الرسام تحت المجلى

يرى سورس "أن الأشجار تستطيع مواصلة النمو إلى الأبد، إن هي لم تتفرع إلى أغصان"، ويسمّي هذه النظرية "مسألة التفرع وقانون أندرونيكوس فيما يتعلق بشجرة ديسقوريدس".

رواية "الرسام تحت المجلى" للكاتب البرتغالي أفونسو كروش
رواية "الرسام تحت المجلى" للكاتب البرتغالي أفونسو كروش

 بعد "هاتِ لنا شاعراً" و"الكتب التي التهمت والدي"، يطرق الكاتب البرتغالي أفونسو كروش باب المكتبة العربية عبر دار مسكيلياني للنشر (2018) بترجمة مها عطفة، ليس ليقدم المزيد من الاستعارات الغريبة التي يمتاز بها، بل، بشكل ما، ليهدمها.

كروش، الذي بدأ رساماً أول الأمر ولم يخطر له أبداً أن يصبح كاتباً، يتناول في هذه الرواية سيرة حياة الرسام إيفان سورس الذي عاش فعلاً في بيت جديّ الكاتب. لكنه لا يتناول تلك الحياة كسيرة ذاتية مملّة، بل يضيف إليها تعديلاته الروائية المبتكرة، يضيف البهار لقصة راكدة سمعها من جده. هكذا يغيّر كروش اسم الرسام إلى "جوزيف سورس"  ويفرّع خطوط القصة الأصلية.


ولادة رسام

يقسّم كروش كتابه إلى جزئين: كتاب الأعين المفتوحة وكتاب الأعين المغمضة، باعتبارهما دفترين لرسومات سورس وفصلين غير متساويي المدة في حياته، بالإضافة إلى تقسيم الكتاب إلى فصول ذات عناوين متميزة كعادة كروش.

يولد سورس مثل أوديب مع نبوءة ستسبب شقاءه: "عينه اليسرى شبيهة بقمر متناقص، تشير إلى أنه سيصير فناناً"، تقول القابلة. وتردّ الأم بالبكاء والندب: "لا شيء يسبّب الحزن أكثر من أن يكون المرء فناناً وينظر إلى العالم وكأنه يراه للمرة الأولى".
سورس إذاً، الشخصية الرئيسية، شخصية حقيقية يقدمها كروش بتاريخ ومكان ميلاد لإقناعنا أنها وجدت فعلاً، رغم أنه شيء لا نكتشفه حتى الصفحات الأخيرة من الكتاب، وكان يمكن أدبياً إلغاء الاعتراف به.

 

عالم من دون عبودية

 ما يلفت النظر في البيئة التي تحدث فيها هذه الرواية هو غياب الصورة التقليدية التي نعرفها عن العلاقة بين الخدم والعائلة. بيت العقيد مولر، لسبب ما، خالٍ من التمييز الطبقي، يتمتع فيه الخدم (عائلة سورس) بحقوق كاملة، وإمكانية فعل وقول ما يريدون، ولو تجاوز الحدود(يستطيع سورس الأب التعبير عن رأيه بضيوف العقيد بصراحة وحتى طردهم). يتلقى سورس وابن العقيد التعليم معاً، وينعدم التمييز الطبقي كلياً، بما سيتسبب بثمن عكسي غير إيجابي.
شخصية سورس الأب تقف في مقابل شخصية العقيد، وتتناقضان بغرابة. سورس الأب، خادم نزق، يقول كل ما يفكر به ولو جرح الآخرين، يكره الأسلحة ولا يفهم المجاز والاستعارات؛ شخصية عفوية، حرة ومباشرة. في المقابل، العقيد صاحب المنزل أكثر رقة، يضع زهرة في شعره بما يظهر التناقض بين "الزهرة و السلطة، لتقترن هكذا الصرامة بالجانب الجمالي والحساسية" وفق قول كروش.

 

ننمو حين لا نتفرّع

يرى سورس "أن الأشجار تستطيع مواصلة النمو إلى الأبد، إن هي لم تتفرع إلى أغصان"، ويسمّي هذه النظرية "مسألة التفرع وقانون أندرونيكوس فيما يتعلق بشجرة ديسقوريدس". أهمية هذه النظرية تكمن في أنها تتجاوز الأشجار طبعاً، لتنطبق على كل إنسان وتؤثر على مجمل حياة سورس. ببساطة، إذا تجنبنا كثرة التفرع، سننمو بلا حدود، هكذا اعتقد سورس. لكن هل من السهل تطبيق هكذا؟

سرعان ما يظهر في حياة الرسام، سبب للتفرع يجب البدء بمقاومته؛ الحب. تظهر هنا شخصية فرانتيشكا، الجارة الجميلة التي يقع سورس في حبها، ويخسرها بسبب تركيزه على نظريته هذه.

