استراتيجية "كتائب القسام" في مواجهة العدوان على غزة عام 2014

تعتبر "كتائب القسام" الجناح العسكري لحركة حماس، أقرب إلى الجيش المنظم بما تمتلكه من قدرة قتالية وخبرات في مجال التصنيع والتطوير.

استراتيجية "كتائب القسام" في مواجهة العدوان على غزة عام 2014
استراتيجية "كتائب القسام" في مواجهة العدوان على غزة عام 2014

تكمن أهمية الكتاب في تمكين الباحثين من الإطلاع على الإستراتيجيات القتالية المنتهجة من جانب "كتائب القسام"، ويقدم رؤية تحليلية جديدة عن الحرب. وقد اطلقت "إسرائيل" على هذه الحرب اسم "الجرف الصامد" بينما أطلقت عليها "كتائب القسام" حرب "العصف المأكول" التي كان مجالها المكاني قطاع غزة والأراضي المحتلة سنة 1948، باعتبارها تحت مرمى صورايخ الكتائب.

وينطلق الكاتب من إشكالية أساسية تكمن في التساؤل الرئيسي ومفاده، إلى أي مدى أثّرت الاستراتيجية القتالية الجديدة للكتائب على قدرات الجيش الإسرائيلي في الحرب على القطاع سنة 2014؟. وتم تحديد الإطار الزمني للكتاب في الفترة التي اندلعت فيها الحرب على القطاع إبتداء من 7تموز/يوليو 2014، إلى 26آب/أغسطس 2014.

واعتمد الباحث على فرضية مفادها أن إستراتيجيات حرب العصابات الجديدة قادرة على إفشال العقيدة القتالية للجيش النظامي. واعتمد الكاتب على المناهج العلمية في الكتابة مثل منهج دراسة الحالة، والمنهج التاريخي والمنهج المقارن.

 

محتويات الكتاب:

يقع الكتاب في ثلاثة فصول وتسعة مباحث، تسبقها مقدمة وتنتهي بخاتمة ونتائج، وذلك في 170 صفحة. تتضمن المقدمة تحديدًا بدايات الصراع العربي-الإسرائيلي من احتلال فلسطين سنة 1948، ودخول "إسرائيل" العديد من الحروب وفرض سيطرتها على المنطقة من خلال الدعم الأميركي. ومن ثم تحول الصراع إلى صراع فلسطيني- إسرائيلي، وتعتبر هذه الحرب من أشد وأشرس المعارك والحروب التي خاضها الجيش الإسرائيلي حيث استطاعت "كتائب القسام" الصمود وتكبيد جيش الاحتلال الإسرائيلي الخسائر البشرية وإسقاط نظرية الجيش الذي لا يهزم.

ويعرض الفصل الأول الإطار الهيكلي العام للكتائب، من حيث التطور الاستراتيجي، والعقيدة الأمنية، واستراتيجيها العسكرية.

ويتضمن الفصل الثاني، الإطار الهيكلي العام للجيش الإسرائيلي، من حيث هيكلية الجيش، والاستراتيجية الأمنية والقتالية، ومرتكزات القوة الإسرائيلية.

أما الفصل الثالث، فهو الخاص بدراسة تحليلية لحرب غزة سنة 2014، من حيث الإطار العام للجيش الإسرائيلي، والمقارنة ما بين قدرات الدفاع والهجوم بين طرفي الحرب، وتداعيات ونتائج الحرب على قطاع غزة عام 2014. وأخيرًا، تناقش الخاتمة قضية الاستمرار والتغير في النظم السياسية.

 

الإطار الهيكلي العام للكتائب:

يكتنف هذا الموضوع صعوبة كون الهيكل التنظيمي لحركة حماس محاطاً بالسرية، لقول مؤسس الحركة الشيخ الراحل أحمد ياسين "إن حركة حماس حركة مجاهدة، علنية وسرية، ما هو مفهوم للناس فهو علني وما هو غير مفهوم للناس فهو سرّي، وحركة مجاهدة لا يمكن أن تكشف للناس كل أوراقها وكل ما عندها، لكنها تعمل بالشورى والنظام الصحيح والتعاوني"، فسياسة الحركة تمنعها من الحديث عن شؤونها الداخلية.

يبيّن المؤلف بأن "كتائب عز الدين القسام" تم إنشاؤها عام 1991 لتمثل الجناح العسكري الرسمي للحركة، وتعمل هذه الكتائب بشكل سرّي لضمان نجاح مهامها. ويزعم البعض بأن الكتائب تعمل بشكل مستقل عن الحركة، إلا أن هناك من يخالفهم الرأي.

