فرص تركيا المهدورة.. أوراق انتهت صلاحيتها

إردوغان لم يستفد من المبادرة الإيرانية التي كانت ستجنّب المنطقة مزيداً من الدماء، بل أوغل أكثر في الأزمة، محاولاً وراثة الوجود العسكري الأميركي المباشر، والسيطرة على مناطق حلفاء واشنطن الكرد.

  • مسؤولية تركيا في استمرار الأزمة في إدلب تتّضح أكثر بالنظر إلى الربط الأكيد بين مكافحة الإرهاب والحل السياسي

معركةٌ حامية الوطيس شهدها ميدان إدلب بين الجيش السوري وحلفائه من جهة وبين الجيش التركي من جهةٍ ثانية، قبل انعقاد قمة بوتين- إردوغان بتاريخ 5 آذار/مارس 2020. عشرات الأرواح أزهقت خلال فترةٍ وجيزة كانت المؤشرات فيها تنحو نحو ترجيح تسعير المعركة مع إصرار الطرفين على التمسّك بأهدافهما المُعلَنة وغير المعلَنة. سياق يجعل من معركتي إدلب وليبيا معركتين في سياقٍ واحدٍ بالنسبة إلى أنقرة، تصبان بكل مآلاتهما في خدمة مشروع إردوغان الطموح لإعادة أنقرة لاعباً إقليمياً كبيراً، كسلطنةٍ عثمانية مُصغّرة مُصاغة بأدوات العصر.

اتجاهان في سياق إقليمي ملتهب

منذ عامٍ تماماً نشط في سياق المشهد الإقليمي في الشرق الأوسط اتجاهان متوازيان قادت كل واحدٍ منهما دولة عظمى. الولايات المتحدة الأميركية سيّرت الاتجاه الأول، عبر "مؤتمر وارسو" لتشكيل تحالف إقليمي واسع يواجه نفوذ إيران في المنطقة. فيما قادت روسيا الاتجاه الآخر، والذي تحوّل إلى مسارٍ ثلاثي لمحاولة حل أزمات الشمال السوري، والتوصّل إلى حلٍ مُستدام للأزمة السورية برمّتها.

في سوتشي (روسيا وتركيا) وآستانة (روسيا وتركيا وإيران) بمحطاتهما المتكرّرة تحدّث زعماء الدول الثلاث مراراً عن ضرورات الحل المُنتَظر، للاستفادة من خروج الولايات المتحدة من الشرق السوري، وتخلّيها عن الكرد هناك، الأمر الذي جعل أصحاب هذا الاتجاه موكلين بإتمام إجراءات تصفية الأزمة والإنتقال إلى سوريا الجديدة في مرحلة مختلفة عن سنوات الحرب التسع.

خلال السنة التي مرت منذ ذلك الوقت، تحرّك الميدان في الشمال، فتمكّن الجيش السوري وحلفاؤه من قَضْمِ المزيد من المساحات مُسترجعاً سيطرة الحكومة السورية على أجواء جديدة من أراضيها التي خسرتها ابتداءً من عام 2011، ومنها ما فُقِد فعلاً لسنواتٍ تسع طوال.

البيان الختامي الذي أصدرته قمّة سوتشي (كانت ثلاثية بحضور رؤساء الدول الثلاث) قبل سنة لم يكن ينضوي على موقف الأميركيين من القضية بالطبع، وبالتالي فإنه كان إعلاناً رسمياً عن متابعة جهود حل الأزمة السورية من دون الأميركيين. لكن ما أثبتته السنة الفائتة كان استغلال أنقرة للموقف الأميركي والتلويح فيه في المفاوضات لتحصيل مكاسب من الطرفين الآخرين على الطاولة، على أساس أنها القوّة الأطلسية الوحيدة المستمرة في لعب أوراق فاعِلة في الأزمة السورية، أي لعب دور الوريث الأوحد للدور الغربي برمّته في الأزمة السورية، ومفاوَضة المحور الآخر المُنتصِر في مجمل الحرب على مكاسب لتركيا. لكن ما هي هذه المكاسب؟ وهل هي في سوريا حصراً؟