 

الاستعارات التي تقتل

صفة "الرجل الذي لا يفهم الاستعارات"، والتي بدت حتى الآن مضحكة إلى حد ما وظريفة، تأخذ بعدها الأوسع وتسبّب تداعيات خطيرة في سير الرواية. عدم فهم المجاز يتسبب بجريمة قتل، ثم إعدام. يقول العقيد لصديقه إنه "يحمل في صدره أشد الأسلحة فتكاً"، وهو ما لم يفهمه سورس الأب إلا حرفياً، فيقتله في محاولة للبحث عن السلاح في صدره، وكان يُقصد به مجازاً "القلب".
سورس الذي بنى الكثير من رواياته على الدمج بين الاستعارات والواقع، يبدو أنه يريد هذه المرة أن يركز على الفرق بينهما. هذه رواية "لقي فيها شخصان حتفهما بسبب صورة بلاغية"، وعليه يجب أن تؤخذ الاستعارات بعين الحذر. في هذا رسالة ضمنية لنا كقرّاء: احذروا. قد تكونون ضحايا أو قتلة إذا لم تفهموا المجاز.

يتحرك حجر الأحداث بقوة، ويبدو أن الرواية على وشك أن تتشظى وتعيد ترتيب ذاتها. بجريمة القتل هذه، يُستعاد إلى الذهن الحالات الروائية والواقعية الكثيرة لخدم يرتبكون جرائم قتل، أو خدم يُتهمون ظلماً بجرائم قتل، كما في الروايات التي تتحدث عن الزنوج.
بإعدام الأب، يفقد الإبن القدرة على رسمه، كما لو أن دفتره هو دفتر الحياة، وينقص منه من ينقص منها.

 

فراشة على سبطانة

"إن أفضل القبل هي القبل غير المرئية، فهي كرسام تحت المجلى"، يقول كروش. هكذا يظهر واحد من معاني العنوان: الاختباء، الموهبة المدفونة، أن تكون شيئاً ولا تكون، التواري ولكن توارياً جميل إلى حد ما مثل تواري عشاق لأجل القبل.

يطرح كروش أيضاً فكرة جديدة عن الحرب بوصفها حركة تحريك للملل والحياة الراكدة: "الآن لديّ شيء جديد أقوم به"، إلا أن استهجانه لها يظل طاغياً ويمتد على فصول عديدة كما لو أنه واحد من أهداف الرواية.

إن موقع الرسام سورس في الحرب يتمثل في الاستعارة التالية: "فراشة تغط على سبطانة". بهذه الصورة يقدم كروش تصورّاً عمّا يحدث للمبدع عالي الحس في الحرب؛ الحرب ليست مكانه.
مراراً يتفادى سورس أن يقتل أي أحد، يصوّب بارودته نحو الأعلى، ويقدم شرط الانتصار الوحيد في رأيه: "ألا تَقتل وألا تُقتل". بطريقة ما، يتحقق هذا لسورس، ويعود سالماً من الحرب، لكن نصره ما يلبث أن يتبلبل حين يجد أن حبيبته تزوجت من ابن العقيد مولر، ويلهيلم.

بهذا الزواج يعود قانون الطبقية إلى نصابه: ابن الخادم لا يمكن أن يتزوج السيدة. لكن سورس، وإن كان قد قرّر مسبقاً ألا يسمح للحب "بتفريعه" وإيقاف نموه، لا يركن لهذه الخاتمة. يتملكه الغضب فيقضم الأذن اليسرى لويلهيلم. ثمة تشابه واضح يقفز إلى الذهن مع حالة فان كوخ، لكن هذه المرة الرسام يقضم الأذن اليسرى لآخر ليس هو؛ إنه فنان يفرد جنونه على آخرين خارج ذاته. بسبب هذا التصعيد، يأخذ سورس والدته ويرحل، وبطريقة ما يتغير داخلياً.
الغضب والعنف الظاهران في حالة قضم الأذن، شعور الكراهية الذي يتملك سورس، تمرده ودخوله في حياة من الفوضى، كل هذا يبلبل نظريته، فهذه خلطة مشاعر تعاكس "مسألة التفرع وقانون أندرونيكوس" وتتسبب بفشلها.

تقع هذه الرواية مراراً في فخ الوعظ المباشر؛ تقدم تعريفات مبالغة عمّا هي الأشياء؛ المستقبل، الإبداع، الفن، السعادة وغيرها، لكنها تبقى محاولة كروش لرؤية الأشياء على طريقته، وهذا، إلى حد ما، مبرَّر.