وللجناح العسكري للحركة قيادة مستقلة وبنية تحتية مستقلة، إلا أنه في الوقت نفسه جهاز منضبط ينفذ قادته السياسات التي تضعها لهم قيادة "حماس" وليس سياساتهم هم. وتتكون "كتائب القسام" من أكثر من ثلاثين ألف مقاتل، ومن المعروف أن عدد أعضائها معروف فقط لقادة الكتائب الذين يعتمدون على مبدأ السرية في التنظيم والتجنيد. فالكتائب عبارة عن شبكة من الخلايا التي تعمل في جميع أرجاء قطاع غزة والضفة الغربية، وهذه الخلايا تعمل بشكل مستقل عن بعضها البعض بموجب تعليمات من قادتها، حيث إن الهدف من العمل العسكري للكتائب هو تحرير فلسطين.

في كانون أول/ديسمبر1992، نفذت "كتائب القسام" أول عملية عسكرية لها ضد الاحتلال الإسرائيلي وتم أسر الجندي الإسرائيلي نسيم توليدانو، ومن ثم قامت الكتائب بتنفيذ سلسلة عمليات استشهادية، مستخدمة الأحزمة الناسفة والمواد التفجيرية ضد حافلات الاحتلال ومراكز جنوده والمستوطنين، هزت أركان دولة الاحتلال.

 

التطور التنظيمي للكتائب:

يوضح المؤلف أن "كتائب القسام" بدأت بتسليح نفسها باستخدام أسلحة بدائية مكوّنة من الحجر والسكين، ثم تطورت واستخدمت العبوات الناسفة والعمليات الإستشهادية وصناعة الأحزمة الناسفة، وصنعت الصواريخ بجميع أنواعها، واستطاعت امتلاك الصواريخ الموجهة المضادة للدروع المتنوعة مثل كورنيت وكونكورسوفوتيكس وساغر وصواريخ مضادة للطائرات مثل "سام". وتعمل الكتائب على تطوير الصواريخ حتى تصل إلى جميع مناطق دولة الاحتلال، وأعلنت الكتائب في 14تموز/يوليو 2014، رسميًا عن صناعة طائرة من دون طيار وهي "أبابيل".

ويعرج المؤلف على الجهاز الأمني للحركة الذي تأسس عام 1986 على يد الشيخ الشهيد أحمد ياسين، وسمّي بمنظمة الجهاد والدعوة "مجد"، ومن ثم تحول "مجد" إلى جهاز استخباراتي عام 1989، وتمثلت مهامه في حماية صفوف الحركة من الإختراق، وصد تحركات العدو، وجمع معلومات عن مظاهر الفساد في المجتمع، والتحقيق مع العملاء وتأديبهم أو تصفيتهم. بالاضافة إلى وجود جهاز أمني "قسامي" في السجون الإسرائيلية، يقوم بإصدار النشرات التربوية والتثقيفية التي تشرح أساليب وعمل الشاباك الإسرائيلي وتنظم دورات أمنية مختلفة للأسرى، وتحقق مع العملاء.

أما بخصوص تجنيد عناصر "كتائب القسام"، يعتبر العضو أهم ركيزة من ركائز العمل الجهادي، وبناء الفرد هو الأساس الأول من أسس بناء المجتمع وبالتالي الدولة. ومن أهم خصائص الجندي المراد تجنيده للكتائب الأخلاق والإيجابية، ويتم بناء الجندي على المستوى الروحي والمستوى النفسي والتربية العقيدية والجندية والجسدية.

وتتنوع أساليب التجنيد وتتغير بحسب الظروف المحيطة، وبحسب شخصية الجندي المراد تجنيده وماهية المهام المناطة به، ولكل عضو مفتاح ولكل حالة طريقة مناسبة للتجنيد.

ويتم تدريب الجندي على شن الهجمات، والتدريب على قيادة المركبات ونظام التسليح ومكافحة الخوف والجبن. والتخطيط عند "كتائب القسام" عبارة عن عملية صياغة للخطوات التي تنطلق من الهدف ووسائل تتناسب وحجم الهدف ومعلومات دقيقة وتفكير سليم ومتزن.

وتعتمد الكتائب إستراتيجيات قتالية أثناء المعركة، منها إستراتيجية ضرب العدو في نقاط ضعفه، وإستراتيجية المقاومة والحرب غير التقليدية، واستراتيجية الإعداد، والإستراتيجية الإعلامية، واستراتيجية الاستخبارات الحربية، واستراتيجية حرب الأنفاق التي مثّلت أداءً استثنائيًا للمقاومة الفلسطينية، فعجز الجيش الإسرائيلي بكل منظومته العسكرية والاجتماعية في الوصول إلى شبكة أنفاق المقاومة، وهي من أهم الإستراتيجيات التي ألحقت خسائر بشرية فادحة في قوات النخبة للجيش الإسرائيلي، حيث يقول الخبير الجيولوجي الإسرائيلي يوسي لنفوستكي "إن الأنفاق تشكل تهديدًا إستراتيجيًا على دولة إسرائيل".

