"الحرب ضد الحقيقة": استخدام البحث العلمي لتضليل الناس

يسلّط الكتاب الضوء على كيفية استعمال الفساد السياسي لأساليب مبطّنة لإخفاء الحقيقة عن الرأي العام، من خلال تشبيه مفاهيم البحث العلمي في العلوم الطبيعية بمفاهيم علم السياسة.

"الحرب ضد الحقيقة": استخدام البحث العلمي لتضليل الناس

كتاب "الحرب ضدّ الحقيقة؛ الانقلاب على جوهر ’نظرية الخَلق‘ في خدمة التعـتيم على الحقـيقة"، للكاتب "سي جاي كلويتر"؛ هو محاولة من أستاذ أكاديمي في مجال الفيزياء لربط مفاهيم مجال الفيزياء والبيولوجيا مع مفاهيم عِـلم السياسة، بأسلوب وجداني لكن واقعي، لبلوَرة فكرة واضحة عن كيفية اعتماد الفساد السياسي لأساليبَ مبطّنة وخفـيّة بُغية إخفاء الحقيقة عن الرأي العام.

وقد اعـتمَد الكاتب سي جاي كلويتر، على مدى كتابه، أسلوبَ التشبيه البديهي بين ما يعايَـن في مجال السياسة وبين ما يتطابق معه، من حيث المفهوم، في مجال الفيزياء والبيولوجيا. كما اعتمد أسلوبًا جدلـيًّا، بأسئلة عفوية ترمي إلى لفت انتباه القارئ إلى حقيقة ما يجري على مسرح السياسة، وتعاطي الساسة عمومًا مع الرأي العـام.

 

البحث العِـلمي الأصيل، والزائف.. والسياسة

يريد الكاتب حث أفراد الرأي العام، ببساطة، على المبادرة إلى مساءلة الساسة وأدائهم السياسي. ويشبّه هذا الأمرَ بـ"البحث العلمي الأصيل" الذي يشْبه ممارسوه أطفالًا يكـتـشفون ما حولهم معتمِدين أفواهَهم وأيديَهم وعيونَهم وآذانَهم. البحث العلمي الأصيل هو كفتى يدأب على سؤال: "لماذا؟".. إلى أن يجيبَه والدُه (ويرامُ به الشخصيةَ السياسية في حيّز السلطة) أخيرًا بحقيقة جذرية، أو بتغيير الموضوع تهرّبًا!.

ويعود كلويتر ويشبّه البحث العلمي الأصيل بشخص يشتري منزلًا فيتحرّى أساسات العـقار والبناء؛ فالبحث هنا هو عملية تحقيق، وهو عـملية تنـبّؤ واختبار تجريبي وتأويل. والمرادُ للمواطن أن يحذو حذو الباحث الأصيل، فيتنبأ بنتائج حالات واقعية حقيقية (يراد بها مآلات الأداء السياسي لأهل السلطة، وانعكاس ذلك على الشعب) هي في ذاتها ذات أهمية ويمكن فحصها.

ويستدرك الكاتب أن على المواطن تتبّع أثر العمل السياسي، وحيازة فكرة واضحة عن الواقع المعيشي على الأرض، على غرار الباحث الأصيل الذي يفحص تنبّؤاته من خلال تجارب موثوقة يمكن تكرارها وتصحيحها بشكل موضوعي، باستعمال حقائق وأدلة موضوعية. هذه كوّة يجد من خلالها الكاتب طريقًا للمواطن كي يفيد من منهج البحث العلمي الأصيل، بما يصب في صالح المجتمعِ برمّته.

أمّا البحث العلمي الزائف، بحسب كلويتر، فيشبه ساحرًا يتكـتّم على أسرار حرفته؛ أو فيلسوفًا ينتحل صفة العالِم التجريبي، فلا يتتبّع الحقائق الموضوعية كما هي، بل يفرض على الواقع شأنًا من استحسانه وظنّه. وهذا قبس ممّا يمليه أهل السياسة على واقع البلاد، مُلهِينَ أفراد الرأي العام عن حاجاتهم الحقيقية، صارفينَ إيّاهم إلى الاهتمام برزمة قضايا هامشية ارتـآها لهم ذوو السلطة. والبحث العلمي الزائف غالبًا ما يُشبه مخطَّطًا إجراميًّا لا يتـمّ كشفه إلا بعد موت مخطِّطه!. والحال هذه هي التي تنطبق على أهل الميكيافيلية السياسية، الذين يمكرون بحيَـلهم الديماغوجية ليظفروا بتأييد أفراد الرأي العام، فيستـشيطوا زمنًا في مَسك زمام السلطة، والتمتّع برفاهيتها.. ربّما إلى حين يتوفّاهم الموت!.

