عن الاستكشاف العثماني للمحيط الهندي

نصح أحد خبراء البحار الصدر الأعظم العثماني إبراهيم باشا بأن يتم فرض السيطرة العثمانية المباشرة على اليمن، لأن اليمن هو المفتاح الاستراتيجي الأول والأهم للمحيط الهندي.

العثماني بإكمال طبعة موسعة من الأطلس والدليل الملاحي بعنوان "كتاب البحرية"
العثماني بإكمال طبعة موسعة من الأطلس والدليل الملاحي بعنوان "كتاب البحرية"

يتناول هذا الكتاب قصة التنافس العثماني-البرتغالي في السيطرة على طرق التجارة المهمة في آسيا والمحيط الهندي، وهي المنافسة التي دُشن فيها "عصر الاستكشاف العثماني".

ومؤلف الكتاب هو الباحث الأميركي من أصل إيطالي، جانكارلو كازالي، وهو يعمل كأستاذ لتاريخ العالم الإسلامي في جامعة مينيسوتا في الولايات المتحدة الأميركية، ومجال دراساته الرئيس يتركز في تاريخ الإمبراطورية العثمانية وتفاعلاتها مع القوى السياسية العالمية المحيطة بها.

 

الاستكشاف العثماني

في عام 1517م، تمكن السلطان العثماني سليم الأول، من غزو مصر بعد أن انتصر على المماليك في معركتين متواليتين، وهو الأمر الذي جعل الدولة العثمانية –وللمرة الأولى في تاريخها-تتصل بشكل مباشر مع العالم التجاري الواقع على شواطئ المحيط الهندي.

على مدار الأعوام التي لحقت بهذا العام، انخرط العثمانيون في المنافسة مع البرتغال في السيطرة على طرق التجارة المهمة في آسيا والمحيط الهندي، وهي المنافسة التي دُشن فيها "عصر الاستكشاف العثماني".

يرى كازالي أن مفهوم "الاستكشاف"، ليس محصوراً على الاستكشافات الأوروبية التي تمت في العالم الجديد في الأميركيتين وأستراليا ورأس الرجاء الصالح، بل يؤكد على أن العثمانيين بدورهم قد اضطلعوا بنصيب وافر من الاستكشاف.

ويرى الباحث أن هناك أربع مقومات رئيسة تحدد مفهوم الاستكشاف، وهي أن تسبقه عزلة جغرافية وثقافية بشكل نسبي، وأن يتبنى أيديولوجيات سياسية توسعية، وأن يلحق به تشجيع على الابتكار في مجالات التقنيات العسكرية والبحرية. أما المقوّم الرابع فهو الاهتمام الفكري غير المسبوق بالعالم الخارجي.

ومن خلال تلك العوامل الأربعة التي تنطبق بشكل كبير على الممارسات البحرية والتجارية العثمانية في المحيط الهندي، فإن الكتاب يقدم صورة غير مسبوقة للحركة العثمانية في تلك المنطقة، من خلال سرد مثير ومهم لحياة مجموعة من سلاطين دولة بني عثمان، والصدور العظام، والولاة، ورُياس البحر الذين خدموا في تلك المنطقة.

ويخلص الكاتب، في نهاية بحثه، إلى أن التفوق البحري لم يكن قط حكراً على الغرب، وهي المقولة التي ترسخت في العقول والأذهان لفترة طويلة، بل إن العثمانيين قد استطاعوا أن يثبتوا أنفسهم في موانئ المحيط الهندي، وأن يحققوا انتصارات متعددة في تلك النواحي البعيدة عن مجال توسعاتهم البرية.

 

هل كان التوجه العثماني للمحيط الهندي "استكشافاً عثمانياً"؟

في مقدمة كتابه، يطرح المؤلف سؤالاً تخيلياً ليثير به شغف القارئ، حيث يتساءل ماذا لو تخيلنا أن محاولات العثمانيين المتواصلة الرامية لغزو القسطنطينية قد فشلت؟

ماذا كان سيحدث لو عجزت جيوش محمد الفاتح عن اسقاط دفاعات عاصمة الإمبراطورية البيزنطية الحصينة؟

يجيب كازالي على هذا السؤال بالقول إن من المؤكد وقتها أن البيزنطيين سوف يواصلون حكمهم، ومن المحتمل أنهم سوف يتوسعون في أقاليم مصر والشام، وربما تمددوا ناحية البحر الأحمر والمحيط الهندي، وهو الأمر الذي كان سيحظى باهتمام كبير من جانب المؤرخين المهتمين بدراسة القرن السادس عشر الميلادي.

