"صحراء" علي شريعتي بين الحب والعشق

الحب يغرق في الروح غرقاً ويهيم في جمالها وينجذب إليها بحيث يرى الجمال الحسي بصورة أخرى. يقول شوبنهاور: "أضف عشرين سنة على عمر معشوقك ثم شاهد أثره المباشر على أحاسيسك".

كتاب "الصحراء" للمفكر الإيراني علي شريعتي

 يتأرجح المفكّر الإسلامي والمنظّر للثورة الإسلامية في إيران، علي شريعتي، في مؤلَّفه "الصحراء"؛ بين طواحين الغريزة العاشقة ووجدان الحبّ السامي، وبين رسوخ الهوية القومية وسموّ المعتقد الإيماني، وبين عـبثية الوجود والبحث عن معنى الحقيقة، وبين الولوج في كـنه العدم وفلسفة الحضور الغائب!...

كتابٌ يقول شيئًا آخر عـن شريعتي، غير ما بدا في سطور كتاباته السياسية-الاجتماعية التي عُرِف بها في ساحات المعترك الفكريّ، بين طالبي المعرفة والثقافة. يفيض كتابُ "الصحراء" بمصطلحات تـنمّ عن سعة اطّلاع شريعتي على سائر الاعتقادات والمذاهب الفكرية بين الشرق والغرب، وأطوارها ودلالاتها الوجودية.    

 

فضيلة الحـبّ على العشق

الحب أسمى من العشق. فإن العشق هو غليان ضرير وارتباط منشأه العمى. أما الحب فإنه ارتباط واعٍ وعن بصيرة وضاحة زلال. إنّ العشق غالباً ما ينبع من الغريزة وكل ما ينبثق من الغريزة فلا قيمة له. إلا أن الحب يشرق من الروح وحيثما ترتفع الروح سموّا يُحلّق معها.

يتجلى العشق غالباً في قلوب وفي أشكال وفي ألوان مشابهة، وله صفات وحالات ومظاهر مشتركة. لكن الحب يتمظهر في كل روح بصورة خاصة ويصطبغ بلونها؛ لأن الأرواح على خلاف الغرائز، لكل منها لون وارتفاع وبعد وطعم وعطر خاص بها، ويمكن القول إن هناك حباً معيّناً خاصاً بكل روح.

علاقة العشق بهوية الأحوال المدنية وبتاريخ تولّد الشخص ليست علاقة بعيدة، وإن مضي الفصول والسنين تؤثر فيه، ولكن الحب يعيش بعيداً عن العمر والزمان والمزاج، ولا تمتد إلى عشه العالي يدُ الأيام والدهور...

إن العشق مهما كان لونه وفي كل الأحوال له علاقة مع جمال حسّي سواء في السر أم في العلن. فكما يقول شوبنهاور: "أضف عشرين سنة على عمر معشوقك ثم شاهد أثره المباشر على أحاسيسك". ولكن الحب يغرق في الروح غرقاً ويهيم في جمالها وينجذب إليها بحيث يرى الجمال الحسي بصورة أخرى.

العشق كالعاصفة، هائج متقلب حيّال، ولكن الحب هادئ وثابت وقـرّ. العشق يتراوح بين البعد والقرب، فإنه يضعف إذا طالت مدة البعد. وإذا استمرّ اللقاء والقرب يصبح مبتذلاً ولا يستمر ولا يبقى قوياً إلا بالقلق والتمني والاضطراب "واللقاء والحذر"، ولكن الحب غريب على مثل هذه الأمور، فإن عالمه عالم آخر.

العشق هو غليان أحادي الجانب. لا يفكر بمن هو المعشوق؟ إنه فوران ذاتي، ولذلك يخطئ دوماً ويزل بشدة في الاختيار أو يبقى أحادي الجانب دوماً أو في بعض الأحيان تجدح شرارة العشق بين غريبين. ولأن كلاً منهما لا يرى الآخر بسبب الظلام يكون ضوء تلك الصاعقة سبباً في رؤية بعضهما البعض. هنا، بعد ضوء شرارة العشق، وبعد أن ينظر كل من العاشق والمعشوق في وجه الآخر، يشعران بأنهما لا يعرفان بعضهما البعض، فالغربة بعد العشق كثيرة وليست بمعاناة صغيرة.