إنّ الذين يتعاطون البحث العلمي الزائف يتنبّؤون بنتائج قضايا نظرية غير قابلة للفحص، ويبرّرون توقّعاتهم باستعمال تجارب غير موثوقة لا يمكن تبريرُها أو قياسها موضوعياً، ويتكهّنون مستعملِـينَ أدلّة منتقاة زورًا وافتراضات غير مبرّرة. وهنا إشارة كذلك من الكاتب إلى مدى تقاطع واقع البحث العلمي الزائف مع الأداء السياسي الفاسد الذي يتّسم بنفس السياق الأعوَج للأداء العَمَلاني، سعيًا لبلوغ هدفٍ ذاتي لا يتّفق مع مصلحة الواقع (مصلحة أفراد الرأي العام).

ويسأل كلويتر: "ما هي عواقب إحلال البحث العلمي الزائف محل البحث العلمي الأصيل؟ ما الذي يدفع بعض العلماء إلى ممارسة البحث العلمي الزائف وادّعاء أنه بحث علمي أصيل؟". والسؤال نفسه ينطبق على شأن السياسة؛ فما الذي يحدث للمجتمع إذا حلّ الفساد السياسي محلّ الأداء المحمود للسُّـلطة؟

كذلك، هي دعوة من الكاتب لأَفراد المجتمع إلى التيقّظ حيالَ الْتـفافِ أهل السلطة على مطالب أفراد المجتمع، وإيهامِهم بأن السبيل القويم لصلاح حالهم هو في ما دبّره هؤلاء الساسة من خطط تضمن لأهل السلطة نعيمَهم فيها، فيما تحجب عن أفراد المجتمع تحقيقَ مطالبهم بحدّ أدنى من عيش كريم.

ثـمّ يعـرّج الكاتب على شيء من مسؤولية أفراد الرأي العام في فحص وتمحيص كلام الساسة، الذي يبدو غالبًا مقنعًا وملامسًا لأوجاع الناس. فيشبّه هذه المسؤولية المواطِنية بالمبدأ الأساسي للبحث العلمي الأصيل، وهو أن الحقيقة هي موضوعية ومتعالية وصارمة، وأنّ الفكرة المنطقية تستمد سطوتها من الحقيقة الواقعية. لكن الحقيقة لا تستمد سطوتها من الفكرة المنطقية، فللحقيقة سيادة على الفكرة المنطقية، والفكرة المنطقية لا تولّد الحقيقة لكنها أداة لفهم الحقيقة. فينبغي أن تطوَّع افتراضاتُـنا لتتماهى مع الحقيقة، ولا يجب أبدًا أن نطلب أن تكون الحقيقة مطواعة لافتراضاتنا. هنا تشديد من كلويتر على ضرورة انطلاق الناس من حقيقةِ واقعِهم على الأرض، وحال مجتمعهم بمختلف قطاعاته، لا من كلام الساسة المنمّق الذي يدغـدغ الإحساسَ ويليّن النفوسَ زورًا وتورية. فالفكرة الديماغوجية "المنطقية" كثيرًا ما يستر بها الساسة عيوب أدائهم في خدمة الناس فعلًا على الأرض. لذا؛ ينبغي أن يعتني الناسُ بملاءمة الفكرة الديماغوجية لحقيقة حالهم، لا أن تكون مجرّد سطور تسكّن فورةَ الكادحين وتسوِّف لهم تحقيق مطالبهم تحت شعارات واهية.

إن المبدأ الأساسي للبحث العلمي الزائف هو أنّ ذكاء الخبراء معصوم عن الخطأ ومتعالٍ وذو سطوة. وعليه، فإن الحقيقة ينبغي أن تطوَّع لتتماهى مع افتراضات الخبراء الأذكياء. وهنا، يمثّـل "الخبراءُ"، في مجال البحث العلمي، "زعماءَ السياسة" الذين يُنظَر إليهم غالبًا على أنهم مبرّؤونَ من الأخطاء وذوو فكْـر ثاقب؛ يقودون بذلك رأيًا عامًّا مذعنًا أعمًى، لاغيًا خصوصية فكرهِ أمام "هالة" السياسي القائد!.

