قتلُ قائد: آخر لوحات هاروكي موراكامي السحرية

الآن، في عمر الستين، يبدو أن موراكامي قرّر أن يولي ثيمة "منتصف العمر" عنايةً أكبر، كما لو أنه يرى نفسه بشكل أكثر وضوحاً بعد تأخير عشرين عاماً، لتشكّل هذه الثيمة أساس روايته هذه.

قتلُ قائد: آخر لوحات هاروكي موراكامي السحرية
قتلُ قائد: آخر لوحات هاروكي موراكامي السحرية

"قتل قائد"، هي الرواية الرابعة عشرة للكاتب الياباني الساحر هاروكي موراكامي التي صدرت باللغة اليابانية عام 2017 وبالإنجليزية عام 2018، وبها يتابع موراكامي رسم عالمه الروائي المتخيّل الذي تابعناه بشغف. أعدت الكاتبة السورية هذه المراجعة للرواية من خلال ترجمتها لعدد من المراجعات لها بالإنجليزية.

هذه المرّة، يقدم لنا مؤلف "كافكا على الشاطئ" و"رقص رقص رقص" و"الغابة النرويجية" روايةً عن فنان يهرب من نفسه، رواية استثنائية عن الحب والوحدة، عن الحرب والفن. وكما هي الحال في أغلب روايات موراكامي، نتتبع خيوط حبكة بسيطة ظاهرياً، تخلخلها أحداث غامضة، سريالية، وعنيفة.

بداية، من المفيد قبل الدخول في تفاصيل هذه اللوحة السحرية الجديدة، أن نعرّج على الأسلوب الذي يتبعه موراكامي في الكتابة عموماً. فكما يعرف الجميع، يلتزم الروائي الياباني روتيناً يوميّاً صارماً أثناء العمل على رواية. يستيقظ عند الفجر، يكتب طيلة فترة الصباح، ثم يجري لمسافة 10 كيلومترات ظهراً. في النهاية، يقول هاروكي، تصبح الكتابة والجري فعلين غير منفصلين؛ "شكلاً من أشكال التنويم المغناطيسي" الذي يجعل من المؤلف فاعلاً نصف واعٍ في مسيرة السرد، أو مسافراً مراقباً في أراضٍ وتضاريس موجودة مسبقاً.

وفقاً لموراكامي، يساعد هذا الروتين أيضاً في حماية الرواية ضد نيران النقد، إذ يوحي أن أيّ عيوب تتم ملاحظتها، أيّ عثرات، مواطن ضعف، أو تحولات غير متوقعة في السرد، هي ببساطة جزءٌ من السياق الطبيعي للكتاب. إن موراكامي لا يعلم بشكل دقيق أين سيمضي في فعل الكتابة، وأين ستأخذه الحبكة ويأخذها، وهذا هو في رأيه السبيل الصحيح.
لذلك، وكما هي الحال في جميع أعمال موراكامي، نحسّ كما لو أنه مثلنا يتفاجأ بما يظهر على الصفحات. يعتقد النقاد أن هذا الأسلوب "الارتجالي" الذي يتّبعه موراكامي ويمتد حتى نهايات رواياته، يجعل هذه النهايات "غير مرضية" أحياناً. لكنه، في "قتل قائد"، يبني بعناية حيّزاً مادياً ملموساً يفرد منه شخصيات وأفكار غير تقليدية، ثم يعود ليطوي هذه الأشياء الاستثنائية بعيداً عن العين، ولكن بعيداً ليس عن القلب، كما يقول المثل.

يرى بعض النقاد أن "قتل قائد" مستوحاة من أوبرا "دون جيوفاني" للموسيقي النمساوي موزارت، بينما يربطها آخرون برواية "غاتسبي العظيم" بسبب تشابههما في بعض المفاصل. لكن تبقى هذه الرواية أقرب إلى رواية ستيفن كينغ "مفتاح دوما"، التي تحكي أيضاً قصة فنان يهرب من حياته السابقة، ليكتشف أن اللوحات عوالم سحرية، وأن أشباح الماضي ترفض أن تهدأ.

الآن، في عمر الستين، يبدو أن موراكامي قرّر أن يولي ثيمة "منتصف العمر" عنايةً أكبر، كما لو أنه يرى نفسه بشكل أكثر وضوحاً بعد تأخير عشرين عاماً، لتشكّل هذه الثيمة أساس روايته هذه.

