مستقبل الشرق الأوسط: "ثورات" أكثر راديكالية؟

يتم استهداف أخصام النظام السعودي الحاكم، الموجودين في الغَرب. على نحو حملة "الكلاب الضالة" التي شنّها معمر القذافي ضد معارضيه، إذ يدير النظام السعودي برنامجًا للخطف المنظَّم، يستهدف المعارضين والمنشقّين الذين يعيشون في الغرب.

حملة "التطهير"  التي يقودها محمد بن سلمان، تشي على الأرجح بأن مخطَّطَه لماهية الحياة السياسية والاجتماعية في  السعودية، سيكون هو السائدَ من دون منافس
حملة "التطهير" التي يقودها محمد بن سلمان، تشي على الأرجح بأن مخطَّطَه لماهية الحياة السياسية والاجتماعية في السعودية، سيكون هو السائدَ من دون منافس

 كتاب "مستقبل الشرق الأوسط"، الذي أعدّه الكاتب والصحافي البريطاني "هيو مايلز"، مع المحلل السياسي البريطاني "آلستير نيوتن"؛ يطرح عناوين عدّة متعلّقة بحيثيات ما سمّي بثورات "الربيع العربي"، والمآلات المحتمَلة لمسار الأمور في الشرق الأوسط في المستقبل القريب.

ويعاين الكتاب أوجه الشبه بين نمودج الثورة الإسلامية في إيران (1979) وشبيهاتها حديثًا في العالم العربي، من جهة النشاط السياسي لحركة الإخوان المسلمين، ومن جهة الواقعِ الذي فرضته الحركة "السلفية" عن صورة الإسلام في المنظور الدَّولي. كما يحلّل الكتاب واقع ومستقبل الساحتين المصرية والسعودية، بوصف هاتين الدولتين "الأبرزَ في العالم العربي"؛ ويطرح كذلك مسارَ حلّ جديدًا للقضية الفلسطينية، بعيدًا عن قيد المفاوضات والانقسام الداخلي.

 

نموذج الثورة الإيرانية تستـنسخه "السلفية" في سوريا؟!

لقد كانت لثورة الإمام روح الله الخميني، في إيران في عام 1979، نتيجتان عميقتا الوقع على مفهوم الإسلام والتغيير السياسي لدى الباحثين الغربيين. فمن جهة، قضت الثورة الإيرانية على منحى نظرية الحداثة الرافض للدين عمومًا بوصفه قوة منظِّمة للمجتمع، ومن جهة أخرى، بدأ المؤرخون وعـلماء الاجتماع ببحث مفاهيم التغيير الجـذريّ، وسبُلِ مواجهة أنظمة السلطة القمعية.

وعلى النحو عينه؛ طفا التركيز على جوهر الإسلام، والبحثُ في فاعلية الثورة العنفية، بقوة، إلى السطح من جديد، مع بدء الحراك الشعبي الذي انتشر في بلدان الشرق الأوسط في أواخر العام 2010، والذي تصفه وسائل الإعلام بـ"الربيع العربي". فقد نزلت جموع المواطنين العرب إلى الساحات والشوارع، مخاطِرينَ بحياتهم، لإحداث نوع من التغيير السياسي والاقتصادي، ما لم يكن في الإمكان تحقيقه بفعل سطوة سلطة الأمر الواقع التي كانت سائدة في بلدانهم لفترة طويلة.

وقد اتّسمت هذه الجموع من العَـرَب بسِمة "المواطنة العالَمية" التي يتبنّاها الغرْب، وتكرز بتحصيل حقوق الإنسان في كل مكان. فعمّ الحراك المنتـفِض مصر وتونس والبحرين واليمن وعُمان والكويت وسوريا وليبيا والسعودية والمغرب، وسرعان ما حظي بتغطية الإعلام العالمي.