ويستثير الكاتب هنا، مرة أخرى، قـرّاءه متسائلًا: "هل يُحتـمَل أن يقول خبير ذكيٌّ شيئًا منطقيا، لكن في حقيقته يكون خطأًا برمّتِه؟".. وهو حثٌّ لأفراد الشعب على نزع صفة القداسة عن الذي يَحكم في حيّز السلطة، وفهمِ أنه يكون، كما أي شخص يُعلم أنه "ذكيّ"، عرضةً لإبداء رأي خاطئ لا يصبّ في مصلحة المحكومينَ، مع كونه قد يروق جدًّا لمسامعهم لجهة محاكاته للمنطق.

ويتوجّه سي جاي كلويتر إلى القرّاء بوصف تشبيهي مباشر؛ قائلًا إن البحث العلمي الأصيل يشبه حاكمًا يتخلّى طوعًا عن السلطة، كي يسمح بانتقال سلمي لها، وبالتالي أن تسير أمور الناس على نحو سليم لا يعكّره معكِّر. أمّا البحث العلمي الزائف فيشبه حاكمًا مستبدًّا يتشبّث، بأنانية، بمزيد من السلطة ليبقى في رفاهية الحُكم؛ غير عابئ بحال الرعية المرؤوسين ومطالبهم وشجونهم.

ويلفت الباحث إلى أنّ العلوم المكتسَبة من البحث العلمي الأصيل ينبغي أن تطبَّق بشكل ينفع الإنسان أمنًا وكرامة، وكذلك الفعل الناتج عن ممارسة السياسة ينبغي أن يصون كرامة الفرد وأمنه، وحاجاته الأولية. بينما الهدف الأساس للبحث العلمي الزائف هو إنتاج علوم تبدو في ظاهرها باهرة وذات شأن. إن العلوم الناتجة عن البحث العلمي الزائف تَستـلزم أن تصوَّر على أنها معقّـدة وعميقة ومفذلكة، لجعلها تبدو ذكية ومهمة. وهنا يتجلّى شبيه هذه العلوم الزائفة في الحقل السياسي، إذ يسعى ذوو السلطة لفبركة خطاب فيه شيء من التعقيد، ليبدوَ عميقًا، وشيء من الفذلكة ليبدوَ متماسكًا؛ يبهرون به جمهورَهم المستهدَف من أبناء الشعب.

إن علماء البحث العلمي الزائف يشْبهون المستشارين السياسيين الذين يعتمدون الخـداع والتهويل لإجبار الحاكم، بطريقة غير مباشرة، على تنفيذ مآربهم، ويكرزون بأنّ افتراضاتِهم غيرَ المبرّرة هي حقائق علمية، ويعتّمون على الافتراضات المنافسة حتى ولو كانت متلازمة مع الوقائع الموضوعية، ويعمدون إلى ضرب صدقية الافتراضات المنافسة التي تـفيد منطقيًّا بالتوقعات الدقيقة.

ويستخدم علماء البحث العلمي الزائف، عشوائـيًّا، قياساتٍ غيرَ موثوقة أنتجتها أدوات غير صالحة لمجال البحث العلمي الأصيل (تمامًا كما يسخّر المستشارون موجةَ الشائعات التي يدبّرونها لدعم مصداقية مشورتهم الخادعة للحاكِم)، ويفبركون نتائج يُفترض أن تكون  تجريبية، من خلال اعتماد قياسات ذات دلالات خاطئة، لم تأتِ من آلة قياس، ويسيئون تأويل النتائج البحثية من خلال إهمال الحقائق الموضوعية أو اعتمادِ الحُكم المنحاز.

 

ديماغوجيا السياسة.. رغـبات ذاتية تقمع الحقيقة

وفي ما يخص الديناميةَ النفسية للساسة المخادعين؛ يلفت كلويتر إلى أنّ المرءَ، عمومًا، يكون صادقًا عندما يسمح للحقيقة بأن تتقدم على جميع تفضيلاته في أخذ القرار، لكن يكون كاذبًا عندما يدع تفضيلاته تتقدم على الحقيقة. هذا الوصف عينُه يحدّد كيف أنّ المآرب الشخصية (النزعة السلطوية) للساسة الماكرين، لا تسمح لحقيقة واقع الناس أن تتقدّم وتتصدّر لدى أخذ هؤلاء الساسة لأي قرار. لذا نرى أنّ المَيل الاستئثاري بالسلطة ورفاهيتها، يحدو كثيراً من الساسة على التغافل عن مرارة ما يعيشه الشعب من مآسٍ تستـلزم اعتناءً وجهدًا من أهل الحُكم لفكّ أسر الشعب منها.

