فإذا احترف الأدب ذات يوم وجدتَ ملامح هذه الثقافة في كتاباته، ليس من حيث طرق مواضيع ذات صفة إسلامية فحسب، بل في لغته عموماً حتى عندما يتناول مواضيع أخرى، ومنها على سبيل المثال قول الشاعر المصري تادرس وهبي(1860 ـ 1934) في الذكرى السنوية الأولى لمصرع بطرس غالي: «ربّ كن لي فيما أحاول، وأحلل حين أرثيه عقدة من لساني» (مستوحاة من سورة طه الآيات 25 إلى 28: «ربّ اشرح لي صدري ويسّر لي أمري واحلل عقدة من لساني يفقهوا قولي)".

يضيف يواكيم: "بل إن أدباء عرباً معروفين مسيحيين صدّروا كتبهم بالبسملة. منهم الأديب ناصيف اليازجي في كتابه «العرف الطيب في شرح ديوان أبي الطيب» والخوري يوسف عون لدى نشره ترجمته للإنجيل. ولا غرابة في ذلك، فالمسيحي يؤمن بأن الله رحمان ورحيم. واعتباراً من القرن التاسع عشر كان عدد كبير من المسيحيين من أعلام الأدب العربي، بل وحافظ المسيحيون على اللغة العربية وتمسكوا بها، خصوصاً في الحقبة العثمانية، وكان الإسلام في نظرهم صنو العروبة والمرجعية الثقافية للعرب. وفي ضوء ذلك نقرأ ما كتبه جبران خليل جبران في نص حمل عنوان «إلى المسلمين من شاعر مسيحي»، قال: «أنا لبناني ولي فخر بذلك، ولست بعثماني ولي فخر في ذلك أيضاً(...) أنا مسيحي ولي فخر بذلك، ولكني أهوى النبي العربي وأكبر اسمه وأحب مجد الإسلام وأخشى زواله(...).".

يتابع يواكيم: "وفي ضوء هذا، يُردّ رفض الأدباء المسيحيين للاحتلال العثماني لبلادهم إلى انتمائهم إلى القومية العربية والتزامهم بها، وهو ما جعلهم يرفضون الاستعمار الأجنبي لبلادهم بكل جنسياته، فرنسية كانت أم بريطانية، حتى وإن كانت هذه الدول «مسيحية». والخلاف مع العثماني ليس لكونه مسلماً، بل لأنه يحتل الوطن. وفي كتاب «السراج وأدب الرسائل» يروي د. حديد السراج عن والده الأديب واللغوي السوداني: «كانت للشيخ الطيب السراج علاقات واسعة مع أخوتنا المسيحيين السودانيين الأقباط، الذين كانوا دائماً صفاً واحداً مع أخوتهم المسلمين السودانيين في مواجهة المستعمرين الإنكليز ومكائدهم والتصدي لسياساتهم المعادية لشعب السودان ومناضليه".

والشعراء الذين عرض يواكيم قائدهم في الإسلام هم متداخلو الحقب التاريخية منهم الراحل ومنهم المعاصر ومنهم من هو مستمر بعاطاءات الوحدوية. وهم بالتدرج بحسب الكتاب: إدوار مرقص، إلياس فرحات، إلياس قنصـل، بولس سلامة، جاك شماس، جورج رجـّي، جورج شكور، جورج صيدح، حليم دموس، خليل فرحات، خليل مطران، الشاعر القروي، رفيق رزق سلوم، رياض المعلوف، ريمون قسيس، زكي قنصل، سعيد العيسى، سعيد عقل، شبلي الشميل، شبلي الملاط، صالح بطرس، صلاح لبكي، عبدالله يوركي الحلاق، عزيز التوم منصور، كمال ناصر، مارون عبود، محبوب الخوري الشرتوني، ميشيل مغربي، نقولا فياض، وصفي قرنفلي.

وكما في النثر كذلك في الشعر. كتب جبران تويني (1890-1947) الصحافي والسياسي والأديب اللبناني قصيدة بعنوان «مناسك الحج» قال في مطلعها:

 

هذا الحجيج أقبلا، مكبّراً مهللاً

يطوف بالبيت العتيق ساعياً مهرولاً

الله لا إله إلا الله قم حيّ على

 

وفيها وكأن هذا الشاعر المسيحي أدى فريضة الحج إلى البيت الحرام:

طاف بالبيت محرماً وتهيّأ

للقاء الرحمن براً نقياً

ومشى من منى إلى عرفات

يذكر الله بكرة وعشيّا

ويناجي النبي في مهبط الوحي

هنيئاً لمن يناجي النبيّا(...)