بعد أن طرح هذا السؤال المُتخيل، فإن كازالي يعود مرة أخرى إلى أرض الواقع، حيث يؤكد على أن جهود العثمانيين التي قامت بالتنفيذ الفعلي لتلك التوسعات، لم تحظَ بالاهتمام الكافي، وهو ما يدل على أن المؤرخين لم ينظروا إلى تلك الفتوحات، على كونها نوعاً من الاستكشاف الذي كان منتشراً في ذلك العصر، في الدول الأوروبية، وخصوصاً تلك الموجودة في شبه الجزيرة الأيبيرية.

يرى المؤلف أن هناك أربعة أسباب مهمة تفسّر لنا السبب في اعتبار التوجّه العثماني ناحية المحيط الهندي، أحد تجلّيات عصر الاستكشاف البحري. السبب الأول هو أنه قبل الغزو العثماني لمصر، لم يكن للعثمانيين أي اتصال حقيقي بالمحيط الهندي، وهو الأمر الذي يبيّن كيفية الخروج من حالة العزلة الجغرافية النسبية التي كان العثمانيون يعانون منها فيما يخص تلك المنطقة المجهولة لهم من العالم.

السبب الثاني هو أن التوجّه نحو المحيط الهندي قد ساهم في صياغة عدد من النظريات والأيديولوجيات السياسية الجديدة، والتي تتوافق وتتماشى مع المد الجغرافي الجديد، ومن ذلك أن سلاطين بني عثمان قد أدعوا سلطة جديدة على جميع المسلمين الموجودين في المحيط الهندي، فاستخدموا لقبين جديدين وهما "خليفة المسلمين" و"خادم الحرمين الشريفين".

السبب الثالث هو أن العديد من التقنيات العسكرية قد ظهرت أثناء التواجد العثماني في المحيط الهندي. فعلى سبيل المثال قام العثمانيون بنقل تقنيات صناعة الأسلحة النارية والمدافع الثقيلة إلى العديد من المدن والأراضي الواقعة على سواحل المحيط الهندي، وتم استخدام تلك التقنيات بشكل ممتاز إبان مرحلة الصراع مع العدو البرتغالي. وفي السياق نفسه، طوّر العثمانيون نوعاً جديداً من السفن الشراعية عالية الأجناب والتي كان البرتغاليون يستخدمونها أثناء إبحارهم في المياه الهندية.

كما تمكن العثمانيون من زيادة أرباحهم التجارية، من خلال سياسات مالية جديدة، طبقتها الدولة نفسها عبر مجموعة من الوكلاء النشطين.

السبب الرابع والأخير هو أن عصر الاستكشاف العثماني قد "انطبع مثل نظيره الأوروبي بالتوسع الثقافي والفكري في الداخل، تماماً كما انطبع بالتوسع الاقتصادي والإقليمي في الخارج". ويشرح المؤلف تلك النقطة بقوله إن العديد من الرحالة العثمانيين قد سافروا إلى الأراضي القابعة ما وراء البحار، ورجعوا من تلك الأراضي، محملين بالكثير من المغامرات الشيقة والأوصاف المبهرة، في حين انشغل الدارسون المقيمون في اسطنبول بترجمة الأعمال الجغرافية العربية التي كانت مُهملة من قبل، والتي تناولت وصف البقاع الجغرافية الغامضة في المحيط الهندي. وكان نتاج جميع تلك المجهودات العظيمة للمغامرين والجغرافيين معاً، هو ظهور "الخرائط والأطالس والكتابات الجغرافية الجديدة التي كانت عثمانية على نحو مميز، والتي أسهمت بقوة في تغيير رؤية العالم العثمانية، والتي أدت دوراً حاسماً في صياغة الأهداف الأيديولوجية والاستراتيجية للعثمانيين في تنافسهم مع خصومهم الإمبرياليين في الغرب".

