عن ظروف وملابسات هجرة يهود العراق إلى فلسطين

يلاحظ الكاتب عباس شبلاق أن يهود العراق كانوا أكثر اندماجاً في المجتمع من الجماعات اليهودية في المجتمعات المشرقية الأخرى، وقد أبدوا مقاومة لمحاولات اقتلاعهم من العراق، ولو أنهم لم يحققوا نجاحاً في ذلك.

كتاب "هجرة أو تهجير: ظروف وملابسات هجرة يهود العراق" للباحث عباس شبلاق

الكتاب: هجرة أو تهجير: ظروف وملابسات هجرة يهود العراق

الكاتب: عباس شبلاق

الناشر: مؤسسة الدراسات الفلسطينية، بيروت، 2015، 308 ص.

قراءة: عقيل سعيد محفوض

 

تشكو الدراسات حول إسرائيل في المنطقة العربية والشرق الأوسط من التركيز المفرط على الأسس والأصول اليهودية الأوروبية والغربية للحركة الصهيونية وكيفية اختلاق إسرائيل في المنطقة، وذلك على حساب فواعل أخرى تتمثل بالبيئة المحلية والإقليمية التي انطوت على قابلية نشطة أو بالأحرى عدم قدرة على احتواء المشروع الصهيوني.

ولم يتم التركيز كثيراً على طبيعة العلائق بين الحركة الصهيونية ويهود المشرق، وكيف تمكنت تلك الحركة من إقامة صلات وتفاعلات بينها وبينهم، أدى إلى تجميع الكثير منهم في إسرائيل، نتيجة إغوائهم بالهجرة أو دفعهم إليها دفعاً، بالترهيب وتحت ظروف أمنية ضاعطة، وذلك على الرغم من أنهم لم يكونوا جزءاً من المشرع الصهيوني، في بداياته التأسيسية على الأقل.

يحاول عباس شبلاق في كتابه "هجرة أو تهجير: ظروف وملابسات هجرة يهود العراق"، الصادر عن مؤسسة الدراسات الفلسطينية في بيروت، تناول إشكالية العلاقة بين إسرائيل ويهود الشرق، وعرض سردية تاريخية لأوضاع يهود العراق، بالتركيز على فترة ما بعد الحرب العالمية الأولى وصولاً إلى ما بعد الحرب العالمية الثانية، وتحولات العلاقة بين اليهود والدولة العراقية، وتأثير الاحتلال البريطاني، وأنماط التفاعلات بين اليهود ونخبهم الدهرية والدينية وبين النخب العراقية، والتنظيمات السياسية والمهنية التي انضووا تحتها.

ينطلق الكتاب من مقولة رئيسة وهي أن يهود العراق كانوا عرضة لمؤامرة مركبة، اشترك فيها فواعل عديدون، وأن الحركة الصهيونية لعبت على تناقضات العلاقة بين المجتمع والدولة في العراق، وتأثير التغلغل والاختراق البريطانيين، وعوامل المصلحة لدى سياسيين وجماعات مؤثرة في السياسة العامة، فهيأت الظروف لهجرة جماعية خلال فترة زمنية قصيرة.

يتألف الكتاب من مقدمة وخمسة فصول، يتناول الأول خلفية تاريخية حول يهود العراق، والتغيرات الديمغرافية، وأوضاع التعليم والاندماج الثقافي والدور التجاري والاقتصادي. وأما الفصل الثاني فيتناول الإرث الاستعماري وتداعياته على يهود العراق، مركزاً على تأثير الاحتلال البريطاني في التفاعلات والعلائق بين اليهود وبنى المجتمع والدولة في العراق، ويرصد بدايات نشاط الحركة الصهيونية هناك.

يركز الفصل الثالث على "تهيئة المشهد للهجرة والتمسك بالبقاء"، عارضاً طبيعة النشاط السياسي ليهود العراق، وتداعيات قيام إسرائيل على الوضع السياسي هناك، وطبيعة النشاطات الصهيونية المهيئة أو الدافعة لهجرة اليهود إلى فلسطين المحتلة. وأما الفصل الربع فيتناول حيثيات قانون إسقاط الجنسية عن يهود العراق، والمشروع البريطاني لاستبدال اللاجئين الفلسطينيين بيهود العراق.

يعرض الفصل الخامس لعوامل الهجرة، عوامل الدفع الكامنة للهجرة من العراق، ودوافع الهجرة وعدمها قبل قيام إسرائيل وبعده، وصفقات التسفير، والاعتداءات على اليهود من اجل رفع وتيرة الهجرة.

يركز الكتاب على تغير الوزن النسبي لليهود في عالم التجارة والمال والأعمال، وقطاع الثقافة، وكيف أنهم أصبحوا فاعلاً سياسياً في إطار اليسار العراقي، وكيف أنهم نشطوا في إطار لعبة مكافحة الصهيونية، ما يشير إلى تجاذبات ومنافسات بين اليسار من جهة وبين الحركة الصهيونية من جهة أخرى، وأن مؤسسات الدولة في العراق مالت تدريجياً وموضوعياً، وبتأثير عوامل تغلغل واختراق عديدة، لممارسات قصدية استجابت في نهاية المطاف لإرادة الحركة الصهيونية.