ويتطرق المؤلف إلى منظومة القوة الإستراتيجية للكتائب، التي تعتمد على عدد من المنظمات الإستراتيجية القتالية ومنها، منظومة صاروخية بعيدة المدى، يصل مداها ما بين 75 إلى 160 كيلومتراً، ومنظومة صاروخية قصيرة المدى تستند إلى صواريخ الكتيوشا، وصواريخ القسام، وقذائف الهاون، وصواريخ 107، ومنظومة الضفادع البشرية، وكذالك الاحتراف الإعلامي لدى الدائرة الإعلامية للكتائب، ومنظومة برية بالإضافة إلى الطائرات من دون طيار وهي استطلاعية وهجومية وانتحارية، ومنظومة التصنيع حيث استطاعت الكتائب تطوير منظومات التسلح لها.

ويعدد المؤلف الأساليب القتالية المتعددة التي إعتمدتها "كتائب القسام"، ومنها سرعة المناورة والتخفي والتمويه، والحركة الخاطفة، ونصب الكمائن المحكمة، والكفاءة العالية لاستخدام السلاح بأنواعه وتحديدًا عمليات القنص المتكررة، ونقل المعركة إلى عمق العدو، وعمليات الإنزال خلف خطوط العدو، والاعتماد على حرب العصابات. ويذكر أن الهدف من العمل العسكري لكتائب القسام هو تحرير فلسطين.

يقول المؤلف إن "إسرائيل" عملت منذ تأسيسها بنظرية عسكرية بدعم أميركي لا محدود واستخدمتها في التخطيط الإستراتيجي العسكري وفي كل حروبها ضد العرب والفلسطينيين، حيث بنت قدرتها العسكرية على التنظيم والبناء واستغلال العديد من عناصر القوة ومنها: الموقع الجغرافي، والقوى البشرية وتدريبها أفضل تدريب، ونقاط الضعف عند العرب والفلسطينيين، فقد استطاعت استغلال الإمكانيات المتاحة لها بأفضل شكل يعزز ويخدم قوتها العسكرية وأهدافها، كما استطاعت مراكمة قدراتها العسكرية التقليدية والإلكترونية، مقارنة مع القدرات العربية والفلسطينية وتفوقت عليها في الجانب الإلكتروني ووظفته أفضل توظيف في الحروب.

 

الحرب الإسرائيلية على القطاع سنة 2014:

لقد خضع قطاع غزة على مدار ثماني سنوات للحصار الشديد ما قبل الحرب، وخلال الحصار تعرض القطاع لحربين في سنة 2008، وفي سنة 2012، حيث دمرت هذه الحروب البنية التحتية للقطاع والاقتصاد واستشهد آلاف المواطنيين. ولم تنتهِ فصول الحصار حتى تم شن حرب جديدة في 8 تموز/يوليو 2014، والتي استمرت شهرين تقريبًا، واستخدمت "إسرائيل" كل قوتها العسكرية والاسلحة المحرمة دوليًا، ولكن المقاومة لم تنهزم واستخدمت سلاح الأنفاق الذي كان له دور كبير في الخسائر البشرية لقوات جيش الاحتلال الإسرائيلي.

ويكشف المؤلف أسباب وأهداف الحرب، فقد أرادت "إسرائيل" معاقبة حركة حماس بسبب اختطاف ثلاثة جنود في الخليل وقتلهم، حيث استغلت "إسرائيل" هذه الحادثة من أجل شن العدوان على القطاع. أما أهداف الحرب على القطاع فيمكن حصرها في ثلاثة أهداف، أولها، معرفة قدرات المقاومة الفلسطينية وتدميرها، وثانيها جس نبض القيادة المصرية الجديدة، وثالثها قياس مدى صمود المصالحة الفلسطينية التي كانت في بدايتها بعد توقيع اتفاق الشاطئ وتشكيل حكومة الوفاق الوطني برئاسة الدكتور رامي الحمد لله.

ويخلص المؤلف إلى أن "إسرائيل" قد فشلت في إدارة الصراع مع المقاومة خلال عدوانها على القطاع، وأن إدارتها للحرب عانت الكثير من الارتباك، مما أثر على الأداء الميداني العسكري لتبقى قوات الجيش الإسرائيلي تقدم الخسائر البشرية من دون تحقيق أهدافها، سوى قصف طائراتها الحربية للمدنيين وقتلهم وتدمير المنازل والبنية التحتية.

