مسرحية "الروهة" لعبد الحليم المسعودي: كيف أضعنا طريق الأنهار؟

يصف شمس الدين خواص الدواعش: "أولئك الجزراويون وجوه الإبل الراغية اللعنة عليهم وعلى أردافهم، اللعنة على وجوهمم القميئة، اللعنة على تقواهم الكاذبة ..، اللعنة على عهرهم، اللعنة على لحاهم القذرة، اللعنة عليهم وهم يتكلمون...".

مسرحية "الروهة" لعبد الحليم المسعودي: كيف أضعنا طريق الأنهار؟

"كلّ من عمل باطلاً فوق هذه الدنيا سيبقى هنا(*) مكبّلاً بعذاب ربّه إلى أن يجفّ الفرات من منبعه إلى مصبّه(*) ويجري دجلة خارج مجراه(*) إلى أن تجفّ جميع المياه في البحار، وفي الجداول والأنهار والعيون والآبار بعدها(*)." ص 176.

هل يكفي هذا الوعد القديم من "الكنزربا" ،الكتاب المقدسّ للصابئة المندائيين لمواجهة الشرّ؟ القرآن العظيم الجليل(بعبارة ابن عربي)، يعتبر أنّ قتل إنسان واحد يعادل قتل الناس جميعاً. ولكن ماذا نفعل إذا ما حدث القتل الذريع باسم القرآن؟ وأكثر من ذلك، ماذا بقدرة الأدب أن يفعل في مواجهة الدواعش، "لقد فخّخوا كلّ شيء حتّى الهواء"(ص 58) ؟

مسرحية "الروهة" لعبد الحليم المسعودي، الصادرة حديثاً عن دار مسكلياني(2019)، تنبئنا أنّ بقدرة الشعر الرفيع أن ينتصر على رهط البرابرة الجدد.

يدرّس المسعودي الجماليات والأدب والمسرح في الجامعة التونسية. وهو إعلامي وناقد مسرحي ألمعي، ربما انتظر طويلاً كي يمرّ من النقد المسرحي إلى الإبداع. ولكنّ الواضح أنّ "الروهة" هي كتاب كان يجب أن يكتب، كتاب كتب بقوة ويجب أن نأخذه بقوّة.

 

الهروب من قيامة الدواعش إلى الكهف

أول ما سيفاجئك في مسرحية "الروهة" هو الهوّة الذّي تخيّرها الكاتب لتحتضن أقدار شخصياته:  "... كهف هائل كما تدلّ جدرانه "الأرشيتكونية" الظاهرة كتضاريس منحوتة والتي على صفحاتها تلتمع حُبيْباتُ الكريستال المنغرسة فيها كأنّها نجوم بعيدة تنُوسُ في سماء رماديّة مظلمة. ورغم ذلك، فالمكان موحشٌ لا محالة، غائرٌ في باطن الأرض كأنّه شاهد على فجر سحيق، أيّ فجرُ الرّحم الأرضي وهو يمضغ مصائر وأحداثاً ستأتي رغم أنّ الزمن نائم في بدايته متربّص بحدث ما، أو متربصٌّ بالعدم..."(ص11).

 تتعدّد الدلالات الممكنة لهذا المكان الفارغ المشحون بالرمزية العالية، من سؤال الحقيقة والمعرفة (كهف أفلاطون) إلى سؤال الزمن (القرآن الكريم). ومن الطبيعي أنّ هذه الإشكاليات تحضر في مسرحيّة "الروهة". ولكنّ الدلالة الجديدة التي يضيفها المسعودي للمكان، هي دلالة الرعب وكيفية مواجهته. فالكهف شاهد "يمضغ مصائر وأحداثا ستأتي..". وبالتالي فإنّ ما يحدث في حاضر المسرحية من أقدار ومن هول عظيم، تحدث حقيقة في مستقبل الكهف. كأنّنا في عود أزليّ، في دائرة يهتدي فيها الكائن إلى النجدين: "الخير والشرّ"، غير أنّ الدواعش جنحوا إلى إنتاج الشرّ العظيم.