أما الحب فإنه يتجذر في الضوء ويخضرّ في النور وينبت، ولذلك فإنه يقع دوماً بعد التعرف. ففي الحقيقة هناك روحان يقرآن في البداية ملامح الألفة في وجه ونظرات بعضهما البعض، وبعد "التعرف" يصبحان صديقين حميمين. هما روحان وليس شخصين، فالشخصان يمكن أن يشعرا بالألفة والمحبة برغم وجود بعض الخجل بينهما. مثل هذه الحالة وقتية دوماً وتزول بسهولة تحت أيدي الأحاسيس والشعور ويحل محلها الإحساس بالقرابة ورائحة القرابة ودفء القرابة، متبلوراً كل ذلك في الحديث والأفعال ونبرة الكلام بين الطرفين؛ وابتداء من هذا المنزل يرى المسافران فجأة أنهما قد وصلا إلى فسحة قفار المجبة الشاسعة وقد خيّمت عليهما سماء الحب الصافي الخالي من السحاب وتتجلّى أمامهما آفاق "الإيمان" الوضاحة النقية المألوفة، وينقل إليهما نسيم لطيف، لحظة بلحظة، رسائل جديدة من السموات الأخرى والأرضين الأخرى، وعبق الزهور المترعة بالأسرار والمفعمة بالحياة، والمتفتحة في الحدائق الأخرى، ويلامس وجهيهما بحب وتدلل حلو وحنون. فهذا النسيم هو كروح ثاوية في دير متروك، قد هوى على الثرى في محرابه الخفي خيال راهب عظيم يهز بتراتيله المتألمة منارة الدير الوحيدة الغريبة. العشق ضرب من الجنوب وليس الجنون إلا الخراب ومحنة "الفهم" و"التفكير". أما الحب في أوج معراجه فيتعدى حدود العقل ويأخذ بالفهم والتفكير من على الأرض إلى قمة الإشراق الشاهقة.

يخلق العشق في المعشوق الجمال الذي يتمناه العاشق ويرى الحب ويجد في المحبوب الجمال الذي يتمناه المحبّ. إن العشق خدعة كبيرة قوية، والحب صداقة حقيقية حميمة مطلقة لا نهاية لها. العشق هو الغرق في البحر والحب هو السباحة فيه. العشق يسلب البصر والحب يمكّنه. والعشق خشن شديد وفي الوقت نفسه غير مستقر ولا يمكن الاعتماد عليه. أما الحب فهو لطيف ليّن وفي الوقت نفسه ثابت مفعم بالاطمئنان، العشق ملوّث بالشكّ دومًا والحب كله يقين ولا يدخله الشك. كلما نكثر من شرب العشق نرتوي أكثر، أما الحب فكلما نكثر من شربه نعطش أكثر، وكلما استمر العشق أكثر يبلى أكثر، ولكن كلما استمر الحب يتجدد أكثر فأكثر. العشق طاقة في العاشق، تجذبه نحو المعشوق، والحب جاذبة في المحب تقرّب بين المحبين. العشق هو تملك المعشوق والحب هو ميل للفناء في الحبيب.

يريد العشق أن يكون المعشوق مجهولاً كيف ينحصر به، لأن العشق هو مظهر من مظاهر أنانية روح الإنسان المتاجرة أو الحيوانية. ولأنه يعلم سوء نفسه لذا ينفر من الآخر ويحقد عليه لما يرى فيه هذا السوء. أما الحب فيريد أن يكون الحبيب عزيزاً ويريد أن يكون في كل القلوب ما يحمله هو عن الحبيب. فالحب مظهر من مظاهر  الروح الإلهية والفطرة الربانية في روح الإنسان، ولأن المحب بصير بهذه القداسة الملكوتية، لذا يحب الآخر الذي يملك هذه الصفات، إذ يجده مألوفاً وقريباً عليه وقريناً له.