ويرى الكاتبان أن القوى القمعية، الأمنية والاقتصادية والسياسية، التي واجهها العرَب المنتـفضون، كانت هائـلة؛ وكانت أطُرُها الحاكمة السائدة تبدو طويلة الأمد، ومتماهية مع الثقافة السياسية الانقيادية في البلدان العربية. وكانت هذه الدول العربية، ذاتُ الحُكم البوليسي، تحـفـظها وترعاها القوى الغربية سياسيًّا وديبلوماسيًّا وعسكريًّا وأمنيًّا واقتصاديًّا.

في سوريا، حيث كان يحكُم نظام علماني لا تطاله مساءلة الشعب؛ تحوّلت تظاهرة معارِضة للسلطة إلى حراك مسلَّح يهيمن عليه التوجّه الإسلاميّ. لم يكن هذا الحراك وليد دوافع محلية فحسب؛ بل كان بمؤازرة دوَل داعمة للانتفاض على الحُكم في سوريا، كقطر والسعودية وتركيا والولايات المتحدة. كان جزء من المشاركين في الحراك المعارض للسلطة في سوريا ينتمي إلى حركة الإخوان المسلمين، والجزء الآخر كان من أفراد ينتمون إلى الحركة "السلفية". ثم كان للحركة "السلفية" أن استأثرت باهتمام الإعلام الغربي ودوائر السياسة في الغرب، كونها الوجهَ العقيدي السائد للحركة المسلمة في المنطقة. هكذا، صار الحراك المعارض في سوريا ذا طابع إسلامي "سلفيّ" برمّته.

فـمع المأساة السورية، تعزّز حضور الإسلام في ساحات النقاش العامّة لدى جمهور الشرق وجمهور الغرب؛ بوصفه العمود الفقري للهوية العربية والشرق-أوسطية. إلى ذلك؛ فإن الطبيعة العلمانية للمجتمع السوري في ظل حُكم النظام البعثي، يعتبرها الساسة المعارِضون للنظام وكثيرٌ من المعلّقين، انحرافًا عن التوجّه اللازم للبلدان العربية العائدة إلى هويّتها الإسلامية بعد فشل تجربة القومية العربية العلمانية في خمسينيات وستينيات القرن العشرين.

لقد استحسنت المجموعات المعارضة العناوينَ التي تطرحها الحركة الإسلامية؛ لأن هذه العناوين تمثـل الطبيعة الأصلية للثقافة التي يحملونها. إلا أن اللافت كان بلورة هذه الضرورة الثقافية من خلال مفهوم "السلفية" دون غيرها. وبوصفها حركة عابرة للبلدان، شاملة لجهاديين عُنفـيّين، ونشطاءَ سياسيّينَ سِـلميّين، وآخرين منكفئين سياسيًّا؛ باتت السلفية النموذجَ البارز في فهم الآخرين للإسلام، في القرن الحادي والعشرين.

ولقد عزّزت المملكة العربية السعودية، بوصفها المناصر الآيديولوجي للسلفية، حضورَ المنكفئينَ من السلفيين، في داخل المملكة، كما عزّزت حضورَ الجهاديين منهم، خارجَها (من أفغانستان وحتى سوريا) على نطاق واسع.

إن السلفية تنسجم مع المخيلة الشرقية التي تحلم بحضارة إسلامية تقتصر على نموذج شبيه بالعصور الأولى للإسلام وصفائه. كذلك؛ لقد أصبحت السلفية تمثـل الإسلام "النموذجي"، بالنسبة إلى الغرْب؛ وبان أنّ الإسلام لا يزال يهيمن على الوجدان الاجتماعي والثقافي للسياسة في الشرق الأوسط.

إن الصحوة الإسلامية لم تكن أبدًا مسألة ثقافة إسلامية سياسية-فكرية، بل لطالما كان يثيرها فعلُ القوى الغربية وحلفائها في المنطقة (أمثال الملك فيصل في السعودية وأنور السادات في مصر)، لخلق رادع أمام تيارات كالشيوعية والقومية العربية.

لكـن من الواضح أنّ تنظيمًا كـ"داعـش" لا يمكن فهمه على نحو أنه نتيجة لثورة سياسية داخلية، ولا على نحو أنه مكيدة خارجية؛ إذ إن ثمة تشابك أحداث تاريخية معقَّـداً بين هذين الأمرين ينبغي اكتشافه بُغية فهْم الصورة كاملة.