سوريا المستقبلية

ما حصل في سوتشي سابقاً كان بداية لحوار صعب بين أنقرة وموسكو حول مرحلة ما بعد الانسحاب الأميركي من سوريا. والتطوّرات اللاحقة طرحت أكثر من سؤال عن العلاقة بين أجندة قمّة سوتشي الثلاثية (شباط/فبراير 2019 بحضور روحاني) ومسار جنيف الذي سجّلت خلاله دول عدّة بينها تركيا تمسّكها باستبعاد الرئيس السوري بشار الأسد في أية مباحثات بشأن سوريا ما بعد الحرب.

وبرغم ما تقدّم فإن عملية خلط الأوراق لا تزال مطروحة على الطاولة نظراً لوجود عدّة سيناريوهات تنتظر الملف السوري في المرحلة القادمة لكن ما زال المشهد غامضاً كلما دقّقنا بآليات الانتقال إلى المرحلة التالية من توصيات سوتشي.

الأحداث الميدانية المُتسارِعة في إدلب لا تؤشّر إلى نهاية أزمة بقدر ما تؤشّر لبداية مسار جديد. لكن مع انسداد احتمالات التغيير السياسي القَسْري في سوريا والقائم على تدخّل عسكري خارجي في الميدان السوري، فإن البداية التي نتحدَّث عنها مُرشّحة بقوّة أن تكون خارج سوريا كلياً.

الساحة الليبية تشكّل المساحة الأكثر جهوزيّة لاستقبال الصراع الجديد المُتصاعِد. ثرواتٌ نفطية ودولة مُفكَّكة، خلطة مثالية للأطماع الخارجية. وإلى جانب ذلك كله، فإن ليبيا تقع على تماسٍ مباشر مع مشروعي إمدادات الغاز الشرق-أوسطي إلى أوروبا، حيث يتصارع الأميركيون والروس في شرق المتوسّط من أجل إحكام السيطرة على المخزونات المُكتَشفة، وتشكيل صِيَغ التحالف الطاقوي مع دوله، من أجل الاطمئنان إلى مستقبل خيرات المنطقة وإمكانية السيطرة عليها.

الرئيس الروسي فلاديمير بوتين تجاهل لقاء نظيره التركي رجب طيب إردوغان في قمّة لحظة الاشتباك، بعد ذلك بيومٍ واحدٍ تلقّى الرئيس التركي صفعةً ميدانية بالغة القسوة من خلال الغارات الروسية التي قتلت عشرات الجنود الأتراك في إدلب، وتأكيد الكرملين أن سبب الضربة كان خروج القوات التركية من نقاط المراقبة المُحدَّدة لها، وانخراطها ضمن صفوف الجماعات الإرهابية.

الاتصال الهاتفي الذي تبع الحدث بين بوتين وإردوغان والذي شدّد على "اتخاذ تدابير إضافية لتهدئة الوضع شمال غرب سوريا"، واتفاقهما على "تكثيف المشاورات بين الوزارات ذات الصلة والعمل على إمكانية عقد قمّة في المستقبل القريب" (عُقدت في 5 آذار/مارس)، لم تصفّ الأجواء بينهما حتى انقاد القمة. بدت المسألة أكبر من مجرّد التحام ميداني من طريق الخطأ، أو تصعيد ميداني لغرض مباشر وواضح. بل إن الأحداث الساخنة أبرزت معنى أكثر حدّة في سلوك الدولتين تجاه الأزمة هناك، وتضمنت مضامين تشير إلى إصرار مستمر على حسم الأزمة السورية حتى نهايتها، واستخدام نتائج معركة إدلب في تطوير التموضع لدى كل منهما في الأزمة الليبية المُتصاعِدة.

لقد وضع الكرملين الحادث الجديد والضربة القاسية للجنود الأتراك على حساب الأخطاء التركية نفسها، حين قال إن الجيش التركي لم ينجح في مهمة منع النشاط الإرهابي وضبط نشاط المسلّحين، وبينهم مرتزقة أجانب من "رابطة الدول المستقلة". ثم تبع ذلك تأكيدٌ من وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف على "الحق المطلق للجيش السوري في محاربة الإرهابيين في إدلب" وعدم إمكانية موسكو منع دمشق من مواجهة الإرهابيين.

