قراءة في العلاقات السعودية – الإيرانية

شعرت السعودية بالعزلة عندما أرادت صوغ سياسة عسكرية في مواجهة إيران، لأن الخطط الدفاعية الإقليمية للولايات المتحدة لم تكن متوافقة مع الوقائع على الأرض.

كتاب "العلاقات السعودية – الإيرانية.. منذ بدايات القرن العشرين حتى اليوم" للباحثةبَنَفْشِه كي نوش
كتاب "العلاقات السعودية – الإيرانية.. منذ بدايات القرن العشرين حتى اليوم" للباحثةبَنَفْشِه كي نوش
الكتاب: العلاقات السعودية – الإيرانية منذ بدايات القرن العشرين حتى اليوم


الكاتبة: بَنَفْشِه كي نوش
 ترجمة ابتسام بن خضرا
الناشر: دار الساقي - بيروت - 2016 -
مراجعة: باسمة عيسى 

كتبت الباحثة الإيرانية بَنَفْشِه كي نوش دراسة معمقة للعلاقات السعودية – الإيرانية في أحد عشر فصلاً قدمت من خلالها نظرة تاريخية شاملة بدءاً من تأسيس العلاقات الدبلوماسية الأولى بين البلدين، مروراً بعهد التعاون والتنافس، وصولاً إلى النزاعات القائمة حالياً.

 

نظرة تاريخية شاملة في العلاقات بين السعودية وإيران

في كتابها المعنون "العلاقات السعودية – الإيرانية منذ بدايات القرن العشرين حتى اليوم"، عادت الباحثة إلى المرحلة التي سبقت الحرب العالمية الثانية، حيث كانت المبادلات التجارية بين البلدين محدودة، باستثناء ما يتعلق بتنظيم الحجّ في كل سنة، وكانت السعودية وإيران تعتمدان على الوجود البريطاني في الخليج لضمان الاستقرار على طول حدودهما. وفي أثناء الحرب الباردة، ازدادت واردات الأسلحة العسكرية الأميركية إلى البلدين، ومكنت هذه السياسة واشنطن من اتخاذ موقف لها في الخليج يجنبها المواجهة المباشرة مع الاتحاد السوفييتي في المنطقة.

وكان اقتصاد إيران الأكبر وجيشها الأفضل تدريباً بالمقارنة مع السعودية، وقربها من الاتحاد السوفييتي، أمور منحتها دوراً أساسياً في نجاح هذه السياسة. ولم تكن السعودية مرتاحة لهذا الدور الإيراني الجديد، واعتقدت أن عواطف تملق الولايات المتحدة الأميركية التي يبديها الشاه محمد رضا بهلوي هي التي مكنت إيران من أن تكون الشريك المفضل للولايات المتحدة برئاسة ريتشارد نيكسون، إلا أن الشاه كان يرفض تدخلها في الشؤون الإيرانية، وكانت واشنطن تدرك مخططه في تحرير الخليج من الوجود الأجنبي، فكانت تعتمد على السياسة الخارجية الحذرة للرياض تجاه القوى الكبرى للحد من طموح الشاه. وبفتح إيران أبوابها للنفوذ الروسي أضحت السعودية هي الحليف المفضل للولايات المتحدة.

سقطت السلالة الحاكمة البهلوية على يد الثورة الإسلامية في إيران عام 1979، وانهار عقب ذلك توازن القوى بين السعودية وإيران الذي ساعدت في بناءه سياسة "رُكنان صِنوان" الأميركية. وأكد زعيم الثورة، آية الله الخميني، أنه ينبغي تحرير المنطقة من النفوذ الغربي، ودعا إلى إسقاط حكّام العرب من حلفاء الولايات المتحدة.

وتستعرض الباحثة مرحلة غزو العراق لإيران في 22 أيلول سبتمبر 1980، ومن بعدها غزوه الكويت في 2 آب أغسطس 1990 بعد أكثر من سنة على وفاة الخميني.

 

آفاق العلاقات بين السعودية وإيران بعد صفقة إيران النووية

في تشرين الأول أكتوبر من عام 2015، أصدر وزير الخارجية السعودي الجديد، عادل الجبير، تصريحات شبه تصالحية تقترح إجراء محادثات مع إيران بعد إبرامها صفقة واعدة مع القوى العالمية لإنهاء أنشطتها النووية المثيرة للجدل في 14 تموز يوليو 2015. وعلى إثر ذلك، عرضت عُمان وباكستان وألمانيا، التوسط في المحادثات بين الرياض وطهران. إلا أن الكاتبة تزعم أن طهران لم تكن مستعدة للحديث مع الرياض عن طريق الوسطاء، ولم تقبل العرض إلا بعد أن ازداد توتر علاقتها مع الرياض.