ويجزم الكتاب بأن الإسلام، بوجهه "السلفيّ"، سيؤدّي دورًا كبيرًا في سياسة الشرق الأوسط، بطريقة أو بأخرى، على المدى المنظور، لأنّ المكائد السياسية والأنماط الثقافية الرائجة حالـيًّا ستعزّز من حضور الحالة الآيديولوجية الإسلامية. وإنّ قطر والسعودية والإمارات لا تزال تدعم الإسلاميين المعارضين، في بلاد الشام، ماديًّا ومعنويًّا.

"الولايات المتحدة الشرق-أوسطية"

يقول الكاتبان إنه "ازدادت الآمال في استحداث نُظُم سلطوية جديدة في العالم العربي، تكون عادلة تجاه قضايا الشعوب العربية، بعدما نجح ما يسمّى بـ"الربيع العربي" في العام 2011 في إسقاط أربعة حكّام مستبدّين عذّبوا شعوبهم لعقود من الزمن في تونس ومصر وليبيا واليمن. وعلى إثر ذلك، نزلت الحشود المتحمّسة إلى الشوارع في أماكن كثيرة أخرى، آملينَ في أن يُحـدثوا تغييرًا مشابهًا ضمن مجتمعاتهم كذلك؛ ما زعزع راحة حكّام بلادهم... كل ذلك كان بشيرَ ولادة شرق-أوسط جديد ملائم لتطلعات شعوب المنطقة".

لكن، على أي نحو كان يمكن لشرق-أوسط جديد أن يكون؟ وما هي سِماته؟

بداية، يقول الكتاب؛ إنّ الصورة المرومة للشرق الأوسط المنشود، هي أن تكون الحكومات فيه ممثِّـلة فعلًا لإرادة الشعوب، كما أن يكون نشاط الحكومات ومؤسسات الدولة تحت إشراف ومراقبة برلمانات منتَخبة من الشعب، ومسؤولة أمامه.

فعلًا؛ هذا ما كانت مصر وتونس في صدد تحقيقه؛ لو أنّ عملية الانتقال إلى حيّز الديمقراطية في هاتين الدولتَـين، قد تمّت بنجاح... ولكانت كيانات أخرى في المنطقة حذت حذوَ مصر وتونس بحماسة.

لو أنّ الدوَل الثلاث المتجاورة، مصر وتونس وليبيا (التي خلعـت رؤوسَ أنظمتها المستبدّة)، قد حقّـقت الديمقراطية على النحو المروم؛ لرأينا شعب دولة الجزائر – القريبة هي الأخرى من هذه الدوَل الثلاث – متبوعًا بشعبي المغرب وموريتانيا، يسعى بالروح الثورية عيـنِها، إلى تحقيق ما حققته شعوب مصر وتونس وليبيا. ولصار، تاليًا، من السهل أن نتخيّل أنّ شعوب هذه الديمقراطيات الجديدة تطلب من حكوماتها، التي تمثّـل إرادتها، أن تزيل جميع العقبات التي خلّفها الحكّام المستبدّون (المخلوعون عن السلطة)؛ ولاستطاعت هذه الشعوب، التي تتكلّم اللغة عينها، وتتشارك الإرث التاريخي عينه، وتتبع الديانة ذاتها، أن تنشِئ، في سنوات قليلة، أطُـرًا كونفيديراليةً وأخرى فيديرالية، وحتّى اتحادات فاعلة تعزّز فاعلية الحراك الحضاري في هذه المجتمعات.

كذلك، يكمل الكاتبان؛ أنه إذا اتجهنا شرقًا ضمن العالم العربي (الشرق الأوسط)؛ ماذا كنّا لنجد في سوريا واليمن، بعد أحداث تونس ومصر وليبيا، لو حققتا الديمقراطية المنشودة؟... بل حتّى في المملكة العربية السعودية وباقي دوَل الخليج الغنية بالنفط؛ لرأينا الشعب عازمًا على إرساء إصلاح سياسيّ فعليّ، في الحدّ الأدنى من مطالبه.