لبيّيك اللهم يا رحيم

لك ازدلفنا بجوار الحطيم

من زمزم نروى، وأكبادنا

حرّى إلى غفران يوم عظيم

 

والشاعر المصري القبطي بطرس ابراهيم عوض (1901-1980) كتب في ذكرى المولد النبوي قصيدة قال في مطلعها:

ذكرى تحل بروضة ورحاب

في أنفس الشعراء والكتّاب

ذكرى الهداية والتقى، بل والنهى

وافت تبدد ظلمة المرتاب

فانثر لها تلك الزهور محييا

عيد الرسول بنفحة الإعجاب

دين لأحمد قد تعاظم شأنه

بين الأنام برفعة الأنساب

 

وقد ذهب الشاعر اللبناني يوسف أبي رزق (1912-1997) في قصيدته «تحية المولد النبوي الشريف» إلى طلب الشفاعة من الرسول العربي:

نبيّ العُرب! عفوك من شعوب

أضاعت في جهالتها حجاها

رسول الحق أشرف من سماء

الخلود على بلادي في أساها

على لبنان تسحقه الرزايا

وأرض جنوبه فقدت رجاها(...)

أغثنا يا نبي الله! واسأل

إلهك أن يعيد لها هناها

 

ومهّد الشاعر الفلسطيني نقولا حنا (1923-1999) لقصيدة «من وحي القرآن» بكلمة نثرية جاء فيها: «قرأت القرآن فأذهلني، وتعمقت به ففتنني، ثم أعدت القراءة فآمنت(...) ومن إيماني العميق هذا استهلمت أبيات قصيدتي هذه:

 

حجاز.. لقلبي بالحجاز هيام

ووجدٌ له طيّ الضلوع ضرام

بعدت ولم تبعد فأنت بخاطري

مقيمٌ، فلا ملّ النزيل مقام

 

وللمطران السوري نيفن سابا (1890-1966)، وهو رجل الدين المسيحي والأسقف الأرثوذكسي لزحلة والبقاع (لبنان)، قصيدة قال في مطلعها:

 

عهد الجدود تجدّد

ما بين عيسى وأحمد

يد العدى قطعته

بالأمس الله يشهد

لكنّه بالنصارى

والمسلمين توطّد(...)

 

والشاعر اللبناني الشهير جورج جرداق (1931-2014) كتب موسوعة بعنوان «علي صوت العدالة الإنسانية» من ستة أجزاء. لكنه نظم الشعر أيضاً في مدح الإمام، ومن قصيدة له قوله:

 

كلّما بي عارض الخطب ألم

وحماني من عنا الدهر الم

رحت أشكو لعليّ علني

وعليّ ملجأ من كلّ هم

وأنادي الحق في أعلامه

وعليّ علم الحق الأشم

فهو للظالم رعدٌ قاصف

وهو للمظلوم فينا معتصم

وهو للعدل حمى قد صانه

خلقٌ فذٌ وسيف وقلم

من لأوطان بها العسف طغى

ولأرض فوقها الفقر جثم

غير نهج عادل في حكمه

يرفع الحيف إذا الحيف حكم

 

وكثيراً ما دعا الشعراء المسيحيين العرب إلى التآخي وإلى نبذ الفتن التي تسعى للفرقة بين المسيحيين والمسلمين. ويقول الشاعر الفلسطيني اسكندر الخوري البتجالي:

 

لا، لن تنال من اتحاد الملّتين يد الفتن

كلا، ولن تصدع ما بينهما هذي المحن»

 

وترتفع هذه النبرة خصوصاً أوان الأزمات التي تعصف بالوطن، فهذا وديع البستاني يشيد بالوحدة الوطنية التي جمعت أهل فلسطين:

 

المسلمون مع النصارى كبّروا

ومهلّلون من النصارى رحّبوا

والمهد للأقصى انثنى وتعانقا

وانظر فحولك بيت لحم ويثرب

 