ويجزم الكاتب، تاليًا، بأنّ الصدق هو حرب بين الحقيقة والتفضيلات الشخصية. فالحقيقة هي معلومات موضوعية تصف، بدقّة، الواقعَ المشتـرَك الذي يعيشه الجميع. أما التفضيل فهو معلومات انحيازية شخصية تصف الرغبات الفردية الداخلية المسقَطة على الواقع. والسياسي الماكر غالبًا ما يخلق لنفسه ولجمهور الشعب عالَمًا معسولًا منسجمًا مع تفضيلاته هو، معزولًا عن حقيقة الواقع على الأرض.

الكذب هو أن يختار المرءُ التمسّـكَ برغباته الخادعة وتصديقَها. أمّا الصدق فهو أن يختارَ المرءُ تقـبّـل الحقيقة المزعجة والاعترافَ بها. والديماغوجيا السياسية تـلعب على وتر الكذب، وتتحاشى الالْتحامَ بالصدق ومستتبعاتِه المضنية (التي تخدم خيرَ المجتمع). إنّ الكذب هو أن نختار نفيَ وتجاهلَ الحقيقة المزعجة، والصدق يُمتحَـن فحسب عندما تكون الظروف ملائمة لسلوك مسلَـك غير صادق وتكون غير مناسبة لسلوك مسلَـك صادق.

 

جوهـرية تحديد الخطأ ومواجهتِه

الاعتراف بالخطأ ومكامنِه ضرورة ملحّة. قد يقول فنّان لتلاميذه إنه ليس ثمة من إجابة خاطئة، ثم يجد في ورقة أحد التلاميذ صفحة بيضاء فارغة لا رسمةَ فيها ولا دلالة على موهبة!.

وقد يقول طبيب لتلاميذه كذلك الأمرَ عينه، ثم يجد مريضًا مات بفعل سوء فهم التـلميذ للمادة الدراسية الطبية ثم اعتمادِه اجتراحات طبية من عنده ظانًّا إياها تفي بالغرض التطبيبي، بانيًا على أن "ليس ثمة خطأ في ما يبتـدر منه كطالب في علم الطب"!.

كذلك؛ يمكن تهشيمُ الحقيقةِ من خلال التمسّـك بقرارات خاطئة، واللجوء إلى تكهنات خادعة؛ وهذا حال الوصوليين الاستئثاريين من أهل السُّلطة. وعلى أفراد الرأي العام السعي دومًا لاكتشاف مكامن الخطأ والزيف من بين الوعود التكهّنية الخادعة التي يأتي بها أهل الحُكم؛ كمن يبحث عن إبرة في كومة قـشّ. فلا سبيل إلى البدء بالإصلاح في المجتمع إلا من خلال مواجهة الخطأ الذي يُكتـشَف مكمنه في الممارسة السياسية.

ومن ناحية أداء الشعب؛ فإنّ الاختيارات الخاطئة (لمن سيكون في موضع السُّـلطة) طبعًا ليست مفيدة للصالح العام. ولا يكون اختيارٌ صحيحًا لمجرّد أن الهدف المنشود هو هدف ذو فائدة، بل لكون التأثيرات الإجمالية لهذا الاختيار مفيدة. فالنية لدى أفراد الشعب في استخدام ساسة يحكمون في صالح الشعب ويسهرون على خير معيشته؛ وحدها لا تكفي لتحقيق هذا المبتغى، وإنما على أفراد الشعب أن يفحصوا فِعـلَهُم الاختياري (الانتخابي) بنمط جازم بأن يكون موضعُ اختيارهم (من الساسة) أهلًا، فِعلًا، لتولّي مسؤولية خدمة الشعب، ولا مأربَ لديه في تجييـر مكتسَبات السلطة لمنفعته الشخصية.