وبموجب تلك الأسباب الأربعة، فإن الباحث جانكارلو كازالي يؤكد على أن ما قام به العثمانيون في المحيط الهندي، هو نوع من أنواع الاستكشافات الجغرافية التي ظهرت وتطورت في القرنين الخامس عشر والسادس عشر الميلاديين، وأن تلك الاستكشافات العثمانية لا تقل أبداً في أهميتها عن مثيلتها البرتغالية أو الإسبانية.

 

سليم الأول: أول سلاطين بني عثمان اهتماماً بالمحيط الهندي

يرى المؤلف أن هناك العديد من أوجه الشبه، التي تجمع ما بين السلطان العثماني سليم الأول، والمغامر البرتغالي هنري الملاح، ومن هنا فهو يُطلق على السلطان العثماني اسم "سليم الملاح".

بحسب ما هو معروف فإن هنري الملاح كان صاحب رؤية بحرية مهمة، وهو صاحب الفضل في وضع الأسس التوسعية البحرية الأوروبية، وهو الأمر الذي شابهه فيه السلطان سليم، بعدما وضع خطة للاتصال بعالم المحيط الهندي، ووجه أنظار خلفاءه إلى تلك البقعة الجغرافية المهمة في العالم.

يرى كازالي أن كلاً من البرتغال والدولة العثمانية، قد عانتا من ظروف صعبة فيما يخص خلفية الحملات الاستكشافية البحرية. فالبرتغال –على امتداد العصور الوسطى-كانت تعاني من نقص حاد في المعلومات البحرية، ومع توالي عودة المستكشفين من رحلات ما وراء البحار بدايةً من القرن الخامس عشر الميلادي، "وجد الدارسون أنفسهم مضطرين إلى التوفيق بين الكميات الهائلة من المعلومات العلمية الجديدة حول الكرة الأرضية، وكونيات العصور الوسطى التي تكشف عوارها شيئاً فشيئاً"، وكانت محصلة هذا التوفيق هو نشوء وعي جديد بالعالم الخارجي.

ويلاحظ المؤلف أن البرتغاليين قد اعتمدوا بشكل كبير على المؤلفات والمصادر العربية التي تتعلق بالمحيط الهندي، ففاسكو دا غاما قد اعتمد على البحارة العربي العُماني أحمد بن ماجد في رحلته الاستكشافية.

وبالنسبة للعثمانيين، فإن كازالي يؤكد على جهلهم بجغرافية المحيط الهندي، وبأنهم كانوا غير ملمّين بأي مدوّنة جغرافية عربية ذات صلة بهذا الموضوع، ولا توجد أي أدلة على أن كتب أو خرائط الجغرافيين العرب قد وصلت إلى اسطنبول في تلك المرحلة، حيث لم يعرف العثمانيون من كتب الجغرافيا العربية إلا كتاب "عجائب المخلوقات" لزكريا القزويني، وهو بحسب رأي المؤلف "موسوعة شبه خيالية من القرن الثالث عشر في علم الحيوان وعلم النبات وعلم الكون، ولا قيمة له كنص جغرافي".

أما بالنسبة للبرتغاليين، فقد تطورت معارفهم الجغرافية، بدءاً من العام 1400م، عندما تم الاهتمام بدراسة النصوص الجغرافية الكلاسيكية، ولا سيما تلك التي ترجع لكل من استرابو وبليني الأكبر وبطليموس. وعلى الجهة المقابلة، فإن كازالي يؤكد على أن عملية تطوير المعرفة الجغرافية عند العثمانيين، قد وقعت بفضل رعاية السلطان محمد الثاني، خلال العقود الوسطى من القرن الخامس عشر الميلادي، وأن تلك المعارف قد تطورت بشكل هائل في عهد السلطان سليم الأول.

ففي عهد سليم، بدأ الاهتمام الجغرافي خارج شواطئ البحر المتوسط. فعلى سبيل المثال ظهر كتاب "خيتاي نامه" الذي يقدم وصفاً لرحلة من إيران إلى الصين، سجّلها أحد التجار العثمانيين وأهداها إلى السلطان. وفي التوقيت ذاته، كتب مؤلف مجهول كتاب بعنوان "واقعات السلطان جم" وهو قصة ترحال الأمير جم في بلاد المنفى في رودس وفرنسا وإيطاليا.