ودعا وزير الخارجية الإيراني الجديد، محمد جواد ظريف، إلى إجراء محادثات مباشرة مع القادة السعوديين، وهي استراتيجية يمكنها أن تجعل المملكة تسلّم بأن إيران قوة إقليمية في المنطقة. لم تتقبل السعودية إجراء محادثات مباشرة يمكن أن تمنح طهران ما تحتاج إليه من رصيد سياسي لتغيير علاقتها مع العالم العربي.

وبعد إبرام الصفقة النووية، أصبح بمقدور طهران أن تشكك في سياسة المملكة في إدانتها نفوذ إيران في العالم العربي ما دامت تتباحث مع الرياض بصورة مباشرة. إلا أن إيران أصرت على قيام محادثات مباشرة مع السعودية لتظهر أيضاً عدم اكتراثها الذي كانت تعتقد أنه يمكن أن يعمل على تسكين العداء السعودي. وقد نجح عدم الاكتراث هذا إلى درجة ما في تلطيف الموقف السعودي الموالي للعراق أثناء حرب الثماني سنوات بين إيران والعراق، وتوصلت المملكة من جرّائه مع إيران للقبول بوقف إطلاق النار.

وفي آذار مارس 2016، اقترح رئيس الاستخبارات العامة السعودية السابق، الأمير تركي الفيصل، أن تتفاوض المملكة مباشرة مع إيران إن كانت قواتها ستغادر سوريا، ولكن طهران لم تلتفت إلى ذلك.

في أيلول سبتمبر 2015، عاد توتر العلاقات بين الرياض وطهران إلى الظهور بعد مقتل أكثر من 450 حاجاً إيرانياً في حادثة تدافع في مكة، بينهم السفير الإيراني السابق في لبنان غضنفر ركن أبادي.

وفي الثاني من كانون الثاني يناير 2016، أدى إعدام المعارض السعودي الشيخ نمر باقر النمر إلى تدهور العلاقات أكثر بين البلدين، وكان النمر قد أُعتقل في تموز يوليو 2012، لكن توقيت إعدامه بعد حادثة التدافع في مكة د أشعل الشارع الإيراني، وتحول تجمع المحتجين الإيرانيين أمام السفارة السعودية في طهران إلى أعمال عنف بعد إعدام النمر، فاقتحموا السفارة السعودية.

واشتد توتر العلاقات بين طهران والرياض بسبب النزاعات الإقليمية في العالم العربي، حيث صممت السعودية على رفض منح إيران القدرة على استغلال الفراغ في السلطة في سوريا والعراق واليمن، بحسب ما تقول الباحثة. ورفضت إيران مطالبات السعودية بأن عليها التوقف عن تدخلاتها في العالم العربي، واحتفظت بحقها في التأثير في أحداث المنطقة، كما احتفظت بدور لها في مناطق النزاع العربي لبناء تكافؤ استراتيجي مع الولايات المتحدة وحلفائها العرب، بغية ضمان القدرات الإيرانية الهجومية والدفاعية في المنطقة.

وبسبب رفض الرياض لهذه الاستراتيجية، نفذت السعودية مناورات "رعد الشمال"، وهي أكبر مناورات عسكرية حصلت في الشرق الأوسط على الإطلاق، مع 19 دولة أخرى شكلت معها ائتلافاً عسكرياً لمواجهة الأخطار الإقليمية المتعددة.

وفي سوريا، تعهد الأمين العام للمجلس الأعلى للأمن القومي في إيران علي شمخاني، بأن إيران ستستمر في تقديم دور الاستشارة العسكرية إلى دمشق. ومع ذلك، فقد خلّف ذلك انفراجاً مع السعودية، فضباط الحرس الثوري الإيراني قللوا من مستوى الوجود العسكري الإيراني في سورية. كما قلل وزير الخارجية الأميركي جون كيري من مستوى التدخل المسلح الإيراني في اليمن عندما أكد أن إيران بدأت بسحب قواتها المسلحة من سوريا في سياق محادثات السلام السورية الجارية، ولعل هذا كان يهدف إلى خفض التوترات بين السعودية و إيران بشأن سوريا.

إن تشكيل الائتلاف الذي تقوده السعودية في اليمن ويضم أكثر من عشرة بلدان عربية وإسلامية، بالإضافة إلى اقتراح إرسال قوات إلى سوريا وإنشاء ائتلاف جديد تقوده السعودية لقتال الإرهاب يضم أكثر من 30 بلداً عربياً وإسلامياً، ومناورات "رعد الشمال" العسكرية، كل ذلك يشير إلى رغبة السعودية في تحقيق توازن في علاقاتها تواجه به النفوذ الإيراني في المنطقة، كما يهدف إلى ترجيح كفتها على كفة إيران بسبب سعي إيران الدائب للوصول إلى السلطة والنفوذ في العالم العربي، تقول الكاتبة.

