"ساحر أوز العجيب".. بين نبل الفكرة وقصور التنفيذ

الرواية تنتمي إلى أدب الفانتازيا، وخصوصاً هذا النوع الذي يتكلم عن العوالم الواقعة وراء عوالمنا المألوفة ولكن يفصلنا عنها ستار رقيق.

ترجمة رواية "ساحر أوز العجيب" للكاتب الأميركي ليمان فرانك باوم

صدرت ترجمة رواية "ساحر أوز العجيب" للكاتب الأميركي ليمان فرانك باوم عن دار بيت الياسمين من ترجمة بسمة ناجي، وقد صدرت الرواية الأصلية سنة 1900 وتعد من كلاسيكيات الأدب الأميركي، وقد تركت بصمتها في عالم الأدب والسينما والموسيقى، فقد اِقتُبسَ العمل وقُدِّمَ في أشكال موسيقية وسينمائية أشهرها فيلم ساحر أوز سنة 1939 من انتاج الشركة الشهيرة ميترو جولدن ماير. وجاءت ترجمة العمل بلغة عربية فصيحة ولكنها سهلة سلسلة مناسبة لسن اليافعين الموجهة لهم الرواية بشكلٍ أساسي، مصحوبة بالرسومات الجميلة التي صدرت مع الكتاب الأصلي للفنان وليام والاس دانسلو.

الرواية تنتمي إلى أدب الفانتازيا، وخصوصاً هذا النوع الذي يتكلم عن العوالم الواقعة وراء عوالمنا المألوفة ولكن يفصلنا عنها ستار رقيق، الأمر يشبه حفرة الأرنب التي تأخذنا إلى بلاد العجائب في رواية أليس، أو خزانة الملابس التي تأخذنا إلى مدينة المربى في رواية كسارة البندق. ففي الرواية نجد الفتاة دوروثي التي تعيش مع العم هنري وزوجته الخالة إيم في بيت متواضع في ولاية كنساس. وذات يوم يأتي إعصار ليحمل البيت وبه دوروثي وكلبها الصغير توتو إلى عالم أوز العجيب، ومن هنا تبدأ الحبكة، وتبدأ المشكلات.

 

هل عالم أوز العجيب، عجيب حقًا؟

يسقط البيت في أرض المانشكين ويؤدي سقوط البيت إلى قتل ساحرة الشرق الشريرة، التي تحكم قوم المانشكين، من دون أن يخبرنا الكاتب بالمزيد من التفاصيل عنها أو عن هؤلاء القوم ليجعلنا نقتنع أنها تستحق القتل حقًا، وتخبرها ساحرة الشمال الطيبة أن عليها الذهاب إلى ساحر أوز الطيب في مدينة الزمرد ليساعدها على العودة إلى بيتها، ثم تهديها حذاء الساحرة التي قتلتها وتخبرها أن لهذا الحذاء قدرة سحرية. وهذا سيقودنا إلى مشكلة أخرى لاحقًا.

ومن هنا تبدأ البطلة رحلتها إلى أوز ومدينة الزمرد، وفي الطريق تلتقي بالأبطال الثلاثة الآخرين، خيال المآته الذي يريد عقلًا، ورجل الصفيح الذي يريد قلبًا، والأسد الذي يريد الشجاعة، ولكن لم أشعر تجاه أي من الشخصيات الثلاثة ـ أو الأربعة بما فيهم البطلة دوروثي ـ بأي تعاطف؛ فجميعهم قوالب محفوظة لشخصيات أدب الطفل، بلا أي محاولة للتجديد، وكذلك وصف العالم ووصف المخلوقات في داخله كان وصفًا سطحيًا بلا أي تعمق، لم أشعر أنني أعيش في عالم أوز كما قد أشعر في روايات الفانتازيا الأخرى، ولم أشعر أن أيًا من المخلوقات التي وصفت فيه قد علقت بذهني بعد الانتهاء من الكتاب.

حتى مدينة الزمرد الخضراء، التي يفترض أن تكون حجر الأساس لهذا العالم الخيالي، نكتشف أنها ليست مصنوعة من الزمرد حقًا بل هي مجرد خدعة من أوز بعدما جعلهم يرتدون نظارات خضراء اللون ليصير كل شيء لونه أخضر في نظرهم، وأوز ذاته محتال وليس ساحرًا حقيقيًا، وجاء إلى عالم أوز بطريقة مشابهة للطريقة التي جاءت بها دوروثي. الأمر يذكرني بروايات نارنيا للكاتب سي إس لويس، الذي اعتقد أنه حذا حذو باوم أثناء بناء عالمه، فعند قراءته أيضًا انتابني إحساس أن الكاتب لا يكتب العمل لأنه ابتكر شيئًا ويريد التعبير عنه، بل لأنه يريد الكتابة للأطفال لتوصيل حكمة وعبرة إلى الأطفال فيستخدم القوالب المحفوظة في الكتابة للأطفال. ففي حالة لويس كان يريد تقديم التعاليم المسيحية من خلال التعبير عن المسيح في صورة الأسد أصلان، أما باوم فإنه يقدم دروس تربوية عن الصداقة والشجاعة وقتل الساحرات الشريرات.