يقول الكاتب إنّ  العرب أنتجوا، بدورهم، بربريّة غير مسبوقة هي الفكر التكفيري، وأن ما دفعه إلى الكتابة هو ضرورة التفكير في هذه التراجيديا الكبرى كما فعل الأوروبيون مع المحرقة النازية. وإذا ما كان عالم الاجتماع  والفيلسوف الألماني أدرنو قد اعتبر أنّ "كتابة قصيدةٍ بعد  أوسفيتش هي عمل بربريٌّ"، بإمكان المسعودي، العربي المسلم أن يتساءل: بعد ما اقترفه الدواعش في العراق وسوريا خصوصاً حيث أقاموا دولتهم " الإسلاميّة"، هل أنّ النور ممكن بعد هذه " الواقعة" التي وقعت (لا يمكن وصفها إلاّ بهذه الكلمة من القرآن الكريم بدلالتها القياميّة)؟

  يتحدّر المسعودي من مدينة منجمية هي "الجريصة" الواقعة في الشمال الغربي التونسي. وفي طفولته كان مأخوذاً بالداموس وما يلتمع فيه من حبيبات الكريستال حين يشتعل الضوء. حتّى أنّه كان يشعر أنّه في رحم أمومي دافئ. وكان يحلم بالكتابة عن هذا المكان المُغوي والمبشّر بالطفولة وبالأمان المفقود. خيار الكتابة عن الكهف، بالإضافة إلى وجوده كإمكانية تعيده إلى طفولته، فرضه الواقع، نقطة انطلاق كلّ كتابة حقيقية. لا حاجة للذهاب إلى الإستعارة وإلى المجاز،لأنّ الواقع خصب بدلالاته المرعبة.

الكهف في "الروهة" حقيقيّ. فقد كان الدواعش يرمون بجثث القتلى والجرحى في كهوف تقع في الرقّة والموصل. تصوّروا جريحاً، كائناً عراقياً أو سورياً، حقيقياً يملك اسماً وحياة وأحلاماً وخيبات ويقترف أحياناً شروراً أو بطولات عيش صغيرة، بعد أن عايش بربرية التكفيريين يُلقى به هناك، ليستمرّ في معايشة الرعب.

 

شخصيّات وجدت مؤلفها

 ثمّة بشر ألُقي بهم في الجبّ أو وجدوا أنفسهم فيه، بمحض صدفة حبكها المؤلف ببراعة. حتّى أنّك أمام صخبهم وتعثراتهم الكثيرة في المتاهة الملتبسة التي علقوا فيها تكاد تلمسهم. وتنتبه أنّ ملامحهم تشبه ملامح بشر تعرفهم وأنّ ما حدث لهم، من الممكن أن يحدث لك. أمير يونس، شاب نحيف جاوز الثلاثين من العمر، مُوسيقي عراقي: "حين نزلتُ إلى هنا كنت أهرب من كلّ تلك الخسارات إلى خسارة تليق بفجائعي"(ص104 ). كُجّة مُجّة قزم عراقي يشتغل حارساً في المسرح العراقي، مهرّج حكيم. شاه بانو أناهيد شابة كرديّة مقاتلة. صالحة التومي تونسية في مقتبل العمر، درست الإنكليزية وانخرطت في "داعش" متوهمة أنّها وجدت الحبّ وستعيش في "دولة لا يظلم فيها أحد". شمس الدين العيّاري من ريف القيروان ومن حكاياه القاسية ألقى بنفسه في خديعة أكثر قسوة مع "داعش".

يحضر أيضاً الحيوان في الكهف: قرد هبّار يدعى تركية، كلب سلوقي يدعى نرقال يتّبع سيّداً عجيباً، قنفد يدعى صباح يتكلم كُجة مُجة على لسانه. ومن موجودات ومخلوقات الكهف: جماجم، آلات موسيقية مكسورة، هيكل عظميّ لحوت عملاق متحجّر، قناديل بحريّة، جثث يرمي بها الدواعش من عَلٍ. وصوتٌ لعلّه صوت الحوت، حوت الخضر عليه السلام أو حوت ذي النون، "صوت شبيه بالنداء والإستغاثة تتخلّله أصواتُ مياه عميقة" (ص11).

