أميركا.. عنف الدّولة ونسخته العصرية

الأحداث المشتعلة التي تعيشها الولايات المتحدة اليوم، تعيد تسليط الضوء على سياق المشاعر العنصرية خلال القرن الماضي، والانفجارات الاجتماعيّة التي أحدثتها، واستجابة الدولة الأميركيّة بالعنف للفروقات في الحقوق المدنيّة. ومن جهةٍ أخرى، تستدعي إلى المقارنة نموذج "إرهاب الدّولة" الّذي تمارسه "إسرائيل" على أساسٍ عنصريّ أيضاً.

  • أميركا.. عنف الدّولة ونسخته العصرية
    صورة من الاحتجاجات في أميركا

لم تضع الاحتجاجات التي تجتاح الولايات المتحدة عقب مقتل جورج فلويد على يد شرطة مينيابوليس أمن البلاد برمّتها على المحكّ فحسب، بل أحدثت خللاً واضح المعالم في تركيبتها الاجتماعية، وفي العلاقة القائمة بين مكوّناتها العرقية وأحزابها والحراكات المصلحيّة المعقّدة التي لطالما أُخفيت صراعاتها الحادّة تحت راية الحلم الأميركيّ الذائع الصيت.

ومن الواضح أنَّ ما يحدث في عددٍ كبيرٍ من الولايات من احتجاجات، سوف يحجز له مكاناً دامغاً في تاريخ البلاد الحديث، فما يحدث لا يشكّل نقطة تحوّل مذهلة في علاقة الأميركيين الأفارقة السود بالشرطة والقانون فقط، بل إن ملامح خاصّة تبرزها التطورات الأخيرة، وهي تشير إلى فوارق في تأثيرات جائحة "كوفيد 19" بين هؤلاء وبين الأميركيين البيض أيضاً، وهي تأثيرات يعتقد قسمٌ كبير من الأميركيين الأفارقة بعدم تناسبها وتساويها بين الطرفين. 

لكن مع صعوبة تحديد ذلك بصورةٍ حاسمة ومفهومة للجميع، فإنَّ مسار الأحداث وطول مدّتها سوف يحدّد أي اتجاه ستسلك، وأية معانٍ ستكتسب، وخصوصاً مع اقتراب الاستحقاق الانتخابي الأبرز في البلاد، وهو انتخاب رئيس جديد في الخريف المقبل لولاية من 4 سنوات. لذلك، فإن مراقبين كثراً ينظرون إلى الخلف نحو التجارب التاريخية السابقة لفهم اللحظة الراهنة ومدلولاتها المعقدة.

تكتيك تدمير الممتلكات

في مرحلة الستينيات من القرن الماضي، كان الأميركيون الأفارقة يكافحون من أجل المساواة العرقية داخل المجتمع وفي الحياة العامة، غير أن تلك المرحلة الصاخبة لم تكن سوى محطة واحدة من محطات حركة الحقوق المدنية التي واكبت مسيرة البلاد منذ أن كانت. 

ولطالما برزت أساليب الاحتجاج كمؤشرٍ على مضامينه، فمنذ سنوات طويلة جداً والناس في الولايات المتحدة يمارسون تدمير الممتلكات والمرافق العامة كشكلٍ من أشكال المعارضة السياسية. وأحياناً، كان هذا النوع من الاحتجاجات يعبر عن مظالم مشروعة بسبب أنظمة الشرطة العنيفة والعنصرية، وأحياناً بسبب دوافع أكثر خطورة. ففي الأربعينيات والخمسينيات من القرن الماضي، قام البيض في مدينة شيكاغو في ولاية إيلينوي بأعمال شغب وتدمير ممتلكات الأميركيين الأفارقة بصورةٍ متكررة، من أجل طردهم من الأحياء التي يسكنها البيض، ما يدلّ على أنَّ ما يحدث هو جزء من تراث العنف المجتمعي في أميركا، والمبني على انتماءات عرقية ومشاعر عنصرية راسخة تشكل جزءاً حقيقياً من الهوية الأميركية، وتعبّر عن البصمة الفريدة للبلاد، قبل أن تولد نماذج أخرى تنتهج التفرقة العنصرية أو الفصل العنصري كسياسة عامة.

في المقابل، كانت هناك مجموعات من الأميركيين الأفارقة تعتقد أنّ العنف سببه التفرقة العنصرية، وأن هذه العنصرية شكَّلت السبب الأساس لبقاء هذه الممارسات في المجتمع الأميركي. لذلك، لن يتم إسقاط العبودية إلا بالعنف. واعتبر هؤلاء أنّ الاحتجاج يجب أن يكون مباشراً وعدوانياً وعنيفاً من أجل تسريع عملية التحرر.

لقد كان المجتمع الأميركي على الدوام بيئة خصبة للعنف والعنف المضاد، ليس من ناحية الخيار كتكتيك مرحلي فحسب، بل من ناحية بناء الواقع السياسيّ على أساس هذه التكتيكات أيضاً. استخدم الناس إلى حد كبير كل أداة ممكنة في سياق هذا الصراع، من الخطاب الحماسي الجماهيري إلى الصحافة والكتابة على الأجساد وغيرها...