ويرى الكاتبان أنه لا عجـب في أنّ السعودية والإمارات العربية المتحدة والكويت قد دفعت مليارات الدولارات لتمويل انقلاب الجيش المصري ضدّ سلطة النظام الذي قام بعد الثورة المصرية، ولإيقاف عجلة التحوّل الديمقراطي لا في مصر فحسب، بل في تونس وليبيا واليمن كذلك.

وإذا نظرنا إلى المستقبل البعيد، حال نجاح الانتقال الديمقراطي المنشود، لسهل علينا أن نتخيّل نشوءَ ما قد يُعرف بـ"الولايات المتحدة الشرق-أوسطية" (بكل ما لهذا الاسم من دلالات الهيبة التي يتّسم بها اسمُ "الولايات المتحدة الأميركية"!)، ولكانت هذه الدولة المحتمَلة ذات قوة عظيمة، وموارد طبيعية وبشرية هائلة، وأهلية معتَـبرة لتكون قطبًا حاكمًا على الصعيد الدوليّ.

ويتابع الكتاب أنّ تأثير انتقال ديمقراطي كالذي نتكلّم عنه، كان ليكون غير مسبوق؛ ولم يكن ليكون أقلّ أهمية من الثورة الأميركية أو الثورة الفرنسية، ولكان بالفعل علامة بارزة في تاريخ الأمم. وإنّ بزوغ قوّة عظمى كـ"الولايات المتحدة الشرق-أوسطية" كان ليضع حدًّا، فورًا – بحسب زعم الكتاب -- للطموح التوسّعي الإيراني في المنطقة، وأنّ "الولايات المتحدة الشرق-أوسطية" كانت لتكون ذات وجه إسلاميّ سنّي، إلى جانب أن تكون ذات صبغة ديمقراطية فعلية.

ويبدي الكتـاب موقفًا أكثـرَ إمعانًا في انتقاد الدولة الإيرانية؛ فيقول إنّ "الولايات المتحدة الشرق-أوسطية" (الافتراضية الوجود) كانت لتكون ذات تأثير مباشر في تحريض ما زعم أنه الشريحة المضطهَدة من الشعب الإيراني على النهوض في وجه حُكم النظام القائم في إيران، سعيًا للخلاص من حُكم ديني ذي صبعة شيعية منتحل لصفة الديمقراطية.

ويتعسف الكاتبان في التحريض المذهبي ضد إيران والشيعة والترويج لولايات متحدة شرق-أوسطية ديمقراطية سنية في مواجهتها معتبراً أن بزوغ النموذج – الافتراضي المحتمَل -- الديمقراطي السنّي الناجح (المتمثّل بـ"الولايات المتحدة الشرق-أوسطية")، كان ليكون نذيرَ بدايةِ النهاية للدور القيادي الذي تـدّعيه الجمهورية الإسلامية في إيران، ضمن الحيّز الإسلامي في العالم.

ويتوقع الكاتبان أنه في وقت قريب – لعلّه يكون في السنوات القليلة المقبلة، أو في غضون عقد أو عقـدَين من الزمن كحدّ أقصى – ستبدأ الدورة الجديدة من الثورات. إنّ الثورات التي تغيّر مجرى التاريخ عادةً تتـمّ على دفعات متداورة، وتحقّق أهدافها عندما تستطيع مراحلها المتداوِرة تغييرَ موازين القوى الإقليمية والدولية، إضافة إلى تغيير الذهنية والسلوك السائدينِ لدى الشعوب المعنية بالثورة.