هم شخوص علقوا في الكهف في "متاهة لا يعلمها إلاّ الله أو عقلٌ متلفٌ.."(ص84). هربوا من تنظيم "داعش" ومن فظاعاته ووجدوا أنفسهم في قاع بلا قرار. يجمع بينهم هول السقوط المدوّي. وهو سقوط مضاعف يكشف عن "قلق" في الحضارة الإسلامية التي خرجت من رحم ما فيها هذي الوحوش. كما يكشف عن هشاشة وخيبات وآلام الشخصيات الذين دفعتهم أقدراهم إلى هذا الجحيم لأسباب كثيرة: من الشعور بالذنب إلى الحلم واليوتوبيا المُهلِكَة.

كما يجمع بين هذه الشخوص، القادمة من آفاق متعددة، العالقة في الكهف، إرادة الخلاص والخروج إلى النور. ويمسك الكاتب بخيوطها جميعاً، من خلال قناع الشخصية الأهمّ في المسرحيّة، عبد الحيّ الترميذة. عجوز صابئي يلبس البياض يتبعه دائماً كلبه السلوقي. حكيم يرمي بحكمته المُلغزة التي علينا أن نفكّ أسرارها وأن "نتبعها رَهَقًا": "إمّا الخطّ المستقيم، وإمّا الدائرة، كلاهما يتصارعان منذ الأزل على عرش المجرّات... لكنّهما عاصفةُ ضوء وغبار" (ص103 ).

 

عبد الحقّ الترميذة بانتظار طوفان المحو العظيم

حضور آسر  يظهر رويداً رويداً، كما النور. في المسرحية، يبدو ويغيب لشخوصها القلقين. تشعر بالألفة معه وتحتاج إلى حضوره حتّى أنّك ترغب لو أنّه يخرج حقيقة من الأوراق التي كتب عليها المسعودي، ليصحبك في متاهة الحياة: "تبحثون عنّي...لا عليكم أنا موجود بينكم ولكنكم لا تنتبهون"( ص 99).

لا نعرف كيف حبك عبد الحليم هذه الشخصيّة الآسرة. هو حكيم صابئي، عارف بكنز الربّ: "عبد الحي: أنا لا شيء...أنا مجرد رجل ضلّ طريق الأنهار".

شاه بانو: الأنهار؟

عبد الحيّ: أجل النهران... أجل النهران الخالدان.

شاه بانو: لا أفهمك ...من أنت؟

عبد الحيّ: أنا صدأ على مزالج كنز الرّب ..."( ص 172 ).

دلالة انتمائه إلى ديانة قديمة سبقت الديانات التوحيدية دلالة قوية ومربكة. يبدو عبد الحيّ "خلقاً جديداً" من نفس النسغ الإشراقي العظيم  الذي لا يزال حيّاً، في كهف ما، وثمة ضرورة لإيقاظه كي يبرأ الإسلام من "أمراضه" (العبارة لعبد الوهاب المؤدب). نجد صدىً لما قاله عبد الحيّ عن نفسه في الحديث القدسي الذي يردّده الصوفية: "كنتُ كنزًا مخفيًّا فأردتُ أن أُعرَفَ فخلقتُ الخلقَ لأِنْ أُعرَفَ". كما قد نستدعي حديثاً آخر للرسول الأكرم يقول إنّه اللبنة الأخيرة في جدران الدار التي أقامها الأنبياء من قبله: "إنّما مَثَلي ومثلُ الأنبياء كمثل رجلٍ بنى دارًا فأكملها وحسَّنَها، وبقيتْ منْ زاويةٍ من زواياها موضعُ لَبِنَةٍ، فجعلَ الناسُ يُطيفُونَ ببُنيانِهِ، يتعجّبونَ، ويقُولونَ: فهَلاَّ وضعَ هاهنا لَبِنَةً فأكملَ بها بناءَهُ؟ فأنا ذَلكَ، أنا خاتمُ النبيِّينَ، لا نبيَّ بعدي". يحفر عبد الحليم تحت هذه الجدران النبوية كي يعثر على "حجر الفلاسفة". من هذه الأحجار صنع هذا الشخصيّة التي نقع سريعاً في غوايتها ونراها شخصاً حيّاً من لحم ودم، شخصاً يعيدنا إلى الينابيع الأول : "نحن في هذا القاع أقرب لينابيع البدايات.."(ص105 ).