المنافس في العشق منفور، أما في الحب فإن أحباب الحبيب هم أغلى من النفس. الغيرة من علامات العشق، لأنه يرى المعشوق صيداً له ويخشى دوماً أن يخطفه أحدهم من بين يديه، وإذا تم خطفه يعادي الخاطف والمعشوق معاً، ويصبح الأخير منفوراً. غير أن الحب إيمان، إيمان مطلق لروح مطلقة، خلود بلا حدود... إنه ليس من سنخ هذا العالم.

العشق هو أغلال الطبيعة، تأسر بها الجاحدين كي تسترجع منهم ما أخذوه منها ولتفرض عليهم بخدعة العشق، ترك ما سلبه الموت؛ فالعشق يجازى بالموت. أما الحب فإنه عشق يخلقه الإنسان بعيداً عن أنظار الطبيعة ويهتم به بنفسه و"يختاره". العشق هو أسر في الغريزة، والحب تحرر في جبر المزاج. العشق هو مأمور على الجسد، والحب رسول الروح. العشق هو "إغفال" كبير كي ينشغل الإنسان بالحياة وكي يندمج بدوامتها، هذه الدوامة التي تحبها الطبيعة حباً جماً. أما الحب فهو وليد الخوف من الغربة ووعي الإنسان المهول في سوق الغربة القبيح العابث.

العشق هو لذة البحث، والحب هو لذة الإيواء. العشق هو طعام الجائع، والحب هو مصادفة من يفهم لغتك في بلد غريب.

 

 

عبثـية وجدانية وجودية

في هذا الفصل يخاطب شريعتي الشاعر الروماني الإيطالي فيرْجيل (70 – 19 ق.م)، أشهر شعراء روما القديمة، وواحد من الشعراء البارزين في الأدب العالمي. وتعد ملحمة روما الوطنية الإنيادة أشهر أعماله.

يقول شريعتي: إنني الآن في نهاية البرزخ، فيرجيل! الشكر لك، فقد أخذت بيدي، أنا الذي كنت شاباً يافعاً عاجزاً، أخذتني بيديك المسنتين الكبيرتين القويتين وأوصلتني إلى هنا. ما يقارب عشرين عاماً ولم تتركني للحظة، فقد قدتني وسرت معي في كل خطوة، وكنت دليلي وعيني طوال هذه الطريق، وبفضلك عبرت بسلام على النيران المهيبة والبراكين المرعبة والجلادين القساة والمرتفعات القاتلة والهواء الملتهب والأرض المنصهرة والبحار المتجمّدة وآبار الويل، لقد عبرتَ بي جسر الـ"تشينوت"، الذي هو أحدّ من السيف وأدقّ من خلص الشعر والذي يمتدّ على وديان مشتعلة بنيران براكين ترعد وتفور من غضب إلهي مهول، قد طويت الجحيم ماسكاً بين يديك، خرجت منها منتصراً غارقاً في فرحة النجاح وكالأبطال الكبار لما يعودون من ساحة وغى دامٍ مهول.

لم تنفكّ يدي بيد فيرجيل، ولم تبرح قدمي تخطو خلف أقدامه، إذ كنا نسير معاً. وعلى هذا المنوال عبرتُ البرزخ كلّه بعد عبوري من الجحيم، يداً بيد فيرجيل وخطوة على خطوته. والآن وصلت إلى سفح جبل شاهق، قد اختفت قمته خلف السحاب وكأنه قد اتصل بالسماء. لا أدري إلى أين يؤدي، ولا أدري كيف يكون الأمر بعده وماذا سيكون وماذا سيحدث.