وتقدم الباحثة في سياق دراستها، عرضاً تاريخياً عن العلاقات بين السعودية وإيران في أوائل وأواسط وأواخر القرن العشرين.

 

العلاقات الدبلوماسية الأولى

قدمت الباحثة شرحاً موسعاً عن العلاقات الدبلوماسية الأولى بين البلدين منذ أن أسس رضا خان السلالة الحاكمة البهلوية في كانون الأول ديسمبر 1925، وأصبح يلقب باسم رضا شاه. حينها أرسل إليه الملك السعودي عبد العزيز بن سعود رسالة تهنئة، وتعهد له بحماية الحجيج الفارسي بعد فرض فارس حظراً لمدة ثلاث سنوات على الحج بسبب الحرب القبلية في الحجاز. إلا أن مشكلات عارضة سببت صدوعاً مؤقتاً في العلاقات بين طهران والحجاز، بعدما هاجمت قوات "الإخوان" الوهابية الشيعة أثناء احتفالهم بذكرى عاشوراء في مكة وهو ما جعل فارس تصدر إدانة شديدة اللهجة للوهابية عام 1926. توالت الأحداث بين مدٍ وجزرٍ بين البلدين، حتى عام 1948، عندما استأنفت إيران الحج إلى مكة والمدينة، وطلبت من المملكة توسيع علاقاتها التجارية معها كما فعلت مع تركيا.

وفي سنة 1968، زار مسؤولون سعوديون طهران في سعيٍ لتنظيم سلوك الحجاج الإيرانيين، بعدها أرسلت إيران فرقاً طبية ومستشفيات ميدانية عام 1970، لمساعدة الحكومة السعودية والحجاج الإيرانيين. تستعرض الكاتبة في هذا الجزء أيضاً، السياستين الخارجية السعودية والإيرانية في مرحلتي ما قبل وما بعد الحرب العالمية الثانية، لناحية التقارب بين واشنطن والسعودية وتدهور العلاقات على المقلب الأخر بين الإدارة الأميركية وطهران.

 

عهد التعاون والتنافس بين السعودية وإيران

في تشرين الثاني نوفمبر 1964، تولى الملك فيصل بن عبد العزيز الملك في السعودية، وزار إيران في جولته على الدول الإسلامية بعد عقده مؤتمرين للاتحاد الإسلامي في مكة في أيار مايو 1962 ونيسان أبريل 1965. وأدت مبادرته إلى تأسيس رابطة العالم الإسلامي ومنظمة المؤتمر الإسلامي. وشاركت إيران بفعالية في اجتماعات مؤتمري مكة، وأصبحت عضواً مؤسساً في رابطة العالم الإسلامي، وساعدت في تأسيس منظمة المؤتمر الإسلامي التي تغير اسمها عام 2011 لتصبح "منظمة التعاون الإسلامي" التي دشنها فيصل والشاه سنة 1969 في المغرب.

وفي سياق آخر، تستعرض الباحثة بعض الأحداث والمواقف التاريخية بدءاً من موقف الشاه المؤيد لإسرائيل، وإصرار السعودية على زعامة البلدان الإسلامية، وهما أمران كانت تعترض عليهما مصر في عهد الرئيس جمال عبد الناصر، فقد جعلا الأنظمة العربية الثورية تنظر إلى الشراكة الجديدة بين طهران والرياض نظرة ارتياب. وقد ارتفعت مكانة المملكة نتيجة دعوتها إلى الإسلام الشامل الذي يؤمن بالوحدة بين الجميع.

وفي حزيران يونيو 1967، شنّت إسرائيل عدوانها على مصر وسوريا واحتلت الضفة الغربية وقطاع غزة والقدس الشرقية وشبه جزيرة سيناء المصرية وهضبة الجولان السورية، وبدأ حظر النفط العربي على الغرب، القصير الأمد والعظيم الدلالة، بعد يوم واحد من اندلاع القتال واستمر حتى نهاية أيلول سبتمبر. وكان الملك فيصل في موقف هش أثناء الحرب، وشعر الشاه بأنه يمتلك من القوة ما يكفي لرفض الاشتراك  في الحظر، إلا أنه سمح للشركات الإيرانية بالتنصل من علاقاتها بشركات الأعمال الإسرائيلية بعد دعوة وزارة التجارة السعودية إلى فرض عقوبات اقتصادية على إسرائيل.

اغتيل الملك فيصل على يد أخيه غير الشقيق (فيصل بن مساعد) في 25 آذار مارس  1975، وأعلنت إيران الحداد مدة أسبوع، وفي 28 نيسان أبريل، قام الشاه بزيارة للملك خالد لتقديم العزاء، إلا أنه اتخذ قراراً بإنهاء عصر الوحدة الإسلامية بعد تصارع السعودية وإيران على أسعار النفط.