ويسوق الكاتب قصة عن محامٍ أتى مرة بمواطن اختاره عشوائيًّا إلى قمرة الشهود في المحكمة. سأل المحامي هذا المواطن: "هؤلاء الأطباء يقولون إن المدّعى عليه مذنِـب، هل توافق؟"؛ فأجاب المواطن بسؤال: "ما هـو الدليل على أن المدّعى عليه قد يكون مذنبًا؟"، فأجابه المحامي قائلًا: "هؤلاء الأطباء هم الدليل الوحيد؛ وهم فاحصون ممتازون لطبيعة الشخصية"؛ فسأل المواطن: "وهل شاهد هؤلاء الأطباء المدّعى عليه وهو يرتكب الجريمة؟"، فأجاب المحامي قائلًا: "لا" (!).

ويعلّق كلويتر بأنه عندما نكون غير صادقين، سنقول "إن شيئًا ما صحيح، لأنه يبدو منطقيًّا ويصدّقه أولو الوجاهة والسُّـلطة"، فنذعنَ لمثـل هؤلاء الأطبّاء الذين كانوا في المحكمة. وعندما نكون صادقين، كمثـلما كان المواطن الذي اختاره المحامي؛ سنبحث ونحقق لنحدّد ما إذا كانت نتيجةٌ ما خلاصةً ذات مصداقية فعلًا، أم هي وليدة تكهّن ولا تفي بشي من الحقيقة.

التكهّن هو أن يؤوّل شخصٌ ما، بطريقة منحازة، مجموعة أدلّة غير كاملة ومعزولة عن سياق البحث؛ والولوج تالياً في الخطأ. أمّا النتائج ذات المصداقية فهي التي يصل إليها المرءُ بتأويله الأدلة بصورة موضوعية، معتمدًا مجموعة كاملة من الأدلة التطبيقية.

إن المسار الذي يريد الكاتب لأفراد الرأي العام أن يسلكوه، هو ذلك الذي لا ينحازون فيه بشكل أعمى ومنقاد إلى ما يسوقه لهم أهل السلطة عبثًا؛ مؤوّلينَ فهمَ كلّ ما يطالهم في معايشهم لصالح ما يعِـدُهم به الساسة غِـشًّا وتسويفًا. فخير مثال للمواطن الواعي، بحسب الكاتب، هو ذلك المواطن الذي ناقش المحامي في المحكمة باحثًا عن جواب يقين حتى لا يقع في الخطأ.

 

ملامح نظرية التطور في اللعبة السياسية

ثم ينتقل كلويتر، في تشبيهه مفاهيمَ العلوم الطبيعية بمفاهيم علم السياسة، إلى دراسة "نظرية التطور" التي تعزو حوادث العالم إلى العشوائية، في مقابل "نظرية الخَلق" التي تعزوها إلى النظام والتـدبير.

يقول الكاتب إن نظرية التطور تخفي مشكلة الفساد؛ إذ تـلتفّ عليها وتَسِمُها بطابع توجِده لها بالقوة، يفضي إلى تهيئة مجال استساغة هذا الفساد!. فبالنسبة إلى نظرية التطور، يتصمّم كل نظام جديد بشكل تلقائي عشوائي، تدريجيًّا لا دفعة واحدة. ولا شك في أنّ أهل الفساد السياسي يسعون إلى البقاء في حيّز العشوائية، حيث لا رقابة ولا محاسبة، وحيث يُعزى كل فعل إلى المصادفة والتلقائية، وهو أمر يزيل عن كاهل أهل السلطة عبءَ المسؤولية أمام مساءلة الرأي العام.

لكنّ كلويتر يجابِه نظرية التطور، فيورِد حقيقة علمية مفادها أنّ احتمال أن يتصمّم شيء غاية في التعقيد، بنمط تلقائي عشوائي، هو فعلًا صفر؛ وأن احتمال أن يتصمّم مليون نظام معقَّـد، بنمط تلقائي عشوائي وتدريجيًّا؛ هو كذلك صفر. فلا الكون، بما يشتمل عليه من قوانين مُحكَمة ومنتظمة انسجامًا في إطار واحد سائد، ولا الهيكل السلطوي في أي دولة، بما يشتمل عليه من انتظام في عمل المؤسسات وتنسيق بنّاء بينها؛ يمكن عطفُهما عقلًا على العشوائية والعبث اللذَين تكرز بهما نظرية التطور.

إنّ نظرية التطوّر تسمح لأنصارها بإرباك الناس الذين يعـلـقون في شَـرَكِها ويمضون في طريقها، وبإقصاء الناس الذين يعون حقيقةَ كونِـها كذبة.