فيرجيل! لمَ أنت ساكت؟ لمَ يئست؟... لماذا وقفت بعيداً؟ لماذا تنظر إلى الجبل بعينيك المرتعبتين؟ فيرجيل! لماذا تبكي؟ لماذا أراك مذعوراً؟ ألم تكن أكبر شاعر قدير في إيطاليا؟ ألم تكن العقل الكبير اللامع في العالم اللاتيني؟ ألم تكن رمزاً لنبوغ أفكار القرون الماضية الذهبية في الغرب؟ فيرجيل! لماذا لم تقل شيئاً؟

أتتركني عند سفح هذا الجبل وفي بداية هذه الطريق؟ كيف لي أن أذهب من دونك؟

هل إن الطرق أمامنا أصعب من طرق الجحيم؟ هل إن الصحاري والجبال والبحار التي أمامنا ستكون أكثر هولاً؟ هل إن هذه الطريق أدقّ وأحدّ وأخطر من جسر تشينوت؟ كيف يكون ذلك؟ الم تقل إننا بعد الجحيم سنصل إلى الجنة؟ ألم تكن الجنة خلف هذا الجبل؟ ألم تكن هذه طريق الجنة؟

فيرجيل! هل إنّ طريق الجنة أصعب وأهوَل وأخطر من طريق الجحيم؟ كيف يكون ذلك؟

فيرجيل! لا تتركني وحيداً...

وما هي إلا ساعات حتى رأيته ظلاً مبهماً في أقصى نقاط الصحراء وبقرب الأفق، وبعد ذلك لم يكن شيئاً...

وبقيت وحيداً... بقيت أنا وصحراء البرزخ الخالية الصامتة الباهتة وأمامي القامة الطويلة المدهشة لهذا الجبل والرغبة الخطيرة للولوج في طريقه المتعرجة المجهولة.

كأن العالم انتهى. والجميع رحلوا... وعلى الرغم من ذلك، ظهر على الأرض فجأة وعلى مقربو من الجبل، ظل فيه حركة. تبِعت ذلك الظل. سمعتُ صوت خطوات، من الجبل! رأيت فجأة شبح إنسان ينحدر من الجبل، وبكل ارتياح وتسلط وهدوء. نعم، كانت بياتريس التي سبق أن رأيتها هنا، يداً بيد دانتي. وقد رأيتها كيف نزلت ببساطة وهدوء، لقد وضعت يدي بيد بياتريس وجرّتني بخفة ظلها إلى الأعلى. وصلنا فجأة إلى الأعالي...

كأن الحياة عادت إلى الوجود، وهبّ نسيم الربيع، وانتشرت العطور من كل حدب وصوب، وتفجرت الأنهار مسرعة نشطة وبعجيج عارم طوينا القفار نحو البحار. نهضت الطيور السكرى وسبحت الأسماك البهيجة. كانت الحياة في بدايتها. وقفت للحظة، وصرت أتمعّن في الوجود، يدي بيدها، شاعراً في أعماق روحي بلذة معجزة نجاتي في أعماق روحي. بعد ذلك، توجّهنا نحو الاتجاه الآخر ونزلنا من الجبل كخفة فراشتين...

وقد ظهرت الجنة أمامي... لقد كنت أشبه بمسافر قضى عمره بالسير في صحاري الجحيم الحارقة، وطوى قفار البرزخ الميتة واليوم يرى نفسه على أعتاب جنان الله.

كان قلبي متلهفاً للوصول إلى كل ما ينتظرنا، إلى حوض الكوثر وظل شجرة طوبى وأنهار اللبن والعسل والقصور الفاخرة التي تجري من تحتها الأنهار.

لحظة بلحظة... صرت أرتفع عن الأرض وأحلّق شوقاً فوق أشجار الجنة، وطرقها وأزقتها وحدائقها. رأيت قصراً كبيراً من الذهب على سفح جبل من الفضة. حططتُ كالحمام على سطح قصري. ثم نزلت على إيوان القصر ثم على ضفاف نهر كبير زلال يجري من تحت القصر.

لأول مرة شاهدت "صورتي" في قلب النهر النقي الصادق الحقّ. ولكن؛ أين صورة بياتريس؟ لقد اختفت بياتريس!