ويبيّن المؤلف أنه رغم الحصار المطبق على القطاع تمكنت المقاومة من التصدي للاجتياح البري الإسرائيلي للقطاع، بخطط عسكرية من أهمها: القنص، والأفخاخ والكمائن، والعمليات التفجيرية، والصواريخ، وأهم المفاجآت هي حسن الإعداد والتجهيز، سواء في العتاد أو في التكتيك العسكري.

أما بخصوص الموقف العربي فيظهر المؤلف أنه لم تتم الدعوة إلى عقد مجلس جامعة الدول العربية لعقد قمة طارئة ولو شكليًا لمناقشة الحرب والعدوان على القطاع من قبل "إسرائيل".

ويعرّج المؤلف على الخسائر البشرية الإسرائيلية، حيث اعترف وزير السياحة الإسرائيلي عوزي لاندو بفشل جيش الاحتلال الإسرائيلي في تحقيق أهداف الحرب قائلًا: "خسرنا معركة إستراتيجية أمام قطاع غزة". ولأول مرة تخسر "إسرائيل" هذا العدد من القتلى والمصابين حيث قتل 65 ضابطاً وجندياً باعتراف "إسرائيل" وأصيب 1400 جندي، منهم 36 بإصابة خطرة، بينما تقول "كتائب القسام" إن العدد أكبر و"إسرائيل" أخفت الخسائر.

وفي هذه الحرب استطاعت المقاومة الفلسطينية أسر أربعة جنود إسرائيليين حيث أعلن الناطق باسم الكتائب أن الكتائب تحتجز الجنود أسرى، مؤكدًا أن "إسرائيل" لن تحصل على معلومات مجانية، ولا يزال الأسرى محتجزين لدى الكتائب في القطاع.

أما بخصوص الخسائر الفلسطينية فقد بلغت 500 شهيد، وبحسب احصائيات "إسرائيل" استشهد 320 مقاتلًا، فيما أحصت الأمم المتحدة استشهاد 191 مقاتلًا من بين الشهداء فقط والباقي من المدنيين.

ويخلص المؤلف إلى العديد من النتائج والعبر والدروس من هذه الحرب وهي:

  1. لقد استطاعت الحرب إسقاط سمعة ومكانة القوة الإستخباراتية والأمنية الإسرائيلية التي لم تتمكن على مدار الحرب من تحقيق أهدافها.
  2. إن القوة الجوية الإسرائيلية ليست القوة الحاسمة في المعركة.
  3. عدم قدرة "إسرائيل" على تأمين خطوط الإمداد والتموين.
  4. أثبتت الحرب أن حركة حماس قوة مؤثرة في الصراع الفلسطيني-الإسرائيلي ولا يمكن الاستهانة بها أو تخطيها.
  5. فشلت "إسرائيل" في تحقيق هدف الحرب الذي قامت الحرب من أجله وهو القضاء على حركة حماس.

 

تقييم الكتاب:

  1. الكتاب شامل ويتناول موضوع في غاية السرية والحساسية ويتطلب جهدًا كبيرًا لعدم توافر المراجع حول الموضوع، إلا أن المؤلف استطاع تغطية كل مجريات الحرب على القطاع سنة 2014.
  2. يحتوى الكتاب على معلومات بحثية علمية مهمة حديثة جدًا تغطي كل الجوانب العسكرية للكتائب منذ تأسيسها عام 1991 وحتى عام 2018، وبالأخص التطور العسكري والتصنيع والإعداد والخطط، حيث يعتبر الكتاب مرجعًا علميًا للباحثين في الجانب العسكري للكتائب ومستقبل الصراع الفلسطيني-الإسرائيلي بعد الحرب.

على الرغم من الميزات سابقة الذكر، إلا أن الكتاب عليه مأخذان وهما:

  1. لم يتطرق المؤلف لدور "كتائب القسام" في الانقلاب العسكري في القطاع وحسم الخلافات الفلسطينية- الفلسطينية عسكرياً والسيطرة على القطاع، فقد قامت "حماس" في الانقلاب في القطاع في حزيران/يونيو عام 2007.
  2. والمأخذ الثاني يتمثل في الإطار النظري للكتاب، حيث حصر المؤلف الإطار النظري بمجموعة من المفاهيم، ولم يقم بربط الإطار النظري بالمشكلة والأهداف والفرضيات والعقيدة العسكرية للكتائب. وهذه مشكلة يقع فيها غالبية الباحثين الذين يعتقدون أن الإطار النظري يقتصر على التعريفات، وليس على الأساسات التي يبنى عليها البحث.