وقد تدهور وضع اليهود بعد إقامة إسرائيل، وأصدرت الحكومة العراقية قوانين تمنع سفرهم وتحد من قدرتهم على التصرف بأموالهم، ومنعتهم من سلك الجيش والشرطة وغيرها، ما زاد في مدارك التهديد والحصار لديهم، وقد تمكنت الحركة الصهيونية من استغلال تلك التطورات، لدفعهم إلى الهجرة بشكل جماعي إلى فلسطين المحتلة في العام 1950-1951.

يلاحظ الكتاب أن يهود العراق كانوا أكثر اندماجاً في المجتمع من الجماعات اليهودية في المجتمعات المشرقية الأخرى، وقد أبدوا مقاومة لمحاولات اقتلاعهم من العراق، ولو أنهم لم يحققوا نجاحاً في ذلك، وخاصة أن سردية الهجرة والتهجير كانت ترتكز على ديناميات مركبة، تمثلت ببروز بيئة اجتماعية أكتر توتراً، وفواعل سياسية متوجسة من التأثير اليهودي في عالم السياسة، بل وتحت تأثير مدارك المؤامرة، وخاصة بعد نشوء إسرائيل، وبنى دولتية مخترقة وتحت تأثير فواعل بريطانية وأمريكية. ولا ننسى أن الحكومية البريطانية كانت قد اقترحت في العام 1949 على العراق مشروعاً لتبادل السكان بين يهود العراق واللاجئين، بحيث ينتقل أو يهجر يهود العراق إلى فلسطين المحتلة ويحل محلهم فلسطينيون. (ص 104، 152).

مقابل ذلك كانت بيئة جذب نشطة للهجرة إلى فلسطين المحتلة/إسرائيل، وكان لنشاط الحركة الصهيونية تأثير كبير في بيئة أمنية تزداد فيها عوامل التهديد واللا يقين.

وينقل الكتاب عن أحد أعيان اليهود وهو عزرا مناحم دانيال انتقادات حادة للقوانين التي سنّتها الحكومة العراقية التي تفرض قيوداً على يهود العراق. وقد اعتبر دانيال أن السؤال الذي يجب أن يطرح هو: "ما الذي يمكن القيام به لطمأنة اليهود الذين لا يرغبون في ترك وطنهم بصورة نهائية، وهم المواطنون المخلصون لوطنهم بكل معنى الكلمة، ويحترمون قوانينه؟" وتساءل عن الحكمة في إصدار قوانين تفرض قيوداً استثنائية على اليهود العراقيين، وأضاف: أليس من واجب الحكومة أن تلغي تلك القواني، "كي تعيد إلى اليهود العراقيين شعورهم بالإطمئنان والثقة والاستقرار؟ لقد عاش اليهود في العراق منذ 3500 سمة، لذلك هم لا يرغبون في الهجرة إلا إذا فُرِضت عليهم فرضاً". (ص 143-144).

استند الكتاب إلى وثائق بريطانية وعراقية وإسرائيلية عديدة، وقدم معطيات إحصائية وأرقاماً تساعد في إيضاح ما حاول الكاتب الإضاءة عليه، وخاصة أن الدراسات الجادة في هذا الباب لا تزال قليلة، كما أنه اعتمد على مقابلات ومذكرات باحثين من يهود العراق وغيرهم.

انطلق الكتاب من مقولة أساسية أراد الكاتب أن تكون تفسيرية، وهي أن الطوائف اليهودية في الشرق كانت "متجذرة في المجتمعات العربية والإسلامية التي تعيش فيها"، وأن يهود العراق كانوا أكثر اندماجاً وتجذراً من غيرهم. وهذا أمر يتطلب المزيد من التدقيق والتقصي، ذلك أن السوسيولوجي والمعيوش والذاكرة الجمعية والتراث الشفاهي، بالإضافة إلى السهولة النسبية لهجرة أو تهجير اليهود الخ هي عوامل تعزز الاتجاه لاستخلاصات معاكسة، وهي أن الاندماج لم يكن في أفضل حال.

وهكذا فقد تعرض يهود العراق لعملية تهجير سريعة وخاطفة، ولم يكن ذلك بفعل نشاط الحركة الصهيونية ولا براعتها، وإنما بفعل نظم قيم وإيديولوجيات متوترة، وبنى دولتية هشة ومخترقة، وفساد مقيم لدى جانب من النخب والفواعل السياسية الحاكمة. ولعل هذا من أهم النقاط التي حاول الكتاب الإضاءة عليها، بقدر كبير من الموضوعية، وقدر أقل من الأدلجة. وهو في الوقت الذي يضيء فيه على قضية شائكة وملغزة، فإنه يمثل دعوة لتناول موضوع اليهود في مجتمعات وبلدان المشرق الأخرى وموقفهم من الحركة الصهيونية وإسرائيل.