وفي مرحلة حكم سليم، ظهر رسام الخرائط الشهير "الريس بيري"، والذي رسم خريطة شهيرة للعالم في عام 1513م، وقدمها بنفسه إلى السلطان سليم بعد دخوله المظفر إلى القاهرة في عام 1517م.

من هنا فإن المؤلف ينسب البداية الحقيقية لعصر الاستكشاف العثماني إلى فترة حكم السلطان سليم، خصوصاً أن تلك الفترة قد شهدت مجموعة من الاتصالات بين تجار التوابل في المحيط الهندي من جهة والسلطة العثمانية من جهة أخرى، مما يدفعنا لى التفكير في أن التوجّه العثماني للمياه الهندية قد وقع بسبب الرغبة في جني الأرباح الوفيرة.

ويرى الباحث أن هناك تطوراً مشابهاً قد وقع لكل من السلطتين البرتغالية والعثمانية، إبان مرحلتي تدشين الاستكشاف الجغرافي عند كل منهما. ففي الحالة الأولى، منحت الباباوية البرتغاليين عدداً من المراسيم التي خصّتهم بها بحقوق حصرية في الملاحة والفتوح في كل المناطق المكتشفة حديثاً في المحيط الأطلسي وعلى طول الساحل الأفريقي. ومن هنا فقد كانت تلك المراسيم تفويضاً شرعياً لفرض السلطة البرتغالية على الأراضي الجديدة، ويمكننا فهم التغيير الواقع في اللقب الإمبراطوري الجديد لملوك البرتغال، حيث لُقب الملك البرتغالي بـ"ملك البرتغال وسيد غينيا وسيد الفتوح والملاحة والتجارة في إثيوبيا وشبه الجزيرة العربية وبلاد فارس والهند"، وهو اللقب الذي كتب المؤرخ البرتغالي أنطونيو فاسكونسيلز دي سالدانيا عنه قائلاً: "إنه لأول مرة  في التاريخ، لا يتطابق لقب ملوك البرتغال مع فضاء جغرافي يسيطرون عليه فعلياً، بل بالأحرى مع فضاء سياسي يستند إلى شرعية سياسية متخيّلة نتجت عن تقاليد ديبلوماسية ونالت شرعيتها من سلطة البابا".

أما في الحالة الثانية، فقد اتخذ سليم الأول بعد دخوله للقاهرة، لقب خادم الحرمين الشريفين، وأجبر الخليفة المتوكل، أخر خلفاء الدولة العباسية في القاهرة على التنازل له عن هذا اللقب، وهو الأمر الذي يدل –بحسب ما يرى المؤلف- "على ادعاء نوع جديد تماماً من السيادة الإمبريالية لم تكن تتطابق مع فضاء جغرافي يخضع لسيطرته فعلياً، بل كانت بالأحرى تتطابق مع فضاء سياسي عالمي توسعي تعرفت حدوده من خلال عالمية لغة الإسلام".

 

عصر الاستطلاع: الصدر الأعظم إبراهيم باشا وحملته على مصر

ولد إبراهيم باشا في شمال غرب اليونان، وتم اختطافه وهو في السادسة من العمر، والتقى بالأمير سليمان القانوني، وقيل إن سليمان قد أُعجب به بسبب عزفه الجميل على الكمان، ومنذ ذلك الوقت صار الشابان متلازمين. وعندما اعتلى السلطان سليمان القانوني العرش بعد وفاة أبيه سليم الأول في عام 1520م، رافقه إبراهيم وتدرج في المناصب السياسية بسرعة كبيرة بسبب قربه الشديد من السلطان وعلاقته الوطيدة به. وفي 1523م تم تعيين إبراهيم باشا صدراً أعظم، ليصبح صاحب أعلى منصب في الإدارة المدنية والعسكرية العثمانية.

في ذلك الوقت كان السلطان قد عيّن أحمد باشا والياً على مصر، ولكن الوالي الذي كان يطمح إلى الوصول لمنصب الصدر الأعظم، سرعان ما أعلن عن عصيانه وتمرده، وكان ذلك سبباً في إرسال حملة إبراهيم باشا على مصر، والتي سينتج عنها العديد من النتائج المهمة فيما يخص الكشوفات العثمانية في المحيط الهندي.