نظرت إلى صورتي التي كانت تتطهر أمامي في نهر زلال نقيّ. أمعنت النظر فرأيت صورة مبهمة مرتعشة في عمق الماء تقترب مني وتتكشف ملامحها شيئاً فشيئاً. رفع رأسه من الماء وسار على سطح الماء نحوي كالبجع. كانت على شفاهه ابتسامه محببة، وفي لحظة سحرية، لما مدّ لي يديه الجميلتين كالسائل، وخرج من الماء رأيته: إنه... فيرجيل.

فجأة فُتحتْ بئـرٌ فاهاً تحت قدمَي! سقطتُ. كانت بئر "الويل". ويل! ظهرت فجأة نافذة في الأسفل، نافذة في سقف سماء هذه الدنيا.

مرّت لحظة ولحظات. سقطت على الأرض. نظرت من حولي: الصحراء مرة أخرى! خاوية مرعبة من دون أي أحد! وأنا طير جريح في قلب الصحراء المنصهر!... وعلمت أنّ "فيرجيل" قد مات، وأنّ البحر لم يفكّ "بياتريسي"، وصارت أمامي الطريق الوحيدة التي توصلني إلى مدينة العَبَث.

 

النوروز.. وصل التاريخ بالتاريخ

يصعب على المرء أن يأتي بكلام جديد عن النوروز. إن النوروز هو عيد قومي. فهل توجد حاجة للتكرار؟ أجل، توجد حاجة لذلك، فاستمعوا إلى الحديث المكرر عن النوروز. التكرار في العلم والأدب يكون مملاً وعبثاً. "العقل" لا يحبّذ التكرار، ولكن الإحساس يحبّه، والطبيعة تحبّ التكرار، والمجتمع في حاجة إلى التكرار. لقد خُلِقت الطبيعة من التكرار، والمجتمع يقوى بالتكرار، وإن الإحساس ينمو بالتكرار، وإنّ النوروز حكاية جميلة، يسهم فيها كل من الطبيعة والإحساس والمجتمع.

النوروز منذ قرون طويلة لم يكن اتفاقاً اجتماعياً مصطنعاً، إنه ليس عيداً سياسياً مفروضاً. إنه عيد العالَم ويوم بهجة الأرض والسماء والشمس وتفتّح الزهور وثورة الولادات، والمفعم بهيجان كل بداية.

النوروز يأخذ بيد الناس ويخرجهم من تحت السقوف ومن خلف الأبواب المغلقة ومن الأجواء الخانقة ومن بين الجدران الطويلة القريبة من المدن والبيوت، وينقلهم إلى أحضان الطبيعة الشاسعة الدافئة بالربيع، المضيئة بالشمس، الخاشعة من هيجان الخليقة والخلق، الجميلة بفنّ الريح والمطر، المزيّنة بالبراعم والزهور والخمائل، والمعطرة بعبق المطر والنعناع البري ورائحة الطين والأغصان المنكسرة الندية النقية.

عيد النوروز هو تجديد لذكرى عظيمة، ذكرى تصاهر الإنسان مع الطبيعة. وفي كل سنة، هذا الإبن ذو الذاكرة الضعيفة المنشغل بأعماله المصطنعة المعقدة الذي قد نسي أمه الطبيعة، يعود إلى أحضانها بتذكر من النوروز، ويحتفل معه بهذه العودة وبهذا التجديد واللقاء. الإبن يجد نفسه في أحضان الأم، والأم إلى جانب إبنها يتفتح وجهها فرحاً، وتسكب دموع الشوق وتصيح بهجة وتعود شابة، وتمنح حياة جديدة وتعود بصيرة يقظة بلقاء يوسفها.

إن حضارتنا المصطنعة، كلما تصير أكثر تعقيداً وثقلاً، تجعل الحاجة إلى العودة والتعرّف إلى الطبيعة أكثر إلحاحاً، ولذلك فإن النوروز على خلاف السنن التي تمسي كهلة منهَكة، وفي بعض الأحيان تصبح من دون جدوى، يتجه نحو القوة والنشاط. وبرغم كل الأحوال فإن له مستقبلاً نضراً لامعاً؛ فعيد النوروز هو الطريق الثالث الذي ينشر السلام في حرب ضروس التي نشبت منذ أمد بعيد بين "لاوتزه" و"كونفوشيوس" واستمرت حتى زمن روسّو وفولتير.