بالفعل؛ لقد منحـت الثورة المعلوماتية، في تسعينيات القرن العشرين وبداية القرن الحادي والعشرين، العَرَبَ ذهنية واعـية مدركة أهمية نيل الحقوق الإنسانية البديهية، كما منحـتهم نظرة ذات أفق عالمي واسع إلى الحياة. وعلى هذه الخلفية انطلقـت ثورات "الربيع العربي" في العام 2010... ولا ينبغي أن يُنظرَ إلى هـذه الأحـداث على أنها معزولة الواحدة منها عـن الأخرى، بل هي كالأحـداث التي أحاطت بالثورة الفرنسية، متتابعة ضمن عـملية طويلة الأمد، تتخـللها ارتـدادات موجية ثورية مطّردة. والآن، الحركة الثورية العربية هي في طور الانكماش، وتشهد إعادة تنظيم وخلط أوراق بغية بلورة نمط أكثر فاعـلية لتجسيد مطلَب العدالة الاجتماعية والحرية في تقرير المصير. وعاجلًا أم آجلًا، ستأتي الموجة المقبلة من الحراك الثوريّ العربي، وستكون أكثر حـدّيّة وراديكالية من سالفتها في العام 2010.

 

الآتي في مصر.. "الإخوان" من جديد!

كان أبرز قطبين في العالم العربي، في الماضي القريب، مصر والمملكة العربية السعودية؛ وقـد اجتازتا الموجةَ الأولى من أحـداث "الربيع العربي" وهما لا تزالانِ تهيمنان على المنطقة على كل صعيد تقريبًا.

ففي مصر، تمضي الحوادث على نحو ما يرجوه نظام الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي. فقد أعاد الجيش سيطرته على كامل مساحة الأراضي المصرية تقريبًا، فيما لا تزال الحربُ شمال سيناء، وحركةُ المتمرّدينَ مستمرةً، وتصيبان الاقتصادَ المصريّ بضراوة؛ إلا أنهما لا تشكلان تهديدًا كيانـيًّا لمصر، إضافة إلى كون حالة السِّـلم لا تخـدم الحُكم القائم، إذ إنَّ نظام السيسي يعتمـد على انعـدام الأمن لتبرير بقائه واستمراره في السلطة.

الآن، وقد انكفأت الثورة الشعبية، تعـمد "الدولة العميقة" وحلفاؤها في مصر، إلى تعميق دورها وتعزيزه في اقتصاد البلاد؛ ولا سيّما في قطاعات مرْبحة واستراتيجية، مثـل قطاعات الطاقة والبناء والإعلام. ويزيد من تعزيز قبضة نظام السيسي في هذا المجال، تطهير الساحة من حركة الإخوان المسلمين ومناصريها، واستقدام رجال أعمال من عهد الرئيس المخـلوع حسني مبارَك من المنفى. هكذا، عاد الفساد ضاربًا في اقتصاد مصر من جديد، إضافة إلى برنامج ممنهَج من الاعتقالات التعسّـفية، وسجن الصحافيين، وحجب المئات من المدوَّنات والمواقع الإلكترونية وغيرَها من منصات التواصل الإلكترونية.

مع هذا كلّه؛ سـتُظهِر الموجة المقبلة من الحركة الثورية في مصر – بحسب الكتاب -- ثلاث قوًى سياسية تسعى للوصول إلى الحُكم؛ هي المجموعات الليبرالية (التي لا تزال غير قادرة على تحويل الحماسة الشعبية تجاه خطابها الديمقراطي، إلى أحزاب سياسية قوية تنظيميًّا)، والجيش المصري، وحركة الإخوان المسلمين.

ففي العام 2011، بدأ الليبراليون الثورة وجعلوا منها حركة ناجحة أطاحت بالحاكم المستبدّ حسني مبارك. لكن بعد فترة وجيزة من تنفّس نسيم الحرية، آلَ سياق الأحـداث إلى سيطرة المجموعات الإسلامية. ويزعم الكاتبان  أنّ سيناريو مشابهًا هو الذي سيتجلّى مع الموجة المقبلة من الحراك الثوري، "فمع أنّ النظام القائم بذل ما في وسعه لسحق حركة الإخوان المسلمين، فإنّ جذور هذه الحركة راسخة في المجتمع المصريّ".