ويذكر المؤلف أن إبراهيم قد تمكن من القضاء على التمرد بشكل سريع، حيث استطاع أن يدخل القاهرة ويعدم الوالي الخائن في غضون أسابيع قليلة. ولكن النتائج الأهم للحملة كانت متعلقة بالصراع مع البرتغاليين في منطقة المحيط الهندي، ففي أثناء السفر إلى مصر، التقى إبراهيم باشا بالريس بيري، وتناقش الرجلان كثيراً في عدد من التفصيلات البحرية المهمة. وبعد الوصول إلى مصر كلّف الصدر الأعظم البحار العثماني، بإكمال طبعة موسعة من العمل الذي كان يرجع إليه خلال إبحارهما، وهو الأطلس والدليل الملاحي الذي كان بيري قد أكمله بعد ذلك بعنوان "كتاب البحرية". ويصف المؤلف هذا الكتاب بأنه "كان هذا العمل المرجعي في شكله النهائي الذي قُدم إلى السلطان في العام 1526م إسهاماً فكرياً رائداً واختراقاً، حتى أنه اليوم يُعد الإنجاز الأهم على الإطلاق للجغرافيا ورسم الخرائط العثمانيين".

الخطوة الثانية المهمة التي قام بها إبراهيم باشا كانت الحصول على خريطة لطوفان ماجلان البحري حول الكرة الأرضية، وهي خريطة تُنسب إلى رسام الخرائط الرسمي بالبلاط البرتغالي بيدرو رينيل، وتحتوي على تسجيل أصيل للاكتشافات التي نفذها ماجلان في نصف الكرة الأرضية الغربي ولأحدث المعلومات حتى العام 1519م. وكان الحصول على تلك الخريطة ضربة استخباراتية مهمة للعثمانيين في صراعهم مع الجانب البرتغالي، ويعتقد المؤلف أن إبراهيم باشا قد تمكن من الحصول عليها بواسطة وسطاء بنادقة.

الإسهام الثالث الذي قام به الصدر الأعظم هو أنه أثناء وجوده في مصر، تعرف على الريس سلمان، وهو أحد القادة البحريين الذين عملوا مع الجانب المملوكي من قبل، واستطاع في إحدى المرات أن يتصدى ببطولة لهجوم برتغالي على جدة، ولكن بعد الفتح العثماني لمصر، تم الزج به في السجن.

إبراهيم باشا كان يعتقد بالأهمية الكبرى التي يمثلها الريس سلمان في معارك المحيط الهندي، ولذلك التقى به واستشاره، فأشار عليه البحار صاحب الخبرة الكبيرة بمشورتين رئيستين هما: الأولى أن يتم تجديد الأسطول المملوكي الموجود أمام ميناء مدينة جدة، وذلك لاحتمالية قيام البرتغاليين بشن حملة بحرية مفاجئة على ذلك الميناء المهم، والثانية أن يتم فرض السيطرة العثمانية المباشرة على اليمن، لأن اليمن هو المفتاح الاستراتيجي الأول والأهم للمحيط الهندي.

تلك النصائح المهمة، سرعان ما وجدت قبولاً عند الصدر الأعظم، فقام بتنفيذها، وعيّن الريس سلمان في موقع قيادة الأسطول العثماني في تلك المنطقة. كما أوكل مهمة مساعدته لعدد من أقربائه. وعلى الرغم من النجاح الكبير الذي تحقق في معركة الاستكشافات العثمانية في تلك المرحلة، إلا أن تلك المرحلة انتهت بكارثة عندما قام السلطان العثماني سليمان القانوني بإعدام صديقه القديم في عام 1535م، بعدما شك في نياته تجاه السطو على السلطة.

 

سليمان الخادم، رستم وصوكولو: كيف توسع العثمانيون في مياه المحيط الهندي؟

بعد مقتل الصدر الأعظم إبراهيم باشا في 1535م، ظهر العديد من المتنافسين على السلطة في البلاط العثماني، وفي 1541م استطاع والي مصر سليمان باشا الخادم، أن يلفت أنظار السلطان سليمان القانوني، فقام بتعيينه في منصب الصدارة العُظمى.

ويلاحظ كازالي أن سليمان باشا الخادم، كان أول رجال السياسة العثمانيين، الذي يصلون إلى منصب الصدر الأعظم عبر بوابة جهودهم المبذولة في ميدان المحيط الهندي، وهو الأمر الذي يدل على الأهمية المتنامية لتلك البقعة من العالم في تلك الفترة.