محورية حسم معركة إدلب لمصلحة الجيش السوري بالنسبة إلى تحديد مستقبل سوريا تحدّث عنها في شباط/فبراير من العام الماضي رئيس لجنة الشؤون الإعلامية في الغرفة العليا للبرلمان الروسي أليكسي بوشكوف، وهي اليوم أكثر من أي وقتٍ مضى توضع موضع التنفيذ العمليّاتي، من خلال دعم عمليات الجيش السوري الميدانية.

يعزّز هذا التوجّه الحاسِم لدى موسكو، إدراكها المُتجذّر أن تواجد ما يقارب من 50 ألف مسلّحٍ مُتطرّف في إدلب سيحوّل هذه الأخيرة إلى بؤرة توتّر ليست لإدلب فحسب، إنما لمستقبل كل سوريا في المرحلة المقبلة، إذا لم تحسم المعركة اليوم، مع ثبوت تأثير تفجيري عائدٍ من الأزمة الليبية المُتصاعِدة.

ويمكن القول إن فشل تحقّق الاتفاق الروسي-التركي الذي تم التوصّل إليه في 17 سبتمبر/أيلول من عام 2018 على أرض الواقع يشكّل مُسبّباً أساسياً لوصول الأحداث إلى هذا المنسوب من العنف. فالاتفاق المذكور كان يفترض أن يؤدّي إلى الاستقرار في منطقة خَفْض التصعيد بإدلب، من طريق وقف إطلاق النار، وضمان الانسحاب الكامل للجماعات المُتطرّفة ونزع السلاح من المنطقة.

فرصة مهدورة

خلال السنوات التسع الماضية من الحرب السورية لعبت دولٌ كثيرة في الميدان وحول طاولات التفاوض وفي الخفايا، لكن حين وصلت الأزمة إلى خواتيمها، لم يتبق من اللاعبين إلا روسيا وتركيا، وإيران وحلفاؤها. هذا الواقع الذي بدا واضحاً من العام الماضي، دفع بالأخيرة إلى المبادرة ومحاولة تجنّب الوصول إلى ما وصلت إليه الأمور اليوم.

فخلال قمّة سوتشي آنفة الذِكر (روحاني وبوتين وإردوغان) أبدى الرئيس الإيراني حسن روحاني استعداد بلاده للتوسّط بين أنقرة ودمشق. وفي لحظةٍ ما، كان الطرفان السوري والتركي جاهزين لإطلاق الحوار المباشر، على أن تكون الاتفاقيات والقوانين الدولية هي التي تحكم العلاقات بين البلدين. حينها راهن بوتين على أهمية بدء اللجنة الدستورية السورية أعمالها، وتمسّك بالأمل في دورها، من أجل بلورة صيغة سوريّة لرسم مستقبل البلاد، على أن تسهّل تركيا هذه الجهود، وهذا أمرٌ لم يحصل.

لقد ركّزت المبادرة الإيرانية المهدورة على ضرورة ألا تواصل الولايات المتحدة "دعم الإرهابيين في العراق وسوريا"، وفق ما صرّح به روحاني. وربطت هذه الضرورة بضرورة أخرى وهي القضاء على ما تبقّى من الإرهابيين، مع عدم إغفال خطورة انتقال هؤلاء إلى أفغانستان، لكن الصورة اليوم اختلفت. فليست أفغانستان وحدها التي تتلقّى ارتدادات الهروب من إدلب، بل ليبيا أيضاً.

مسؤولية تركيا في استمرار الأزمة في إدلب تتّضح أكثر بالنظر إلى الربط الأكيد بين مكافحة الإرهاب، والحل السياسي، وعودة اللاجئين السوريين إلى مناطقهم في إدلب، وهنا تحديداً لم تساعد أنقرة في إتمام هذه الخطوة، بل استثمرت على وجود هؤلاء اللاجئين على أراضيها، من أجل تحصيل مكاسب جديدة.