 

العلاقات بين السعودية وإيران بعد الثورة الإيرانية عام 1979

لقد كانت الجمهورية الإسلامية الإيرانية منذ بدايتها في ربيع 1979 بعد استفتاء شعبي عام، النقيض للحكم الملكي السعودي. فقد نادى الإمام الخميني بإطاحة الملكية السعودية، وكانت حجته في ذلك أنه ينبغي للمسلمين أن يتّحدوا في أمة واحدة لإدارة شؤون الأماكن المقدسة في مكة والمدينة. وتستعرض الباحثة في هذا الجزء الدور السعودي في الحرب بين إيران والعراق، ومرحلة حرب الخليج الثانية، وصولاً إلى انفراج العلاقات بين السعودية وإيران عام 1991، حينما استأنف البلدان علاقتهما الدبلوماسية، على الرغم من بعض التوتر الذي استمر نتيجة تفشي سوء الظن بصورة عامة، والقيود الاقتصادية التي فرضتها الرياض بعد حرب الخليج.

 

أثر النزاعات القائمة بين السعودية وإيران على الوضع العالمي

في هذا الجزء عناوين عريضة حول سعي السعودية وإيران إلى الاستقرار بعد هجمات 11 أيلول سبتمبر 2001 في الولايات المتحدة الأميركية. ومع انتشار مخاوف من اندلاع حرب إقليمية تلوح في الأفق، أدانت كل من السعودية وإيران هجمات 11 أيلول سبتمبر، لكنهما حذرتا واشنطن من عواقب القيام بعمل طائش. وقد دفع قرار الولايات المتحدة بغزو أفغانستان في 7 تشرين الأول أكتوبر 2001، كلا البلدين إلى التوافق مع واشنطن، حيث منحت الرياض واشنطن الإذن باستخدام منشآت القيادة العسكرية فيها، وقدمت مساعدات إنسانية ومالية للمساعدة على إعادة بناء أفغانستان، كما عرضت طهران مساعدة الطيارين الأميركيين المعرّضين للخطر في أفغانستان، وقدمت مساعدات إنسانية ودعماً مادياً، إلا أن واشنطن همشت البلدين لأنهما طرفان غير جديرين بالثقة في الشأن الأفغاني، بحسب تصورها.

 

الاندفاع في البرنامج النووي الإيراني والخيارات النووية عند السعودية

تستعرض الباحثة في هذا الجزء مرحلة غزو العراق عام 2003، والموقفين الإيراني والسعودي الشاجبين للغزو، في تلك الفترة كانت إيران تدرس البرنامج النووي لبلدها مع استمرار المفاوضات للتوصل إلى اتفاق طويل الأجل مع الدول العظمى مع رفضها المعلن الاستعانة بالسعودية. أما الأخيرة فقد كانت تتجنب رسم خطة دفاعية طويلة الأمد في مواجهة إيران النووية، نتيجة عدم انتشار الخوف بين أوساط السعوديين من أن تتسلح إيران بالأسلحة النووية.

في المقابل توسعت الاستراتيجية الدفاعية السعودية لتضم روسيا بصورة أكبر، التي أقبلت على مفاوضات بيع أسلحة للمملكة، كما توصلت الرياض إلى عقد صفقة أسلحة تقدر بعشرين مليار دولار مع الولايات المتحدة. إلا أن المملكة شعرت بالعزلة عندما أرادت صوغ سياسة عسكرية في مواجهة إيران، لأن الخطط الدفاعية الإقليمية للولايات المتحدة لم تكن متوافقة مع الوقائع على الأرض. وفي العام 2013 تدخل وزير الخارجية السعودي الأمير سعود الفيصل لدى الولايات المتحدة للتأكد من أن المحادثات مع إيران لن تطيح بالمصالح الأمنية السعودية، ولن تخفق في إيقاف البرنامج النووي السري المحتمل لإيران. كما دعت الرياض إلى إنشاء منطقة خالية من الأسلحة النووية في الشرق الأوسط، وهي الدعوة التي رددها الرئيس حسن روحاني في أيلول سبتمبر 2013 أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة.

وتجيب بَنَفْشِه كي نوش على سؤال هو: "كيف يصوغ الدين العلاقات بين السعودية وإيران؟"، وتقدم شرحاً مفصلاً كون إيران تمثل مركز العلوم الدينية الشيعية. أما السعودية فلها الوصاية على المدينتين الإسلاميتين المقدستين، مكة والمدينة.

وتختم الباحثة كتابها بالحديث عن السياسة الجغرافية للسعودية وإيران وتأخذ العراق نموذجاً، والسياسة الجغرافية للبلدين في بلاد الشام وتأخذ حالات لبنان وسوريا وفلسطين نموذجاً.