ويشدّد الكاتب على أن نظرية التطور لا تفسّر أصلَ تصاميم النظُم المعقّـدة المختلفة للكائنات. إن نظرية التطور بالكاد تخفي واقع أنّ أنصارها لا يزالون يقولون إنّ أصلَ تصاميم النظُم المعقَّدة المختلفة للكائنات، هو أنها نشأت تلقائياً وعشوائياً، وهو أمر لطالما كان استحالة رياضية حتى في ما قبل استحداث نظرية التطور.

إنّ جميع النظُم المتداخلة المعقَّدة والمتعددة الطبقات في الحياة، هي دليل على وجود خالق ذكي. لا أحدَ يرى بُرجًا كبيرًا مشيدًا ثـمّ يشكّ في أنه ثمة منهدس صمّمه. إنّ أنصار نظرية التطور لا يقصون نظرية الخَلق تعصُّبًا، لأنهم بالفعل يؤمنون بأن ليس ثمة دليل عليها، بل إنهم يقصون نظرية الخَلق لأنهم يمقـتون، تعصُّبًا، مُستـتـبَعات واقع أن ثمة خالقاً ذكياً وحكيم للوجود. وكذلك الساسة الانتهازيون!.. فهؤلاء يمقتون احتمال أن يكون ثمة رأي عام واعٍ قادر على مقاومة الانجذاب إلى وعود ودغدغات الديماغوجيا السياسية، ومصمّم على المحاسبة وتتـبّع كل عثـرة من بين وعود الساسة التي لا تبتني على شيء من الواقع، ولا تنسجم مع شيء من الحقيقة. لذا يعمد هؤلاء الساسة، بشتى السبل، إلى إقصاء الرأي العام الواعي المعارض لأدائهم، بكل ما يمتلكه من أدلّة دامغة على صدق قضيته في مواجهة الحُكم المتقاعس.

إنّ "نظرية الخَلق" تستوجب أن يكون خالقٌ حكيم علّة تصميم وبلورة نشوء أنواع الكائنات. إنّ أنصار "نظرية التطور" يقصون واقع أنّ جميع الأدلة التي يعتمدونها يمكن دحضُها وفـقًا للإطار المفهومي الخاص بنظرية الخَلق. وبمجرّد إقصاء أنصار نظرية التطور للإطار المفهومي إيّاه، يعمد هؤلاء إلى تحريف إشارات الأدلّة لتـتماهى مع الإطار المفهومي لنظرية التطور!. ثم يزعم أنصار هذه النظرية أنّ تحريفهم لإشارات الأدلة تلك، هو بذاته دليل حصريّ للتطور.

ويُـكمل الكاتب بأنه عندما تُحيّر الاكتشافاتُ الجديدةُ علماءَ نظرية التطور، يعمدون رأسًا إلى فبركة افتراضات تكهّـنية، ويمضون في تحريف الدليل ليتوافق مع الإطار المفهومي لهذه النظرية. وهكذا؛ يصير أنصار نظرية التطور أكثر ثقة بهذه النظرية، حتى مع كون الأدلة الجديدة غالبًا ما تتعارض مع توقّعاتهم. ثم يتكهّن أنصار نظرية التطور بافتراضات جديدة لعقـلَنة وتبسيط التعارضات السالفة الذِّكر وفق ما يتناسب مع الإطار المفهومي لهذه النظرية. فمهما كثرت الأدلة على بطلان نظرية التطور، فإنّ أنصارَها يظلّون متمسّكين بها!. ولا دليلَ -- مع كثرة الأدلة -- يقدر على إقناع أنصار هذه النظرية بأنّ نظرية الخَلق لا ينبغي إقصاؤها عن النقاش والإرشاد العامّ.

هذه هي عينها أزمة كثير من أتباع المذاهب السياسية كذلك، إذ غالبًا ما يتنكّر هؤلاء للواقع المعيشي المزري الذي يحيط بهم، ليصبّوا جهدَهم في الثناء على التوجّه السياسي الذي يناصرونه، وعلى المسؤول السياسي الذي يدّعـون له الأهلية للثقة، مطوِّعِينَ كلّ الأدلّة التي تجرّم أو تـتّهم ذلك السياسيّ وأداءه في السلطة، ومكيِّـفينَ إيّاها لتصير موائمة لمدحِه ودرء التّهم عـنه.