 

المشكلة والحل، أو الإله من الآلة

في أي عمل أدبي تكون المغامرة أو الصراع هي المحرك للأحداث، وهي ما يثير اهتمام القارئ لإكمال قراءة العمل، أو حسب التقسيم الأدبي المشهور "البداية ـ العقدة ـ الحل". والبداية هنا هي وصول دوروثي إلى عالم أوز العجيب، والعقدة هي رغبتها في العودة إلى بيتها، والحل هي عودتها بالطبع. ولكن لم أشعر في أي لحظة طيلة أحداث القصة أن الأبطال يواجهون مأزقًا أو خطرًا حقيقيًا؛ فكلما واجه الأبطال مشكلةً يُقَدَّم لهم الحل على طبقٍ من ذهب، من دون تعب حقيقي من الأبطال لاستحقاق هذا الحل. فدوروثي مثلًا تنقذ شعب المانشكين المسكين بأن تسقط بالبيت فوق ساحرة الشرق الشريرة، من دون تعب أو تدخل منها، وكذلك قتل ساحرة الغرب الشريرة بأن تلقي عليها الماء بالصدفة من دون أن تعرف أن الماء هو نقطة ضعف الساحرة لتجدها تذوب أمام عينيها.

هذا يشبه فكرة الإله من الآلة في المسارح الإغريقية القديمة، حيث يتأزم الموقف في وجه البطل، فيرتدي أحد الممثلين زي آلهة الإغريق وينزلونه بواسطة آلة لكي يحل كل الأشياء بإشارة من يده، وهذا يأخذني مرةً أخرى إلى لويس ونارنيا، حيث تعاني روايات نارنيا من المشكلة ذاتها، فأصلان "الإله في عالم نارنيا" يتدخل دومًا لإصلاح كل مشكلة يواجهها الأبطال مما يفقد الأحداث إثارتها وحماستها.

وفي النهاية تكتشف دوروثي أنه لكي تعود إلى كنساس فعليها أن تطرق حذاءيّ ساحرة الشرق ببعضهما البعض ثلاث مرات ليأخذها إلى أي مكان تريده، أي أن الحل كان معها طيلة الوقت، مما قد يجعل القارئ يشعر بعبثية الرحلة كلها.

 

العنف في الرواية غير مناسب للأطفال

الرواية فيها العديد من المشاهد العنيفة التي لا أعرف كيف ظن الكاتب أنها لائقة بكتاب للأطفال، فيصف لنا رجل الصفيح (ص57) كيف مزقت الفأس أطرافه عندما كان بشريًا واحدًا تلو الآخر. كما تقدم الرواية لنا الحيوانات الناطقة الذكية في صورة الأسد الجبان الذي يبحث عن الشجاعة، ثم تُفاجِئنا (ص72) بحديث الأسد عن صيد غزالٍ وشيّه، ولاحقًا تصف الرواية مشاهد قاسية مثل (ص131) حين تهجم الذئاب عليهم فيقول الكاتب: "ثم قبض على فأسه، التي شحذها بشدة، وحين هجم كبير الذئاب، نزل رجل الصفيح بالفأس على رقبة الذئب فاصلًا رأسه عن جسده فسقط ميتًا للتو. وبمجرد أن رفع فأسه هاجمه ذئب آخر، وسقط أيضًا تحت حدة نصل سلاح رجل الصفيح. كانوا أربعين ذئبًا، وأربعين هجمة يُقْتَل في كلٍ منها ذئبٌ؛ سقطوا جميعًا قتلى في كومة أمام الحطاب."

وأيضًا عندما يهجم عليهم الغربان (ص132) يقول الكاتب: "اقترب ملك الغربان من خيال المآته، الذي التقطه من رأسه ولوى رقبته حتى فارق الحياة. بعدها اقترب غراب آخر، وقام خيال المآته بلوي رقبته أيضًا. كانوا أربعين غرابًا، وأربعين مرة يلوي خيال المآته رقبة أحدهم، حتى سقطوا قتلى إلى جانبه في النهاية."

لاحظ أن كل هذا العنف في عالم فيه الحيوانات عاقلة وتتكلم، وحتى دوروثي لم تتأثر بمقتل ساحرة الشرق ورؤيتها لها تنصهر أمام عينيها، بل سكبت عليها دلوًا آخر وكنست بقايا الساحرة خارج الباب!

 

إشكالية الشر في الرواية

في المعتاد يتعلم الأطفال من هذه الروايات أن الخير يجب أن ينتصر على الشر، ولا مشكلة في ذلك، المشكلة أن الكاتب لم يوضح أو يفسّر هذا الشر، فالساحرة الأولى "ساحرة الشرق" تقتلها دوروثي قبل أن نرى شيئًا من أفعالها، ليتيقن القارئ من كونها شريرة تستحق القتل. بل وحتى ساحرة الغرب الشريرة لا نرى من أفعالها ما يشي بالكثير من الشر سوى إجبار البطلة على بعض الأعمال المنزلية، وهكذا فإن قتلها بهذا الشكل قد يعطي الطفل صورة مشوّهة عن الشر، بجانب العنف الموصوف في الرواية كما ذكرت سابقًا، فلست واثقًا من الدرس التربوي الذي قد يخرج منه الطفل في نهاية الأمر بعد الانتهاء من قراءة الرواية.

وقد يدافع البعض عن الكتاب بكونه قديمًا، ولكن الحقيقة أن هناك كتب فانتازيا للأطفال سبقت هذا الكتاب وتفوقت عليه في مناحٍ عديدة، مثل "أليس في بلاد العجائب" التي يوجد بون شاسع بينها وبين عالم أوز العجيب؛ ما تواجهه أليس في بلاد العجائب ليس مجرد ساحرة شريرة، أو فكرة قاصرة عن الشر، فلويس كارول يعامل الطفل في الرواية كندٍ له، يتحداه بالألاعيب اللغوية، والأحاجي الكلامية، وهذا هو ما نحتاجه في قصص الأطفال، أن نتحداهم، وندفعهم لاستكشاف ذاتهم، وإعمال عقولهم في أفكارٍ يتجاور فيها الخيال مع الواقع.