ومع معقولية أن تحذو مصر حذوَ سيناريو الجزائر الماثـل في حرب أهلية مستفحـلة، أو حتى سيناريو الأزمة السورية (الأكثر استفحالًا)، في ما لو حادت الأمور عن سياقها الحالي (وهو ما يساعـد السيسي في الترويج لاستمرار حُكمه)؛ فإنه من السهل كذلك افتراضُ سيناريو آخر، شبيه بما حدث في إيران في العام 1979؛ فتستـلم المعارَضة (حركة الإخوان المسلمين) زمامَ الأمور في كثير من بلدات المحافظات... وسرعان ما تنجح موجة جديدة من الثورة في مصر (هذه المرة على نحو ما حـدث سابقًا في إيران).

إذن -- يقترح الكتاب -- على صنّاع السياسات الغربيين، مستقـبَلًا، أن يحاولوا احتواء حركة الإخوان المسلمين بطريقة إيجابية بنّاءة، تجعل من الحركة معتدلة (لا متطرّفة ولا مستبدّة) في الحُكم، فلا تكون نسخة جديدة عـن الدولة الأمنية العلمانية التي كانت قائمة قبلَها.

 

أفق المملكة السعودية.. محمد بن سلمان

لقد خرجت المملكة العربية السعودية من سياق أحداث "الربيع العربي" بغير أذى نسبـيًّا؛ لكن النظام الحاكم فيها (بقيادة ولي ولي العهد محمد بن سلمان، الماسك زمام الأمور حديثًا) قام، احتياطًا، بحملة استباقية واسعة النطاق ضدّ جميع الأطراف المعارِضة لسلطته. وهذا مُنبئ بما سيتّخذه شكل المجتمع السعودي في المستقبل القريب، عطفًا على رؤى محمد بن سلمان لطبيعة كيان الدولة السعودية.

ففي المحافظة الشرقية من المملكة؛ يتعرّض المسلمون الشيعة إلى حملة قمع لا تعرف الرحمة، قليلًا ما تُذكَر في الإعلام العالمي. وقد عمد النظام السعودي الحاكم إلى اعتقال كثير من أعمق علماء الدين تأثيرًا في الرأي العام الداخلي، مثل الشيخ سلمان العودة (ذي الـ14 مليون متابع على "تويتر") وعَوَض القرني (ذي المليونَي متابع على "تويتر")، إلى غيرهما من علماء الدين.

ولقد دعت مجموعات معارضة إلى تظاهرات تعمّ البلاد للاحتجاج على سوء الأحوال الاقتصادية والاجتماعية، وعلى الفساد وتحويل ولي العهد السعودي محمد بن سلمان نظامَ الحُكم البدويّ السعودي التقليدي إلى حُكم الرجل الواحد. جذبت هذه الدعوات اهتمامًا هائلًا على مواقع التواصل الاجتماعي، لكن تم قمعها على الأرض من خلال الوجود المكثّف لأفراد الشرطة.

ومنذ مجيء محمد بن سلمان إلى السلطة؛ بدأ النظام محاولة غير مسبوقة لإسكات الحركة المعارِضة للحُكم داخل العائلة المَلَـكـية نفسها. فبات جميع أفراد العائلة المالكة تحت المراقبة، ولا يمكن لأي أمير مغادرة السعودية من دون إذن محمد بن سلمان؛ وأي شخص يُشتبه في كونه معارضًا لتولّي بن سلمان عـرشَ المملكة، يصارُ إلى اعتقاله وحجزه. فالآن ثمة عدد غير محصى من الأمراء الموضوعين قيد الإقامة الجبرية في منازلهم، إضافة إلى عدد أكبر من الأميرات كذلك.