دور سليمان في المحيط الهندي بدأ خلال فترة سلطة إبراهيم باشا نفسه، فقد كان سليمان مساعداً له في مشاريعه التوسعية. كما أن والي مصر المخضرم قد عمل مع كبار المستشارين في الشؤون البرتغالية، وكان بالإضافة إلى كل ذلك جامعاً نهماً ورساماً للخرائط، وقد عُرف بوضعه خرائط ملاحية مهمة للمحيط الهندي. وكانت تلك الخرائط على درجة كبيرة من الموثوقية إلى الحد الذي جعل المسؤولين العثمانيين يعتمدون عليها بشكل مطلق حتى العقد قبل الأخير من القرن السادس عشر الميلادي.

وإلى جانب كل تلك المميّزات، فإن سليمان باشا قد اتصل بشكل جيد بالتجار الذين يعملون بتجارة التوابل في المحيط الهندي، والذين انتشروا في شتى موانئ البحر الأحمر والمحيط الهندي.

في 1538م، قاد سليمان باشا حملة بحرية ضخمة في المحيط الهندي، حيث عمل على القضاء على النفوذ البرتغالي في الأقاليم والمدن الإسلامية. وبرغم أن تلك الحملة قد سبقها تخطيط وتنسيق مع السلطات القائمة في تلك المدن، إلا أنها فشلت في النهاية في تحقيق أهدافها للعديد من الأسباب، وانسحبت بعدما عجزت عن اقتحام ميناء مدينة ديو في أيلول - سبتمبر 1538م.

في 1541م، أثبتت التحصينات الدفاعية التي أقامها سليمان باشا الخادم في السويس، نجاحها وقدرتها على الصمود في وجه العدو، بعدما قاد إستيفو دا غاما أسطولاً شمل 40 سفينة، وما يزيد عن الألفين رجل، وقاده بنية إسقاط ميناء السويس، وتدمير الأسطول الإمبراطوري المرابط فيه، وهدم الترسانة البحرية الموجودة فيه. ولكن كل تلك الأحلام البرتغالية تبخرت في نهاية المطاف، بعدما تراجعت تلك السفن دون أن يتمكن البرتغاليون من مجرد النزول على الشاطئ.

بعد انتهاء مرحلة سليمان باشا الخادم، بدأت مرحلة نفوذ رستم باشا، وهو أحد الساسة العثمانيين الذين تمكنوا من الوصول لإلى أعلى المراتب في هرم السلطة، بعدما تزوج من ابنة السلطانة خُرم.

بحسب ما يذكر المؤلف كازالي، فإن سياسة رستم باشا تجاه المحيط الهندي، كانت تتجه بالأساس نحو التهميش والبعد عن الصراعات القائمة فيه. ولكن الواقع اختلف كثيراً عن ذلك، لأن سنوات صدارته العُظمى قد شهدت صراعاً مطولاً من الشد والإرخاء بين الصدر الأعظم وائتلاف منبثق من خصومه، يسميه المؤلف "عصبة المحيط الهندي".

يرى المؤلف أن رستم باشا قد عمل بدأب خلال هذا الصراع على احتواء خصومه بتحويل المناطق الحدودية على البحر الأحمر و"الخليج العربي" إلى جزء لا يتجزأ من الإمبراطورية، وذلك من خلال "تقييد الاستقلالية الإدارية المحلية أينما أمكن، والاستعاضة عن الرجال الذين عيّنهم سليمان الخادم برجال من اختياره، وإعادة توجيه النشاط بعيداً عن البحر ونحو المنطقة الداخلية، وكانت أهداف عصبة المحيط الهندي تتعارض مع أهداف رستم، فعملوا من خلال مقاومة تدخله على الاحتفاظ لأنفسهم بالحكم الذاتي المحلي، وواصلوا بالتالي الارتباط السياسي والاقتصادي مع عالم المحيط الهندي الأكبر".

بعد ذلك يستعرض المؤلف فترة سلطة الصدر الأعظم محمد باشا صوكولو، والتي امتدت على مدار ثمانية عشر عاماً، في الفترة من عام 1561م إلى عام 1579م.

