خرافة الوجود وتقصّي خفايا الذات .. عن كتاب "متحف العاهات"

قصة تستلهم الرؤية السينمائية كأن راويها يعيد المشهد عينه من اكثر من زاوية، فيظهر البطل يخبر قصته، ثم يعود بطل اخر فيخبر القصة عينها، ثم اخر فاخر ...حتى تتوحد الاصوات في صوت الدمية، الدمية الموضوعة في خزانة مهملة، لكنها المحبوبة والقادرة على هدم كل شيء والخروج سليمة وحدها، الدمية الميتة لكنها كل الحياة.

رواية "متحف العاهات" للكاتب أنيس الرافعي.
قراءة: وداد طه


مضنٍ وماتع في آن أن تقرأ كتاباً يقترح عليك الحياة أو شكلاً من أشكالها غير المألوفة، وهو يقدّم لك صوراً مروّعة عن الموت. في رباعيته القصصية "متحف العاهات" يخرج أنيس الرّافعي عن أي مألوف أو جديد، يخط حكايته من خيال مترع بالغرائبيّة المخيفة والمربكة.

كأنّما كتابه وأعني هنا الكتاب الأوّل المسمّى "متحف العاهات" والمقسّم إلى عناوين وأجنحة تناسب اسمه: جناج الغصّص، جناح الأورام، جناح الهلاوس، جناح العاهات، جناح الشظايا، جناح الفصام، جناح العدم، وكلّها تحت عنوان أكبر هو حكايات الفوتوغرام.

هذا الكتاب يشبه صفحة الكون إذا ما تخيّلنا الفضاء الخارجي: الكواكب والمجرّات وملايين النّجوم والشّموس والثقوب السّوداء والنّيازك والشّهب، يغلّفها ذلك السّواد المهيب يذيبها ويجرّها إليه، هي تبدو في حركتها وسيرورتها منتظمة وعشوائية في آن، متماسكة لكنّ أي نأمة في غير موضعها الصّحيح، قد تُغيّر مصيرها وتودي بها إلى العدم.  

أعتقد أنّ أنيس الرّافعي يحاول بقصد أم بغير قصد أن يرسم الحكاية ذاتها، من أكثر من وجهة نظر، تجمعها وجهة نظر تتكرّر وهي وجهة نظر الدّمية. فالمشهد يرسم في الأجنحة المختلفة بحس الرّاوي الذي يختلف في كلّ مرة، ويتماهى مع ذات الكاتب وكذلك مع ذات الدّمية في المرّات كلّها.

ساكن لشقة ما في عمارة ما في مدينة ما، في بيته معطف شتويّ ومظلّة وحقيبة يدسّ فيها دمية. مرّة يرى نفسه وهو في شقته يدخّن ويطالع بسأم المارّة والحياة، ومرّة يراه آخرون يصبحونه فيما بعد، آخرون عابرون كالسّيدة الجميلة في البناية المقابلة التي فجأة تصبحها الدّمية، الدّمية التي يدوسها رجل يعبر إلى بيته في الطّابق الثاني من البناية نفسها، وهو يرتدي معطفاً شتويّاً ويحمل مظلة وحقيبة في يده. ثمّ نراه آخر يعشق الدّمية لكنّه مصور فوتوغرافي هذه المرّة، الدمية المقتدرة القادرة على أن تجعل شرفة تنهار وتنتحر انتحاراً على ما أصابها حين تركها البطل وحدها على الزاوية اليمنى للشرفة...ثم يتبدى المشهد أكثر وضوحًا في قسم جناح الفصام، حين يروح الرّاوي يتكلم هذه المرة مع الشبح السّاكن جسد البطل والذي يخرج منه ويعاشر الدّمية.

في هذا القسم يبدي صورة الإنسان القائم من تحت دمار العواطف وقصص الحبّ المهزومة، العازب الوحيد والمارد إذا ما أراد أن يفلت الوحش الذي يسكن تحت جلده.هنا تتخذ الدّمية رمزية أكثر حياة، هي الماضي الجارح، هي الحب المكتوم بين الضّلوع، فيه نعرف أنه مصور فوتوغرافي، وفيه أيضًا تغدو الدمية من لحم ودم، عندما يصوّر البطل وهو يهذي بهسيتيرية فائقة.