ولقد نُقِـل أنّ بن سلمان أنشأ سجنًا سرّيًّا في قصره يحتجـز فيه أفرادًا ذوي مكانة مرموقة ضمن العائلة المالكة. من هؤلاء، الأمير عبد العزيز بن فهد (نجل الملك السعودي الراحل)، الذي كان قد انتقد حاكـمَ دولة الإمارات الشيخ محمد بن زايد، وكتب تغريدة عبر "تويتر" – ثم محاها – حول كونه مستهدَفًا، قُـبيل أن يتم احتجازه. حتى والدة محمد بن سلمان نفسها، الأميرة فهدة بنت فلاح، يُنقل أنه تم احتجازها في مزرعة فاخرة في منطقة "الخَرج"؛ لاعتبار بن سلمان أنها تهدد توليه عرش المملكة. لكنّ الأكثر صدمة من بين حملات بن سلمان ضد معارضيه من أفراد أسرته، هي عزلُ ولي العهد محمد بن نايف من منصبه، وإهانـته أمام الملأ. وكانت الرسالة من وراء احتجازه قيد الإقامة الجبرية وإهانتِه، واضحة بأنّ بن سلمان قادر على فعل ذلك به وبغيره... فلا أحد في المملكة في أمان من سطوة محمد بن سلمان!

إلى ذلك؛ يتم استهداف أخصام النظام السعودي الحاكم، الموجودين في الغَرب. فعلى نحو حملة "الكلاب الضالة" التي شنّها الرئيس الليبي المخلوع معمر القذافي ضد معارضي حُكمه، لنفيهم إلى خارج البلاد، وعلى نحو اغتيال الأخ غير الشقيق لزعيم كوريا الشمالية وهو خارج البلاد؛ يدير النظام السعودي برنامجًا للخطف المنظَّم، يستهدف المعارضين والمنشقّين الذين يعيشون في الغرْب خارج المملكة.

ففي السنوات الأخيرة، خطف النظام السعودي ثلاثة منشقّين من العائلة المالكة على الأقل، وأعادهم إلى المملكة غصبًا. أما مصيرهم فمجهول، إلا أنّ الأمير تركي الفيصل أكّد لاحقًا أنّ هؤلاء باتوا داخل المملكة حيث يتمّ التعامل معهم بوصفهم مجرمين.

حملة "التطهير" هذه التي يقودها محمد بن سلمان، تشي على الأرجح بأن مخطَّطَه لماهية الحياة السياسية والاجتماعية في المملكة العربية السعودية، سيكون هو السائدَ من دون منافس؛ وقد بدأت آثار هذا المخطّط تتجلّى في بعض المظاهر الحياتية اليومية للسعوديين.

 

سبيل خلاص الشعب الفلسطيني

لقد اعتـبَرت "عمليةُ السلام" المشوَّهة، بين الفلسطينيين والإسرائيليين، أنّ الصراع الفلسطيني-الإسرائيلي يمكن حلّه "في المستقبل القريب". لكن في الواقع، بحسب الكتاب، ينبغي أن يكون ثمة حلول بديلة واقعية وعملانية. فإنّه، حسب ما تبيّن من سياق الأحداث، يصعب جدا تحقيق "السلام" المنشود في المدى المنظور. فبالفعل؛ من الهراء ادّعاءُ أنّ سلامًا يُتوصّل إليه من خلال المفاوضات هو قاب قوسين، أو أنّ "حلّ الدولتينِ" هو الخيار الوحيد القابل للحياة، ليمنحَ السلام لشعب فلسطين ويؤدي إليه حقوقه الأساسية.

عوضًا عن ذلك؛ يقول الكتاب إنه ينبغي لأي تحليل جدّيّ أن يبدأ من واقع "الدولة الواحدة" (دولة إسرائيل) المفروض على مسرح الأزمة الفلسطينية-الإسرائيلية... هذه الدولة الواحدة، بطبيعتها وسياساتها، وهيكليتها العنصرية ونظامها الحاكم، ومشروعها الاستيطاني الاستعماري في الضفة الغربية المحتلة وقطاع غزة المحاصَر؛ هي عقدة الأزمة.

إنّ الشيء الذي يثـني الفلسطينيين عن تحقيق هدفهم في إنهاء الاحتلال الإسرائيلي، ومقاومة كيان "الدولة الواحدة" (الإسرائيلية) في أرض فلسطين التاريخية؛ هو غيابُ قيادة سياسية موحَّدة وممثّـلة فعلًا للشعب الفلسطينيّ ومسؤولةٍ أمامه عن أدائها السياسي، وغيابُ ثقافة النقاش، والانقسامُ المستـشري على جميع الصُّـعُـد.