الراوي في "قتل قائد" رسامٌ ثلاثينيّ مجهول الإسم ضحّى بطموحاته المبكرة كفنان، ليتخصص في رسم البورتريهات فقط. يترك هذا الرسام شقته في طوكيو والحيرة تحاصره بعد أن تخلّت عنه زوجته، ليجد نفسه مختبئاً في منزل جبليّ يعيره إياه صديق من مدرسة الفنون. يعود هذا السكن إلى فنان مشهور متوفى، يدعى آمادا توموهيكو، وتصبح اللوحات فيه بوابات سحرية كما في رواية كافكا على الشاطئ. من بين هذه اللوحات تبرز لوحة غريبة يكتشفها الرسام مخبأةً في العليّة، ليفتح بإيجادها سلسلةً من الأحداث الغامضة التي سيتطلّبُ إغلاقها القيام برحلة عجائبية.
تحمل هذه اللوحة عنوان "قتل قائد" بتوقيع توموهيكو، وتصوّر بطريقة غريبة مشهداً دموياً لشاب يغرس سيفه في صدر رجل عجوز. بعد إيجادها بوقت قليل، يبدأ قاطن البيت الجديد بسماع صوت جرس يأتي من حفرة غريبة في الغابة. بالرغم من القلق الذي تسّببه هذه الأحداث، إلا أنها تدفع الفنان إلى خضمّ عملية خلق محمومة؛ إذ يبدأ برسم لوحات تجريدية، ليس فقط لوجوه وأجساد، بل للأرواح القابعة خلفها.

نستكشف أيضاً مع الراوي المنزلَ الجبليّ المنعزل الذي جاء ليعيش فيه. إذ نعرف كقرّاء لهاروكي أن لا بدّ من وجود شيء آخر في تلك الغابة؛ شيء يقبع بانتظار هذا الرسام ليأتي إلى هذا المكان النائي وينبشه، شيء يعبّر عن وجوده تلميحاً أول الأمر، ثم بإفصاحٍ يقلب حياة الرسام رأساً على عقب. سيكون هناك الكثير من الأحداث والغرابات، لدرجة أننا، نحن القراء، لن نجد الوقت لنشيح بصرنا عن الصفحات.

يولي موراكامي في هذا الكتاب الكثير من العناية لإعداد "الحياة الطبيعية" لبطله. بهذه الطريقة، يؤمن الكاتب لقرائه خلفية موثوقة من الهدوء ليتكئوا عليها، قبل أن تجرفهم دوامة الأحداث الغريبة.  هكذا يظهر موراكامي، كعادته، بارعاً في تقديمِ الروتيني الرتيب إلى جانب الخارق، وإيجادِ السحر المعشّش في تفاصيل الحياة اليومية. لكنه، في هذه الرواية بالذات، يسمح للعناصر المتباينة أن تمتد بأوسع ما يمكن، إلى الحد الذي تبدأ فيه بالترابطِ ولو بخيط واهٍ.

ترسم "قتل قائد" المسار الذي يتبعه رجل هاربٍ يرجع في آخر الأمر إلى بيته، كما لو أنه يعود إلى أول الدائرة، ململماً في طريقه كلّ خيوط السرد (نهاية الكتاب ظهرت في الواقع منذ صفحاته الأولى). الراوي الهارب من الخراب الذي خلّفه زواجه، ومن مشاعره، يعيش حياة مشابهة لحياة الساموراي المنعزل في الجبال. لكن العالم، العالم الروحي بالتحديد، يستمرّ بالقرع على بابه. وقبل مضي وقت طويل، يصبح هذا الملجأ المنعزل مزدحماً مثل محطة قطار غراند سنترال وسط مانهاتن، وميتافيزيقياً مثل لعبة غامضة يأتي فيها كل حينٍ واصلٌ جديد محمّلاً بمعلومة هامة تُصعّد الأحداث.

الرسام الألماني بول كلِي كان مرّة قد وصف فعل الرسم على أنه :" أخذ الخط في نزهة"، ويبدو أن موراكامي ينظر إلى كتابته بالطريقة ذاتها؛ أي كما لو كانت نزهة خلّاقة، مضيئةً لهُ كما للقارئ. إن خطه السردي يتعرّج،  ينزوي إلى الظل ويلتف على ذاته مراراً. 
في بعض الأحيان، تتقاطع "قتل قائد" مع بعض الطرق التي عبّدها موراكامي سابقاً: مجموعة الأرواح، مثلاً، يمكن مقارنتها بما أسماه موراكامي "الناس الصغار" في روايته 1Q84، بينما تبدو فكرة الهبوط السحري إلى حفرة أو جوف حجر مجازاً موراكاميّاً شائعاً، كما في كافكا على الشاطئ مثلاً.

بالإضافة لقصة الفنان، تتشعب الرواية إلى بعض الحبكات الثانوية ليتغير من حين لآخر اتجاه الحكاية. على سبيل المثال، يزور الفنان في منزله المستأجر شخص يدعى مينشيكي هو تاجر غني غامض، ذو أشعر أبيض لامع وابتسامة واسعة، بينما يُخفي، كما يعتقد الرسام، "سرّاً مخبأً في صندوق صغير مدفون تحت الأرض". تظهر كذلك ابنة مينشيكي المزعومة؛ فتاة ذات ثلاثة عشر ربيعاً ناضجة قبل أوانها، لكنها تتحدث كما لو أنها لقّنَت من مترجم غوغل. تُقتحم عزلته أيضاً من "القائد" لذي أخذت الرواية عنوانها من مقتله؛ شبح بطول قدمين، ووجه يشبه وجه الممثل إدوارد جي. روبنسون، كان متورطاً مع النازيين في فيينا الثلاثينيات، يقفز من لوحة مدّعياً أنه "فكرة"، ليبدأ بتحذير الرسام بشكل غامض مما يسميه "الاستعارات المزدوجة". هكذا، يتكدس العبث فوق العبث، لتصبح الحكاية أكثر غرابة مع تقدم الفصول.