نقراته المحرّكة لكلّ شيء لاسّيما الشهوة العارمة المصوّرة في مشهد حسيّ يقارب في سرعة نبضه وإيقاعه وتوتره، هياج ثور أو حصان في حلبة يختال وسطها فارس يظنّ أنّه يستطيع ترويض غضبه وهياجه. يعترف البطل بأنّه مسكون بأحد ما ومسلوب الإرادة، وهو شخص غريب، فحينما يفكّر بهواية ما فإنها تكون جمع أسماء المتوفين في حوادث أو انتحاراً، علّه يعثر على اسم يتكرّر لأكثر من مرة ويثبت صحة اعتقاده أنّ هناك من يموتون في حياتهم الواحدة أكثر من مرة.

 وفيما هو يبحث عنهم دخل أحد محلات العاديات، وفيه وقبل أن ينصرف وجد بيانو في حالة بائسة لكنه اشتراه، وعاد به إلى شقته في الطّابق السّابع، وأفسح له المناضد بجانب الشرفة. حاول أن يستعيد العزف، فضرب على المفاتيح التي لم تسمح حالتها أن يستعيد ذكرياته في معهد الموسيقى، ارتمى على سريره ونام. انتبه من نومه على صوت موسيقى جميلة، وهنا عاد ذلك الآخر يرتاد مسرح الأحداث، فأكد الرّوي الذي فجأة أصبح جميع الرّواة الآخرين، أنه لا يعلم من منهما الذي تفاجأ حتى الموت حين وجد الدّمية تعزف على المفاتيح بمهارة عزفاً ساحراً.

نراه بعد ذلك يهرب وينزل من شقته إلى الشّارع حاملاً مظلته وحقيبة فيها دمية ..بعد أن يشعل النار في الشقة. بعدها وكأنّ الكاتب قد اكتفى من تأزيم القارئ وزجّه في عوالم غامضة ومتوترة، يصرّح أنّه ولكي يبقى للكلام معنى وجمال، لا بدّ أن تنتهي القصّة أو الحكي عند هذا الحدّ.

  إذاً في حكاية يبدأ التناقض فيها من عنوانها، يحبك أنيس الرّافعي سيرة حياة بطل من سراب، يتنقل من مدينة إلى أخرى، يتلمّس الحواسّ بحذر وترقب وشوق كبير للاحتفاظ بأدق التفاصيل، فيما هو هارب من كلّ شيء إلى لا شيء. بطل تتداخل حكاياته مع حكايات غيره، وحكايات غيره عنه، فلا يمكننا أن نفرّق صوت الرّاوي وتالياً فإنّنا نوقن أنّه الجميع، حتّى أنه صوت ما مات فينا من أحلام وما بقي فينا من أوهام عن الحياة والمصير. بطل يمثّل قدر الإنسان المعلّق بين وهمه وحقيقة وجوده، ككائن منتمٍ إلى مكان ما وزمان ما أو كونه منفردًا وحده كأنّه معلق في السّماء، غير مرتبط بشي أو فكرة أو أحد أو زمن. إنّه العدم أو الكون وبينهما كلّ شيء: الحقيقة والكذب والمصير والتوحّد بكل شيء أو الانفلات من كلّ شيء في آن.

في "متحف العاهات"، يصوّر أنيس الرّافعي صوت المدن الضّاجة بالهلاك اليومي، هدير الليل الآذن بحياة ممكنة بعيدة من غدر الإنسان بنفسه والآخر..الحلم بالنجاة. وما ذلك التداخل الغريب والتماهي المزعج بين الدّمى والبشر، وذاك الخلط الفتاك للحقيقة والمزري بالإنسان أو المكرس لحقيقة أنه ليس سوى جمادٍ ما قابل للكسر والعطب السّريع والموت من دون أن يكترث أحد على أحد الطرقات وأمام كلّ البشر وحتى نفسه.