 

الرسام

منذ أول الرواية كان سورس قد بدأ برسم الدائرة لأنه "في الواقع كل شيء يسير في دوائر".
مع الوقت صنع دفاتراً للعيون والأشجار. وفي مرحلة متقدمة من الرواية، تتضح أكثر شخصية الرسام فيه، حين يقيم معرضه الأول لكن ليس من تلك اللوحات، بل مما يظن أن على الفن أن يصنعه:" تحويل اللاشيء إلى شيء، وإظهار غير المرئي".

لكن ثمة مفارقة غريبة تحدث. ما إن يضع سورس نفسه وأفكاره في معرض، تخفّ مقدرته البصرية، فلا يعود قادراً على رؤية الضوء بل فقط ظلال الظلال. يحمّل الكاتب هذا الضعف البصري معنىً أوسع. سورس "لا يرى إلا ما يرسمه"، كما لو أن ضعف بصره مكوّن نفسي لا مادي، وسيتضح هذا أكثر مع سير الرواية.

خلال الرواية يُجبر سورس نفسه على تقليم مشاعره ورغباته ليستطيع النمو صعوداً. يضع أمه في مشفى للمجانين، لا يتقدم باتجاه حبه، ويدخل هو نفسه مشفى مجانين بناء على رغبته. لكن ثمة خللاً في هذه النظرية يوضحه صديقه: "ستنمو مثل عمود وليس مثل شجرة. لا وجود لأي ثمار بلا تفرع".


كتاب الأعين المغمضة

ينتقل مركز الرواية بطريقة ما ليقدم إضاءات على نتائج الحرب العالمية الثانية على البرتغال، بلد الرسام. الآن يرسم سورس أعيناً مفتوحة، لكنها تبدو مغمضة منكسرة، كما لو أن النازيين أغلقوا العيون المفتوحة، أغلقوا الأفق، أو أن الناس بشكل ما تغلق أعينها لتعيش بالتجاهل، تجاهل الحرب، الاضطهاد، والألم.

القسم الأول من الرواية كان قد اختتم بجملة تبدو افتتاحية لتقديم القسم الثاني: "انتهى به المطاف تحت المجلى". وتحت عنوان "المجلى أخيراً"، يوضح كروش عنوان الرواية بطريقة أوضح. المجلى الذي رمز سابقاً للتواري، يخلع الآن شعريّته ويتجلّى واقعياً: "المجلى هو المجلى"، ربما لتكريس محاولة كروش في هذه الرواية بتهديم الاستعارات. "الرسام تحت المجلى" هي إذاً ببساطة رواية عن رسام يعيش تحت مجلى.

ماذا يحدث في السماء؟

سورس الذي كان، وهو طفل، "يتمدد على الأرض ليرى السماء"، يعتقد الآن أن الحلّ لضعف بصره قد يكون ممكناً في تطبيق العكس: "أن يتمدد في السماء ليتمكن من رؤية الأرض".
ترد السماء خلال الرواية في فكرتين متشابهتين: كما الله يرى الحروب من السماء، فتبدو له مجرد نقط تختفي وتظهر، كذلك الحكومات ترى الشعب من الأعلى فيبدو كما لو أنها لا تعلم بوجودهم. ينطبق فشل الرؤية هذا على الرسام، فلا يفيد صعوده في طائره في تصحيح بصره، وتبقى الفكرة محض شعرية. هذه رواية لا تؤمن بالمجازات، يتضح هذا أكثر فأكثر. "الجوهري لا يُرى"، يقول كروش لنا.

 

صورة أخيرة

في بيت المصوّر الذي التجأ إليه، يعثر سورس على صورة قديمة لأمه التي كان حتى الآن يعتقد أنها ميتة. يبدأ رحلة للبحث عنها، لإطفاء شعوره بالندم وتصحيح مجرى حياته. لكن، يبدو أن ثمة من تكفل بهذه المهمة نيابة عنه. العقيد وابنه كانا قد ساعدا الأم في الخروج من مشفى المجانين، هكذا تعود صورة الطبقات المقلوبة للظهور.

كون الأم بخير، وما يرافقه من تحسّن في راحة الضمير، يُعيد لسورس بعضاً من بصره. الرؤية إذاً هي الرؤيا، وضعف البصر هو ضعف في البصيرة بشكل ما.

بعد سفره للبحث عن أمه، يُترك مصير سورس مفتوحاً وغائماً. لكن يبدو أن وضع النهايات ليس غاية أفونسو كروش، بل الأهم له خلخلة نظرية التفرع. "لديّ الآن شكوك بخصوص نظرية التفرع ... لقد كانت لديّ أفكار متضاربة ورغبات دفينة في نمو الشجرة"، يقول سورس.
إذاً، في آخر الأمر، ليس بوسع الإنسان أن يكون عموداً، أن يقلّم رغباته ومشاعره الرقيقة، الإنسان شجرة تتفرع وهذا مصير لا مفرّ منه، ولو ظهرت الرغبة به متأخرة.