مكان الرواية الذي اختاره موراكامي في الجبال (خارج أوداوارا وسط اليابان) مليءٌ بالثغرات والنقط العمياء، بالمداخل والمخارج. والحبكة تتكشف مع خوض الراوي فيها، مما يعني أنها مليئة بالنهايات المفتوحة والطرق المسدودة، حتى ليبدو كما لو أن بطل الرواية يحاول أن يتلمّس الطريق الصحيح من بينها.

يحاول هذا الرسام أن يصنع مغامرة جديدة تعطي لحياته المحطمة معنىً، وتصرف انتباهه عن طلاقه، لتصبح قصته بهذا حكاية انبعاث خلّاق. لكن، لا تلبث الحكاية أن تبدّل مسارها لتصبح دراسةً عن الصداقة الذكورية؛ ثم قصة بيت مسكون بالأشباح؛ ثم حكاية لغز علاقة أب وابنته.
في حبكة أكثر تقليدية كانت هذه الأجزاء لتحلّ نفسها في آخر الأمر، لكن بطل موراكامي، على العكس، يتفاخر كل الوقت بتكثيرها.

"في عالمنا هذا"، يقول الرسام، "لا شيء يبقى على حاله إلى الأبد". ومن المهم أن نلاحظ أن الرسام، بطل هذه الرواية، يحبّ أن يترك بعض بورتريهاته غير منتهية. ونستشعر مراراً أن هذا ما يفعله موراكامي أيضاً ليتركنا نتساءل: من هم الأشباح؟ من هم البشر الحقيقيون؟
المفارقة أنه، بسبب عدم الاكتمال هذا، يمكن اعتبار هذه الرواية الخادعة، المربكة، بل والمغيظة أحياناً، رواية تحاول أن تقول: كل شخص هو كائنٌ غير منتهٍ، عملٌ في طور الإنجاز، وأيّ قرارٍ قاطع هو، بسبب ذلك، محض كذبة.

من ناحية اللغة، نستمتع في "قتل قائد" بمقاطع طويلة مؤثرة يصف فيها موراكامي الرسم، فيما يبدو أشبه سيرة ذاتية أُخفيت للتو تحت السرد:

"صورة اللون الذي يجب أن أضيفه تحضرني ... اللون يشبه لون شجرة ذات أوراق خضراء بلّلها المطر. مزجتُ ألواناً عدّة معاً وصنعتُ اللون الذي أريد ... حتى لو لم تصبح هذه اللوحة بورتريهاً، قلتُ لنفسي، لا بأس بذلك، يمكن أن أفكر بالخطوة التالية لاحقاً ... مثل طفل صغيرٍ يطارد فراشةً نادرة من دون أن يراقب خطواته ... لا أتذكر كم مرّ من الوقت، لكن، حين نظرت حولي، كانت الغرفة قد غرقت في الظلام".

يمكن أن نجزم أن الواقعية في مشاهد مثل هذه تنقذ "قتل قائد" من الضياع في الغرائبية. في المقابل، من الممكن القول إنه فقط في لجّة الجنون الهادئ لواقعيته السحرية، يستطيع موراكامي أن يلتقط واحداً من هواجسه: التوق الذي لا يمكن وصفه وراء اندفاع الإنسان ليصنع فناً. إن الصور الأليفة التي تزخر بها رواياته ــــ المطر، السباحة، الباستا، الجاز، نوع خاص من الجنس الهادئ ــــ تجعل ذلك التوق متجذراً في حقيقة الحياة اليومية. إن الحال في أدب موراكامي يشبه ما كتبه بايرون مرّة: "راودني حلمٌ، لم يكن كلّه حلماً".

ختاماً، يبدو أن الطريق الوحيد الذي يقدمه موراكامي لشخصياته للخروج من اليأس، من الزخم الميكانيكي العويص لحيواتهم، يمرّ عبر الفن. الراوي في "قتل قائد" يتعلم "شجاعة ألا يخاف المرء التغيير في نمط حياته، وأهمية أن يكون الوقت إلى جانبك". صحيح أنها تبقى دروساً متواضعة، قياساً بالأحداث الغريبة التي حلّت به، لكن، ذلك هو بيت القصيد. لا شيء نبتكره يمكن أن يكون بغرابة الحياة، لكننا نمجّد هذه الفكرة بابتكاره على أية حال.
إننا كقرّاءٍ نثق بقدرة موراكامي على جعلنا نضيع بشكل مسلٍّ، تماماً كما نثق أنه في آخر الأمر سيدلّنا على السبيل.