أما الشاعر الشهير إيليا أبو ماضي فكتب قصيدة «الحرب العظمى» في أعقاب الحرب العالمية الأولى، وفيها يشكو الحرب عموماً وما خلفته من قتلى ودمار، كما يشكو بني قومه المتقاعسين، الذين بدلاً من الانتفاض لكرامتهم الوطنية ينشغلون بالتناحر الداخلي. أما تعبير «الله رب الشرعتين» فهو في معناه مستوحى من «... لكل جعلنا منكم شرعة ومنهاجاً ولو شاء الله لجعلكم أمة واحدة... الآية – سورة المائدة – 48). وفي الأبيات التالية يدعو إخوانه المسيحيين، والمسلمين، إلى التآخي بدلاً من التنابذ:

 

ما بال قومي نائمين عن العُلى

ولقد تنبّه للعُلى الثقلان

تُبّاع أحمد والمسيح هوادة

ما العهد أن يتنكرّ الأخوان

الله ربّ الشرعتين وربكم

فإلى متى في الدين تختصمان

مهما يكن من فارق فكلامكما

يُنمى إلى قحطان أو غسان

فخذوا بأسباب الوفاق وطهّروا

أكبادكم من لوثة الإضغان

في ما يحيق بأرضكم ونفوسكم

شغل لمشتغل عن الأديان

نمتم وقد سهر الأعادي حولكم

وسكنتم والأرض في جيشان

 

وفي المقابل، عديدة هي القصائد التي كتبها شعراء مسلمون فيها الاحترام للمسيحية وفيها التوكيد على الأخوة بين المسلمين والمسيحيين كضرورة من ضرورات الوحدة الوطنية وسلامة المجتمع. هذا الشيخ محمد عبدالمطلب يقول:

 

بنينا على آداب عيسى وأحمد

منازل عزّ دونها يقع النسر

فنحن على الإنجيل والذكر أمة

يؤيدها الإنجيل بالحق والذكر

كلانا على دين به هو مؤمن

ولكن خذلان البلاد هو الكفر

إذا ما دعت مصر ابنها نهض ابنها

لنجدتها سيّان مرقس أو عمرو

 

أما عباس محمود العقاد فأحزنه الصراع الطائفي في سوريا ولبنان فناجى القوم قائلاً:

 

ما في المدامع من شعار كنيسة

يوم الحنين ولا شعار هلال

أمنازعون على السماء وأرضكم

نهب لكل منازع وموال

من بعلبك خذوا المثال لرأيكم

يوم الخلاف وتلك خير مثال

فيها لموسى والمسيح وأحمد

أثر، وللوثن القديم البالي

 

 

يقول يواكيم: في عام 2006 علمت أن «مؤسسة جائزة عبدالعزيز سعود البابطين للإبداع الشعري» نشرت كتاباً عنوانه «شعراء النصارى العرب والإسلام.. نصوص شعرية» وتسنى لي لاحقاً الاطلاع عليه فوجدته توثيقاً جيداً للعديد من قصائد المسيحيين العرب جمعها الأستاذ ماجد الحكواتي. لكن ذلك لم يمنعني من مواصلة عملي لأنني سأعرّف القراء بقصائد قيّمة غير منشورة في الكتاب المذكور، فضلاً عن أني حرصت على ألا يقتصر كتابي على مجرد عرض قصائد مختارة من شعر مسيحيين عرب، وإنما على التعليق عليها أيضاً وشرح الصلة بين أبياتها ومصادرها الإسلامية والتعريف المفصّل بالشعراء الذين صاغوها، ما يجعل القارئ يلمس مدى تعمق هؤلاء الشعراء في الثقافة الإسلامية. وأنوّه هنا بأن كتابي هذا لا يتضمن كل ما نظمه المسيحيون في موضوع الإسلام، لكنه يشتمل على مختارات عديدة، هي الأبرز فيما كتب في هذا المجال.

الكتاب جهد بحثي كبير تولاه الكاتب يواكيم على مدى عقدين من السنين فهو يعيدنا إلى الأحلام الكبيرة، والوعي الذي رافق تاريخاً تنويرياً والثقافة النخبوية المنخرطة عن وعي في مجتمعاتها وتواريخها، بعيداً عن الشعبوية الدموية التي تجتاح المنطقة والعالم الفكري والسياسي والإبداعي والثقافي.