فبالنسبة إلى الخلل في شرعية القيادة؛ على الفلسطينيين استخدام قيادة فكرية جديدة تعيد إحياء وبلورة أسلوب الفلسطينيين في التفكير السياسي، وتعمل لتحقيق التماسك الفكريّ بين القيادة وأفراد الشعب، في سبيل تقديم استراتيجيات ورؤى بديلة توجّه الأداء السياسي بما يصبّ في مصلحة الحق الفلسطيني في نيل الحقوق المغتصَبة.

يقول الكتاب "إنّ النظام السياسي الفلسطيني الموجود حالـيًّا يهمّش الشعب الفلسطيني، لا سيما اللاجئين منهم، ويدفع بهم إلى خارج دائرة الانخراط الجـدّيّ في العملية السياسية، بدل أن يجذبهم ويفعّل دورهم. وعلى مدى الأعوام السالفة، رسّخ هذا النظام الفلسطيني نمطًا شخصانـيًّا من الحُكم". ويدعو الكاتبان إلى عدم السماح للقيادة بأن تستعمل تضحيات وعـذابات الشعب الفلسطيني لتحقيق مآرب سياسية - وأحيانًا شخصيّة – ضيقة تخدم مصالح الأقلية (النخبة) لا مصلحة المجموع (الوطن/المجتمع). فلن يتم الإصلاح في هذا المضمار إلا بوجود ثقافة محاسَبة سائدة، لا دخيلة، في العملية السياسية.

ويرى الكاتبان أن المطلوب هو قيادة فلسطينية جديدة ترفض اتفاقيات "أوسلو" والقواعـدَ المفروضة حالـيًّا (إسرائيلـيًّا) على ساحة الصراع. وإنّ رفض اتفاقيات "أوسلو" من أساسها، ليس رفضًا للسلام، بل هو رفض للاستعباد والقمع المستمرَّينِ منذ عقود. وإنه، فعلًا، من دون المواجهة مع "إسرائيل"، لن يستطيع الفلسطينيون التحرّرَ من الواقع البائس المفروض عليهم، والذي يرضي "إسرائيل".

بعد ربع قرن من المفاوضات وعمليات السلام الفاشلة؛ ستكون استراتيجيا المواجهة على المسرح المحلي والإقليمي، وعلى كل المستويات (كاللجوء إلى حملة "المقاطعة وسحب الاستثمارات وفرض العقوبات BDS"، أو "المحكمة الجنائية الدولية ICC"، أو غيرِها من سبُل تحصيل الحقوق)، الطريقَ الوحـيد لمعالجة اختلال ميزان القوّة بين الفلسطينيين والإسرائيليين.

إنّ دور المجتمع الدولي، لا سيما الاتحاد الأوروبي، أساسي في الشروع في عملية الاعتراف بالحقوق الفلسطينية؛ من خلال أساليب مقاطعة المنتجات الإسرائيلية وسحب الاستثمارات في ما يتعلّق بالكيان الصهيوني وفرض العقوبات -- بمختلف أنواعها -- على دولة الكيان الإسرائيلي... كذلك من خلال رفض تمويل سوق الدعم الدولية لإجراءات الاحتلال الإسرائيلي الاستيطانية في الأرض الفلسطينية (الضفة الغربية وقطاع غزة).

يبدو الكاتبان متأثرين كثيراً بدعاية جماعة الأخوان المسلمين ويروّجان لها وهما متفائلان كثيراً بإمكانية قيام ثورات جديدة في العالم العربي وتغيير الأنظمة فيه وقيام "ولايات متحدة شرق – أوسطية ديمقراطية سنّية". والاقتراح الأخير يحمل تناقضاً في الدمج بين الديمقراطية والمذهبية والإسلام السياسي. فالديمقراطية الليبرالية ليست فقط حرية الانتخاب والرأي ووصل الأكثرية إلى الحكم عبر الاقتراع، ولكن هي قيم ومفاهيم تتضمن الحرية والتعددية والعلمانية وقبول الآخر والحفاظ على حقوق الإنسان والمرأة والأقليات.