إن النوروز ليس فرصة للنزهة والسياحة فحسب، بل هو حاجة ملّحة للمجتمع وأساس حياتي للشعب. في العالم الذي قد بُني على التغيير والتحوّل والتشتت والزوال والتبعثر والفقدان، المكان الوحيد الذي يوجد فيه الثبات ولا يتغير مطلقاً هو التغيير واللاثبات نفسه. يا ترى، من يستطيع أن يصون شعباً أو مجتمعاً من عربة الزمان المهلكة التي تدهس على كل شيء وتهدم كل الأسس وتبعثـر كل الثوابت؟

لا يوجد شعب قد تكوّن بجيل أو جيلين. إن الشعب هو مجموعة متعاقبة من أجيال متوالية، إلا أن الزمان، هذه الشفرة القاسية، يقطع التواصل بين الشعوب. إنّ في ما بيننا وبين أسلافنا – هؤلاء الذين بنوا روح مجتمعنا وشعبنا – قد حفر وادي التاريخ المهول. إنّ القرون الخاوية قد فصلتنا عنهم، وإنّ السّنن فقط يمكنها أن تجاوز بنا هذا الوادي المهول، بعيداً عن أنظار جلّاد الزمان، وتعرفنا على أسلافنا وماضينا. ففي الوجه المقدّس لهذه السنن يمكننا أن نشعر بحضورهم في زماننا وإلى جانبنا، وفي أنفسنا نفسها، نرى حضور أنفسنا بين هؤلاء، وإن عيد النوروز هو من أقوى هذه السنن وأجملها.

إن النوروز عزيز جليل في كل وقت، عند المجوس والكهنة، عند المسلمين عامة وعند الشيعة خاصة. إن هؤلاء كلهم اعتزّوا بالنوروز وتحدثوا عنه بلغتهم. حتى الفلاسفة والعلماء تحدثوا عنه وقالوا: إن النوروز هو أول يوم من أيام الخليقة.

يا لها من أسطورة جميلة، أجمل ما في الواقع! ألم يشعر المرء بأن أول أيام الربيع كأنه أول يوم من أيام الخلق؟ فإذا كان الله قد ابتدع العالم وابتدأه في أحد الأيام فلا ريب في أن ذلك اليوم هو النوروز. لا شكّ في أن الربيع هو أول الفصول وأن النوروز هو أول أيام الخلق. إن الله سبحانه لم يبدأ العالم والطبيعة بالخريف ولا بالشتاء ولا بالصيف. لا شك في أن النباتات قد أينعت والأنهار قد نفجرت والبراعم قد تفتحت في أول أيام الربيع، أي في النوروز.

لا شك في أن الروح قد ولِدت في هذا الفصل، والعشق قد انبثق في هذا اليوم، وإنّ أول إشراقة للشمس قد كانت في أول أيام النوروز، وقد ابتدأ معها الزمان.

إن الإسلام الذي أزال القومية بكل أنواعها وغيّر في السنن، قد أعطى للنوروز رونقاً أكثر من قبل، إذ أصّله ودعمه وصانه من خطر الزوال في حقبة إسلام الإيرانيين. إنّ اختيار الإمام عليّ للخلافة وتنثيبه للوصاية في يوم غدير خُم، قد حدث في مثل هذا اليوم، ويا لها من صدفة مدهشة!

إنّ إخلاص الإيرانيين وإيمانهم بعليّ وبحكومته وحبّهم له ولحكومته أصبح دعامة للنوروز. إنّ النوروز الذي عاش في روح الشعب، أضفي عليه الآن روح المذهب كذلك. لقد امتزجت السنة الشعبية والعرقية بالإيمان المذهبيّ وبالعشق القوي الجديد الذي ولد في قلب شعب هذه الأرض وقد تحكّ هذا المزج وتقدّس إلى أن أصبح النوروز في أيام الحُكم الصفوي شعاراً رسمياً شيعياً مليئاً بالخلوص والإيمان، ومصاحباً للأدعية والأوراد الخاصة الخاصة به؛ حتى إن الملك الصفوي حين صادف عيد النوروز مع يوم عاشوراء في إحدى السنوات، أعلن في حينها حداداً بيوم عاشوراء، وأعلن في اليوم التالي احتفالاً بالنوروز.