أمام الرعب المحدق بشخوص "الروهة"، يعلّمهم عبد الحيّ كيف يتجانسون معه: "هل تقدر أن تهزم يقين الخسارة فيك، هل تقدر على التآلف مع الرعب فيأتيك صاغراً ككلب وفيّ ؟؟؟ وهل تقدر على المقامرة باليأس من أجل اليأس نفسه كخلاص ؟؟؟"(ص105 ). يبرئهم ويطهرّهم من هشاشتهم ومن آلامهم. يكسر عزلتهم ويعدّهم "لوليمة النور، وتلك ثمرة باهري الصدق" (ص 161 ). ويظلّ هو في حكمة عزلته بانتظار الطوفان العظيم.

يبقى عبد الحيّ في الكهف مع كلبه الحارس "نرقال" حين سيخرج الجميع. ومن بين الشخوص الستّة للمسرحية ينتخبُ الحكيم الصابئي أمير وشاه بانو، لتعميدهما وإعدادهما للنور، ذلك لأنّهما لم ينخرطا في القتل، كما في حالة التونسي شمس الدين: "ألم نتلصص على ما يريده الله وما لا يريده؟" (ص 199) والتونسية صالحة: "كنّا نحلم بدار لا يظلم فيها أحد فوجدنا أنفسنا في ماخور" (ص70). أمّا كجّة مجّة، فهو حكيم فكهٌ على طريقته، يقيم في أحلام الآخرين، وبقدرته أن يتحولّ إلى قنفدٍ حالمٍ. حتّى أنّنا لا ندري، أيّهما يلبس قناع صاحبه: هو أم القنفد، في الفصل السابع الحامل لعنوان "أحلام القنفد"؟

 

الروهة إلة الشرّ

في الفصل الرابع، واسطة عقد المسرحية، يقول عبد الحيّ لأمير: "عبد الحيّ:... المكان كلّه مقبرة للحيتان، وهاذي الطريق كلّها التي نطأ عليها هي أسرّة النهرين" الرافدين" الخالدين النابعين من الشمال من بركة الضوء العظيمة الملتمعة تحت النجمة القطبية الخفّاقة... إنّه درب مستور في الصحف الأولى... هذا حوتك يا يونس، بل هو من سلالات حوتك يا يونس، حوتٌ يتبع حوتاً في اتجاه هذا الدرب...أنت لست منذوراً للغرق، أنت منذور للغوص في باطن الحوت..

أمير: منذور للغوص في باطن الحوت ؟؟؟(كأنّه يستفيق من سبات) كأنّ اسمي يحمل هذا المصير؟

عبد الحيّ: الإنتباهات، الإنتباهات ( يصفّق بيديه) أنت منذور لمجابهة " الروهة" إنّها كامنة هناك في الماء الذي يأكل بعضه.

أمير: "الروهة" ؟؟؟ ما "الروهة"؟

عبد الحيّ: أنثى الظلمات، أنثى الظلمات الأولى" (ص 109 -110).

تبدو خطايا النبيّ يونس الذّي تتصادى تجربته في ظلمة الحوت مع بعض شخوص المسرحيّة: "ذهب مكابراً ربّه" خطيئة محتملة وقابلة للتكفير. كما هي الحال مع الخطايا التي تعذّب أمير وشاه بانو: الأول لم ينجد حبيبته لحاظ والثانية أحبّت حبيب أختها. خطايا أمير وشاه بانو، هي خطايا حبّ وربّما لذلك من الممكن غفرانها والتجاوز عنها كي يتمّ تعميدهما بالنور. ولكن ما العمل مع خطايا الصالحة وشمس الدين اللذين استفاقا أخيراً على الخديعة وانقشاع الوهم؟ قد نتقبل ونتفهمّ ما الذي دفعهما إلى الإنخراط في "تفاهة الشرّ" (العبارة لحنّا أرندت)، من سيرة حياتهما.