يتشابك في القصّة الحلم مع اليقظة، ولا يمكن للرّاوي أو يمكننا التفريق بينهما..يكرّر الأسئلة ذاتها، يتنقل الزّمن مع تنقل ضمير المتكلم ويتكرّر الخطأ في عنوان البيت، وصورة الأيّام التي يقول إنها صورة فوتوغرافيّة بلا إطار والمرايا، التفصيل الوحيد الذي لا يتغيّر هو الدّمية. وفيما البطل ولد ليعيش فارّاً، يتنقل من منزل إلى منزل ومن مدينة إلى مدينة، صارت الدّمية الحقيقة الوحيدة الثابتة، وانتقلت إمكانات الحياة والإرادة والجمال والحب الموجودة فيه إليها، فهل كان أنيس الرّافعي يحكي قصّة الإنسان الدّمية؟ الإنسان الّذي تحنّط وتشمّع وانداس واهترأ ورمي واستخفّ به وقتل وصار لعبة بلا قيمة، مرتهناً بيد غيره، أداة للتسلية ومتحفاً لأوهام البشر واستيهاماتهم السّاذجة عن السّعادة والحب والطّفولة والحق والمصير؟

الإنسان الذي هو بالأصالة متحف، أي أنّه يشبه المتحف بكونه مكاناً تحفظ فيه الآثار البشرية المنقولة وغير المنقولة ذات القيمة التراثية والمعرفية العالية، لكنّه صار متحفاً للعاهات، أي مكاناً تخزن فيه البشاعة والزّيف وكل ما توحي به كلمة العاهات من أفكار عن ما يراد إخفاؤه خجلاً أو خوفاً. لذا فإنّ هذا التناقض هو سرّ المعنى وروح الحكاية...حكاية الإنسان حين غدا تمثالاً ودمية في متحف هو قلبه.

يمزج الكاتب بين الجدّة والأصالة في قصّته، ويستفيد من قدرته على التّخيّل وملامسته أحاسيسه المرهفة والعنيدة والغاضبة والحالمة والمريدة والسّاخطة، كي يخلط الجد بالهزل، والأنا بالآخر والصّنعة بالبساطة والكتابة بالهذيان، بأسلوب رشيق ولكنّه متين، يوحي بدماثة صاحبه كما يخبر عن تمكنه وغرائبيّة نهجه، بخاصة في استخدام المفردات وبعض التشبيهات.

ولا أراه قد استخدم الدّمية رمزاً لما يحثّ الإنسان على تقديره من طفولته أو حياته، أو حتى من أشياء يملكها أو يملكها غيره ويريد منه أن يقدّرها له ويشعر بقيمتها عند الآخر فيحيا مشاعره ويتفهّم حاجاته إلى الأمان والحبّ. ولا أظنّ أنّه يرمي بالدّمية إلى تلك الحرف المهملة في عالم اليوم، الحرف اليومية البسيطة والتي مع زوالها زالت بركة الأيام وغدا النّاس تماثيل لا مشاعر فيها. إنما تقف الدّمية رمزاً للأنا الهش والمعقد، الجميل والسّريع العطب، الأنا وقد خلقته بيدي فصار أكبر مني وكأنّه ماردي ويتحكم بي.

أنيس الرّافعي الباحث عن الحقيقة والعارف تماماً أنه يعرف مكانها، يلتقطها في صورة، كي لا تهرب، يوثّق بها اللحظة الرّاهنة لأيّام لا إطار لها فتعلّق، فيصبح سهلاً أن تداس وتمحا تفاصيلها، وسهلاً أن تنسى كأنّها لم تكن، أيام دائرة في فلك نفسه التائقة إلى الحرّيّة والعارفة قدرها برغم صعوبة الحياة التي تحياها في هذا العالم المتشظي، السالكة دروباً خفيّة فيها قد لا يلحظها أو يجرؤ على المساس بها غيره، لأنّها دروب غائرة في الذّات. والذّات كون شاسع وغامض ومخيف، بقدر ما فيها من جمال بقدر ما فيها من قبح، وبقدر ما فيها من إمكانات بقدر ما فيها من انسحاق، وبقدر ما فيها من تبصّر، فإنّ أي نأمة قد يودي بها ثقب أسود لا حياة عنده ولا موت.