وقد أدى ذلك وظيفته في نهاية الستينيات. ولا شك في أنه ساهم في إلغاء الكثير من مظاهر التمييز. واليوم، تمارس تكتيكات شبيهة في مواجهة وحشية الشرطة، والاعتراض على الاعتقال الجماعي، ومكافحة الظلم الصارخ بين المجتمعات البيضاء والمجتمعات السوداء.

تقاتلون لأجلنا.. لكنَّكم لستم مثلنا

ملاحظة أخرى ذات مغزى يمكن تسجيلها بمراقبة الأحداث الأخيرة، فارتباط الظروف التي أنتجتها الجائحة بالتظاهرات وأحداث العنف واضح وملموس، ويعززه التاريخ، حين نعلم أن موجة الإنفلونزا الإسبانية التي تفشت في العامين 1918 و1919، رافقتها تمردات جماعية في المنطقة الشمالية من الولايات المتحدة، وذلك لعدة أسباب.

كانت المنافسة الاقتصادية أحد أهم تلك الأسباب، إذ شارك الأميركيون الأفارقة في الحرب العالمية الأولى، وهاجر قسم كبير منهم من الجنوب إلى الشمال من أجل فرص العمل. ورغم أنهم قاتلوا لحماية البلاد، ولكن لم يُسمح لهم بالحصول على وظائف، ثم ساهم انتشار الإنفلونزا الإسبانية في عدم الاستقرار الاجتماعي، ففي صيف العام 1919 الملتهب، تكدَّس الشبان السود في المدن الشمالية التي لم يكونوا متواجدين فيها من قبل، وواجهوا مقاومة من السكان البيض الذين لم يفرحوا برؤية المدافعين عنهم قبل أشهر شركاء لهم في العمل.

هناك رأي آخر هنا، وهو يعتبر أنَّ من الكسل الفكري التركيز على الستينيات كطريقة لفهم سياق الاضطرابات الحالية التي أثارها "القتل المتفوق" الأبيض لجورج فلويد. ويستدل أصحاب هذا الرأي على عدم جواز التفكير الرومانسي حول الصراع بأن كفاح السود ضد العنف خارج نطاق القانون، ووحشية الشرطة لم تتوقف يوماً، ليس من التسينيات فحسب، بل منذ أكثر من قرن من الزمن، حيث كان هؤلاء أهدافاً للعنف الأبيض، كما حدث في أعمال الشغب التي اجتاحت أتلانتا في العام 1906، أو الأحداث المماثلة في سبرينغفيلد في العام 1908، أو ما سمي بـ"الصيف الأحمر" في العام 1919 في تولسا وفي أوكلاهوما في العام 1921، أو في حادثة أوسيان سويت في العام 1925... 

في كلٍّ من هذه الأمثلة وغيرها، يتبيَّن كيف كان السود ضحايا للعنف العنصري الجماعي. وغالباً ما يكون هذا العنف الذي يرتكب ضد السود غير مضبوط من الدولة بصورةٍ كافية، ثم يتم إظهار ردود الأفعال من قبل الضحايا على أنها الجريمة التي توجب العقاب، ويصبح ذلك وسيلة لتصوير السود على أنهم مدمرون وعنيفون، وبالتالي يتم تبرير الطريقة التي تستجيب بها الشرطة لهذا العنف.

إنَّ ما يحدث اليوم مألوف في التاريخ الأميركي. ورغم ذلك، فإن توقيته في هذا العصر، مع تعقيدات المرحلة التي تمر بها البلاد والعالم، يجعله حدثاً فريداً في الوقت نفسه، ففكرة التمرد والانتفاضات والتعبير عن الغضب في أعقاب الظلم، متجذرة بعمق في التجربة الأميركية، وكذلك استجابة إنفاذ القانون، في محاولة لقمع هذه الأنواع من الإضرابات ضد النظام الاجتماعي أو إدارتها.

ففي الليلة الأولى من حزيران/يونيو 1921، حدثت مذبحة سباق تولسا التي أشرنا إليها. ويمكن الانتباه إلى أن ما يجري يمكن أن يكون دورياً في حياة أميركا، وخصوصاً من زاوية "عنف الدولة" واستجابتها، فيوم كان السود يتجهون غرباً لتحقيق الذات وتقرير المصير والاستفادة من حلم الحرية الأميركي، كانوا يقابلون - كما يحصل اليوم - بعنف الدولة.

كونوا كمارتن لوثر كينغ

في العام 1943، كان هناك أكثر من 240 حدثاً متزامناً من أحداث الشغب العرقي في جميع أنحاء الولايات المتحدة. وغالباً ما كان سبب ذلك العلاقة المتوترة بين الشرطة والمواطنين من ذوي البشرة السوداء، ولكن ذلك تعزز أيضاً من خلال الشعور بوجود أمةٍ على حافة الهاوية، فقد اندلعت التظاهرات بسرعة أكبر خلال الحرب العالمية الثانية، لأنه كان هناك الكثير من التوتر.