 المربك أنّ شخوص المسرحية تقبلوا وجودهما، لأنّ "الإنساني، المفرط في إنسانيته" يلمع فينا حتّى بمحضر القتلة. ويزيد المسعودي من لمعانه المربك ليضعنا أمام السؤال الكبير الذي تثيره واقعة تفاهة القبول بالشرّ: أيّة إنسانية هذ ؟ وما العمل مع خطايا الدواعش؟ وهل يكفي أن نلعنهم كما فعل شمس الدين؟

في فعل اللعن العجيب هذا، يصف شمس الدين خواص الدواعش. وبذلك ينقلب الفعل إلى فعل تسمية: "...أولئك الجزراويون وجوه الإبل الراغية اللعنة عليهم وعلى أردافهم، اللعنة على وجوهمم القميئة، اللعنة على تقواهم الكاذبة الفائحة برائحة البول والمنيّ، اللعنة على عهرهم، اللعنة على لحاهم القذرة، اللعنة عليهم وهم يتكلمون..."(ص146 ).

 شمس الدين، شخصية ولدت في كنف الرعب وعاشت أهوالاً يومية: ذبح أبوه أمّه بمنجل، تحرشّ به مدير المدرسة، ألقى به عمّه في الجبّ .. ولا تعدو الخديعة التي عاشها مع تنظيم "داعش" سوى عاصفة جديدة تلهو به وهو لا يعدو سوى أن يكون كيساً أسود تلهو به الريحُ "السحّارةُ". وهي شخصية لا تغادر جبّ الغرائز وتحيا ضمن نطاق الأفعال الأولية: يشتهي عض والتهام صالحة ورضيعها، يتعرى في الصحراء كي يخيف الوحوش، تهبه القردةُ الهبّارةُ تركية ثوب لحاظ، العروس التي اختطفها الدواعش. لكلّ ذلك لا يملك وعيه "الأولي" سوى اللعنات لمجابهة خيبته من تنظيم "داعش".

 

أين يقع النور أيّها التائهون

ثمة الكثير لنتعلمه من الحكيم الفكه كُجّة مُجّة. أوّلاً هو عارف من طينة حديثة غير طينة عبد الحيّ الصابئي المندائي. طينة حديثة خَبَرَتْ انهيار الحكايا الكبرى مع سقوط بغداد وإقامة "الدولة الإسلامية في العراق وسوريا"، دولة "داعش". يعرف أن الإنسان كائن وضيع وعطن وساقط وقوّاد، بقدرته أن يبيع أيّ شيء. يبقى كجة مجة قريباً من الظلام المحيط بنا. يسميّه كي ينزع عنّا الزيف، وهو يمسك بجمجمة بدور المومس الموصلية ذات الناب الذهبية.

يحيل الناب الذهبي لبدور التي كان يتقاتل عليها أمراء الحرب العراقيون والمارينز الغزاة، على زيف أيديولوجيا التحرير. لقد تحرّر العراق لتقع ثقافة كاملة في أسر الدواعش. وعلينا أن نعود إلى كهف البدايات كي ننزع الزيف وكي نبحث عن النور.

صدّر المسعودي مسرحيته بنصّ للفيلسوف الألماني عمانوئيل كانط عن الأنوار وعن ضرورة أن يخرج الإنسان من قصوره الذي صنعه بنفسه، ممّا قد يوهم القارئ أن النور يقع في جهة الشمال الأوروبي. ولكن عبد الحي، العارف القديم، وهو يشير إلى جهة الشمال، إنّما يشير إلى شمال يقع في الجنوب، جنوبنا نحن. هنا يجب الحفر.

في هذا الحفر نحتاج إلى معاول، من جنس هذا الأثر الفني الرفيع "الروهة" كي تتّسع بصيرتنا أكثر من النظر بعيون مفتوحة إلى الهول الذي أنتجه الدواعش، ومن النظر إلى النور. يكفي أن نعود إلى ينابيع البدايات وأن ننزع الصدأ عن كنز الربّ، ونتبع الحوت الذي اتخذ سبيله في البحر سَرَبًا.