يرى كازالي أن صوكولو قد تمتع بشخصية مختلفة عن سابقيه ممن شغلوا منصب الصدارة العُظمى، فقد كان محمد صوكولو متمتعاً بفهم عميق وشامل للأحداث العالمية، مما جعله إبان فترة صدارته يتكئ على مخزون ضخم من المعرفة المتراكمة، وهو الأمر الذي مكّنه من "أن يضع استراتيجية كبرى للتوسع الإمبريالي"، كما أهله للجمع بين "تقدير الإمكانيات الخطابية الواسعة للمزاعم العثمانية بالسيادة العالمية، وفهم المتطلبات التقنية لبناء شبكة عالمية من الاتصالات لتكون الوسيلة الأساسية للتعبير عن هذه المزاعم".

ومن أهم المشاريع –ذات الصبغة العالمية- التي عمل صوكولو على تنفيذها، كان مشروع ربط البحر الأحمر بالبحر المتوسط، حيث أرسل في أوائل العام 1568م إلى والي مصر أمراً إياه بتنفيذ دراسة جدوى لهذا المشروع، وذلك في الوقت الذي كان فيه العثمانيون يُعانون من آثار الثورة الزيدية في اليمن. وقد ورد في رسالته تلك "بمجرد أن تصلك رسالتي، إجمع أمهر المعماريين والمهندسين في هذه الولاية، وأرسل معهم مساعدين حتى يعاينوا الأرض بين البحر الأبيض المتوسط وميناء السويس، وبمجرد أن يقرروا إمكانية حفر قناة من عدمها، والمدة اللازمة لحفرها، وعدد السفن التي يمكن أن تعبرها، أبلغنا بذلك كله، حتى تجري التحضيرات اللازمة ويبدأ الحفر، بإذن الله سنكمل هذه القناة، وبعونه تعالى سيكون النصر حليفنا في جهادنا في سبيله في تلك البلاد، بالقضاء على الوحوش الضالة التي انفصلت عن القطيع بالقرب من المدينتين المشرفتين وغزو الكفار البرتغاليين في بلاد الهند وقهرهم".

وعلى الرغم من أنه لم يتم حفر القناة في نهاية المطاف بسبب قرار الخبراء والمساحين، إلا أن خطة صوكولو في حفرها، كانت تعبّر عن نيته المُبيّته في أن "يجعل الأمة الإسلامية المُتخيلة واقعاً على الأرض بإيجاد شبكة نقل عالمية متمركزة حول الإمبراطورية العثمانية تمتد إلى أبعد أنحاء العالم الإسلامي".

ويلفت كازالي نظر القراء إلى النجاح الكبير الذي حققه صوكولو باشا فيما يتعلق بتجارة التوابل في المحيط الهندي. فرغم أن مساعي الصدر الأعظم السياسية والعسكرية لم تلقَ إلا نجاحاً مختلطاً، فإن الإنجاز الأهم والأبقى لم يكن في الميدان العسكري، بل تحقق في عالم التجارة والمال، حيث أسفرت أعماله وخططه عن تحسين المرافق الخدمية البحرية العثمانية في كل من سواحل البحر الأحمر وسواحل المحيط الهندي، فقد تم توسيع ترسانات المخا وسواكن والأحساء، وإقامة مسبك دافع في البصرة، وتم ترميم القلاع للدفاع عن مينائي مصوع وسواكن، كما تم إنشاء مرافق حربية متنوعة لتصنيع البارود في البصرة واليمن.

أما أعظم إنجازات صوكولو على الإطلاق، فكان عمله الإصلاحي الشامل في تجارة التوابل العثمانية، وإعادة تنظيمها وترشيدها. فبحسب ما يذهب إليه المؤلف، فإن النصف الثاني من القرن السادس عشر، قد شهد مشاركة فعالة من الدولة العثمانية في سوق التوابل الدولي بطريقة جديدة تماماً، "إذ أخذت تتربح من التوابل، وليس فقط من الجمع السلبي لعائدات الجمارك".

ويضرب المؤلف مثالاً على ذلك، بعلاقة الدولة العثمانية ببعض الدول والإمارات الموجودة في إندونسيا، مثل سومطرة وآتشيه، اللتين بقيت فيهما المصالح التجارية العثمانية قائمة لفترة طويلة، حتى بعد انتهاء العلاقات السياسية.