 يعتقد معظم الناس أنّ أميركا في الحرب العالمية الثانية كانت أمةً متحدة فعلاً، ولكن هذا لم يكن الحال بالتأكيد. كان هناك توتر عنصري شديد للغاية خلال الحرب... وجاءت احتجاجات الحرب العالمية الثانية مباشرة قبل صدور كتاب عالم الاجتماع غونار ميردال "معضلة أميركية"، حيث حدد دولتين: واحدة سوداء وأخرى بيضاء. 

بعد الحرب، وللمرة الأولى، أخذت المدن على عاتقها دراسة المسألة العرقية. لقد فعلوا ذلك في كثير من الأحيان من زاوية ما يسميه العلماء نهج "القلوب والعقول"، واعتقدوا أنه إذا كان بإمكاننا فقط معالجة التحيّز الذي يضمره البيض، فسيكون هذا هو الشيء الذي سيحل كل المشاكل، لكنهم لم يتوصّلوا حقاً إلى حل القضايا الأكثر أهمية، مثل قضايا وحشية الشرطة والبطالة والفصل في السكن وفي المدارس.

في الستينيات، كما اليوم، نظر بعض الناس إلى أعمال الشغب على أنها الطريقة الخاطئة في ممارسة الاحتجاجات، وجرى انتقاد مثيري الشغب، عبر القول: لماذا لا تتصرفون بطريقة غير عنيفة، مثل مارتن لوثر كينغ جونيور أو روزا باركس؟ تكمن المشكلة في أن هذه النظرة تقدم مارتن لوثر كينغ على أنه التعبير الوحيد عن الحقوق المدنية للسود، في حين كان هناك العديد من المقاربات المختلفة للحقوق المدنية ولاحتجاجات الأميركيين الأفارقة في الستينيات، حتى إن كينغ نفسه كان يتحدث بصراحة وبحدّة عن وحشية الشرطة. لذلك، فإن أعمال الشغب غالباً ما يُنظر إليها على أنها سقوط لحركة الحقوق المدنية، على عكس الفصل التالي في التكتيكات التي شعر الناس بأنهم مضطرون إلى استخدامها.

بين "عنف الدولة" و"إرهاب الدولة"

تحدثنا في الحالة الأميركية عن عنف الدولة. كيف يمكن لدولة أن تمارس العنف بصورةٍ منهجية ودورية، بل دائمة ومستدامة على جزءٍ من شعبها، وعلى أساس الانتماء العرقي! الآن، تبرز إلى الذهن مباشرةً مقارنة بنموذج آخر مدعوم أميركياً من "عنف الدولة"، لكن التسمية هنا تبدو فائقة النعومة. والأقرب إلى الحقيقة هو تعبير "إرهاب الدولة" عندما يكون الحديث عن "إسرائيل"، فمنذ ما قبل نشأة الكيان الإسرائيلي، أي قبل إعلان الدولة في العام 1948، والعنف المتطرف من قبل العصابات الصهيونية هو تقريباً الأداة الوحيدة المستخدمة ضد العرب، وهو عنف ضد من تم تشتيتهم في براري الدول المجاورة وحول العالم، وعنف ضد من ظلّوا داخل الأراضي المحتلة، وعنف ضد من حافظوا على وجودهم في الضفة والقطاع، بل وصل إرهاب الدولة العنيف إلى استخدام العنف ضد "اليهود" الوافدين إلى "إسرائيل" من جنسيات أفريقية أيضاً.

إنها نسخة محدثة من الإرهاب المنظّم القائم على تشريد شعب كامل من أرضه، وإحلال مهاجرين مستجمعين من أصقاع الأرض، ليسلبوا الأرض من أصحابها المطرودين - بالعنف - خارج أملاكهم التي عاشوا فيها وأجداهم لآلاف السنين المتصلة.

إنّ تتبّع خطوات المؤسَّسة الرسمية الأميركية واللبنات الأولى في بناء الدولة الأميركية على أنقاض أرض الهنود الحمر؛ السكان الأصليين لأميركا الشمالية، يظهر الأسباب التي تجعل من الدعم الأميركي المطلق للاحتلال الإسرائيلي وللعنف الذي يمارسه أمراً مفهوماً ومتوقعاً، فالدولة الأميركية بُنيت على أرض الغير، بالضبط كما بنيت دولة الإرهاب في "إسرائيل" على أرض الغير. 

وإن كان السّجناء واللصوص والمنبوذون من أوروبا الغربية هم المستوطنين الأوائل لأميركا الشمالية، فإن المنبوذين من أوروبا أيضاً، بفعل الخلافات الدينية والسياسية هناك، هم من أُعطيوا أرض الغير في فلسطين، ومُكّنوا من طرد أهلها. هو نموذج متشابه، لكنه في الحالة الأميركية اكتسب خاصيّتين مميزتين: القوة الإمبراطورية والحلم الأميركي كمنتج ثقافي دعائي، وكلاهما يتداعيان.