إن أعظم مهمة أدّاها النوروز على مدى التاريخ هي خلق حلقة وصل بين الأجيال المتعاقبة لهذا الشعب الجالس على مفترق طريق حوادث التاريخ، الذي قطعت أوصاله شفرة الجلّادين والغزاة والمستعمِرين.

في أولى لحظات الخلق، أول أيام الخليقة، نطوي في أعماق وجداننا، وببسالة الخيّال، الصحاري السود المهلكة للقرون الخاوية. ونشارك في كل عيد النوروز أقيم تحت هذه السماء الصافية وتحت هذه الأرض الوضاحة، مع كل النساء والرجال الذين تجري دماؤهم في عروقنا، وتنبض أرواحهم في قلوبنا، وبهذا نخلّد وجودَنا كشعب أمام عواصف الأيام ورياحها العاتية وضجيج الانقطاعات والتقلّبات. نعاهدهم بأننا "لا نموت أبداً" وأنْ "ننقش على صحيفة العالم" صمودنا الصادق باسم شعب قد صمد على عمود "أصالته" على مر التاريخ.

 

كلمة الوجود.. ووجود العدم!

لقد كان الله واحداً ولم يكن أي شيء سواه، كيف يكون الوجود مع اللاوجود؟.. وقد كان الله ومعه، العدم. ولم تكن للعدم أُذُن. هناك أقوال كي تقال. وإذا لم توجد أُذُن لتسمعها، لا نقولها. وهناك أقوال كي "لا تقال".. أقوال لا ترضخ مطلقاً لابتذال التفوّه.. الأقوال المبهرة الجميلة الإلهية هي من هذا القبيل. والزاد الأخروي لكل امرئ هو بقدر كلامه الذي بحوزته، ولكن يقوله. أقوال ولى ومنهَكة، تكون كألسنة النار الهائجة وألفاظها، كل منها قد كبّلت في طياتها انفجاراً.. ألفاظ هي بضعة من "وجود" المرء... ألفاظ تبحث دوماً عن "مخاطَبها"، فإذا وجدته، وجِدت... وتهدأ في صميم وجدانه. وإذا لم تجد مخاطَبها، لا توجَد، وإذا فقدته، تضرم النار في داخل الروح، وتشعل بين الفينة والأخرى نيران العذاب المهولة..

وكانت للرب أقوال كثيرة لا تقال، تموج في شساعة جبروت ذاته، ليتبلور فضله العميم.. إذن؛ أنى للعدم أن يكون مخاطَبه؟.. لكل كائن فقيد. وكان للربّ فقيد.. كل كائن ثنائي، والرب واحد. كل امرئ "موجود" بقدر ما يُشعر به، وكل امرئ لا يُشعر به في الصورة التي هو "موجود" عليها.. بل هو موجود كما يُشعر به.. الإنسان عبارة عن لفظة تجري على اللسان المألوف، ويستمع إلى وجود نفسه من لسان الأنيس. كل امرئ كلمة تخشى من العقم، وتشرب الدم في خفقان الجنين.. والكلمة هي المسيح...

لمّا تمثّل روح القدُس – ملاك الحب – بشرًا سويًّا لمريم الوحيدة العذراء، وفتح منفاها العديم بذكـر مألوف ليملأ خواء رحمها المعصوم من "حضوره".. عندها رأت المسيحَ هناك يتوق للإيجاد، وينتظر ذلك ولهًا، إذ عرفته وشعرت به، وبهذا ولِد المسيح ووجِدت الكلمة، وتمظهرتْ في الأفهام.

فالكلمة، في العالم الذي لا يفهمها هي بمثابة "عدم" يشعر بوجود ذاته، أو هي "وجود" يشعر بعدم ذاته.