لكن إردوغان لم يستفد من المبادرة الإيرانية التي كانت ستجنّب المنطقة مزيداً من الدماء، بل أوغل أكثر في الأزمة، محاولاً وراثة الوجود العسكري الأميركي المباشر، والسيطرة على مناطق حلفاء واشنطن الكرد. وهو عندما فشل في شرق الفرات، أراد أن يتمسّك بآخر الأوراق الممكنة في إدلب، على الرغم من أنها ورقة مُنتهية الصلاحية، ولا تفيد شيئاً على مستوى مستقبل سوريا. وربما يفسّر ذلك اضطراره لحجب الأنترنت بمعظم تطبيقات التواصّل الاجتماعي في بلاده بعد الحادث الأخير بجبل الزاوية، تحسباً لانتشار الغضب الشعبي من المغامرة بأرواح الجنود الأتراك من أجل أوهام، وبغياب أفقٍ حقيقي ومصلحة تركية واضحة.

لكن تساؤلات أساسية تبرز الحاجة إلى إجابة عليها اليوم: كيف تمكّن الرئيس التركي من جمع تأكيداته السابقة حول حفاظ مسار آستانة على وحدة الأراضي السورية، وبين محاولاته اليوم لتوسيع أزمة التغلغل التي تعاني منها سوريا في إدلب؟ وكيف يخدم بممارساته الحالية هدف الوصول إلى سلام حقيقي في سوريا الذي لطالما أعرب عنه على المنابر؟

لقد درج إردوغان في السابق على انتقاد الغرب ودول الخليج (باستثناء قطر) في كل مناسبة على إنفاقها الأموال بسخاء على التسلّح، وشحّ تلك الأموال المُخصّصة للاجئين وللمساعدات الإنسانية. بالأمس، وقف الرجل نفسه على رأس الفاعلين في الميدان العسكري من أجل تسعير الأزمة، وتزخيم القتال، بل من أجل إحيائه إلى درجة التناقض مع تأكيداته المتكرّرة لعدم رغبة بلاده برؤية مأساة إنسانية جديدة في سوريا، لكن الواقع يقول إن المأساة تلك مستمرة بوقودٍ تركي. وقد ظهر ذلك التناقض أكثر وضوحاً حين أكّد إردوغان إن جهوده في سوريا هي لمنع وجود حزامٍ إرهابي على الحدود الجنوبية لها. لكن الحزام الإرهابي الذي كان يقصد به القوات الكردية، موجود اليوم من خلال تواجد التنظيمات المُصنّفة إرهابية عند معظم دول المجتمع الدولي، وعلى رأسها "جبهة النصرة".

وتشير الهستيريا التركية من خسائر الإرهابيين في إدلب إلى تورّط أنقرة بشكل مؤكّد في دعم هؤلاء، خصوصاً مع ربط ذلك بالضربة التي أودت بحياة 33 جندياً تركياً بجبل الزاوية في الأسبوع الأخير من شباط/فبراير الماضي، والتي استهدفت وفق تأكيدات موسكو آلياتٍ للمجموعات الإرهابية الناشطة هناك.

وبين الحرب في إدلب في نهاية الأزمة السورية، وبين تصاعُد التوتّر في ليبيا، في بداية حربٍ جديدة وفق الكثير من المؤشّرات المتوافرة منذ سنوات، تعيد السياسة الخارجية التركية تقديم نفسها ليس من خلال رؤية نقدية للمرحلة السابقة وتصحيح المسار، بل من خلال مغامرة جديدة غير معلومة النتائج. 

وإذا كانت الأزمة السورية قد أودت بمستقبل أحمد داوود أوغلو ونظرية "صفر مشكلات"، فإن المغامرة التركية الأخيرة، لو قيّد لها الاستمرار، قد لا تجد مستقبلاً سياسياً تحصده سوى مستقبل إردوغان نفسه، خصوصاً بعد إحكامه السيطرة على تركيا ونظامها بصورةٍ كاملة.

 

إقرأ أيضاً

حرب أسعار النفط بين السعودية وروسيا.....