هل تضطر الصين إلى إجراء جراحة عاجلة في هونغ كونغ؟

أزمة هونغ كونغ تبرز أكثر فأكثر آثار الصراع الجيوسياسي بين الولايات المتحدة والصين. وفي حين تبدو الأحداث مؤاتيةً لمزيدٍ من التوتر، تلوح في الأفق إمكانية لصيغة رابحة للجميع تمثلها التهدئة في هونغ كونغ. كيف ذلك؟ 

  • هل تضطر الصين إلى إجراء جراحة عاجلة في هونغ كونغ؟
    أزمة هونغ كونغ تبرز أكثر فأكثر آثار الصراع الجيوسياسي بين الولايات المتحدة والصين

لم تتوقّف الولايات المتحدة الأميركيّة يوماً عن محاولاتها لزعزعة وحدة الصين واستقرارها الداخلي، وخصوصاً بعد أن شهدت الأخيرة نهضةً اقتصاديّة أسطوريّة خلال العقود الأربعة الأخيرة، كنتيجةٍ لتطبيق "سياسة الانفتاح" بعد العام 1979. 

في السّنوات الأخيرة، سعّرت واشنطن حملتها على بكين، فغذّت بالدعاية حرائق عديدة في بورما وبحر الصين الجنوبي، وفي هونغ كونغ أيضاً. في القضيتين الأولى والثانية، تستمر التفاعلات ميدانياً وإعلامياً، في محاولةٍ لإظهار الصين كدولةٍ ديكتاتورية في الداخل مع الأقليات، وفي الجوار مع الدول الجارة الأقل قوة. أمّا في القضية الثالثة، فالمراد هو إظهار ضعف الديموقراطية في التعامل مع الشّعب الصّيني نفسه، الّذي لطالما عاش في هونغ كونغ في ظلّ حكمٍ ذاتي، بعد أن كان يعيش تحت العلم البريطانيّ حتى العام 1997.

وفي الأمس القريب، وبعد قرار بكين تفعيل قانون الأمن القومي لهونغ كونغ، أعلنت الولايات المتحدة أنّ الأخيرة لم تعد تتمتّع بالحكم الذاتي.

هذه التطوّرات والعقوبات التي تلوح في الأفق الآن، ألقت بظلالها على النّظرة المستقبليّة بعيدة المدى للإقليم، حيث يتوقع أن يتم إلغاء التعامل المتميز الذي حظي به الإقليم في علاقته بالاقتصاد الأميركي وبمسائل التمويل وانتقال الأفراد، الأمر الذي سيؤثر سلباً بطريقةٍ حتمية في وضع هونغ كونغ كمركز مالي دولي.

ومع التّشويه الكبير الذي طال صورة الصين بفعل الحملة عليها، على خلفية انتشار فيروس "كوفيد-19" وتحميلها مسؤولية التسبّب بهذا الانتشار وإخفاء معلومات عن العالم بخصوصه، يكثر الحديث عن نهاية نظام "بلد واحد ونظامين"، الَّذي حكم العلاقة بين بكين وهونغ كونغ، مع العلم أنَّ الولايات المتحدة وكبار مسؤوليها، وعلى رأسهم الرئيس دونالد ترامب، هم الذين عمدوا وأصرّوا مرةً بعد أخرى على إلصاق تهمة نشر الفيروس ببكين.

ولفهم ما هو على المحكّ اليوم بصورةٍ أفضل، من المهم أن نتذكر ما حدث في هونغ كونغ خلال الاحتجاجات الأخيرة. لقد تم إلقاء النيران على مباني الشرطة، وتمت مضايقة أبناء الضباط وأفراد الشرطة في المدارس، إضافةً إلى نهب الشركات المرتبطة بالصين، وتمت ممارسة سلوكيات عنيفة ضد المكاتب التمثيلية التي تمثل بكين، في تحدٍ واضح لسيادتها في هونغ كونغ، إضافة إلى انتشارٍ سريعٍ للأفكار والشعارات التي تدعو إلى "تقرير المصير" و"الاستقلال"، وهي شعارات لطالما دعمتها واشنطن في البلدان الّتي تنافسها أو تعارض تدخّلاتها ومصالحها.

يرفض المشرعون المناهضون لبكين في هونغ كونغ إلغاء الرعاية المعنوية للمشاعر الانفصالية. هناك علاقة تكافلية غير معلنة بينهم وبين المعسكر الراديكالي، يستمدّ أطرافها القوة من بعضهم البعض. وقد أدى ذلك إلى إنشاء هيئة تشريعية متعثّرة تعوّق جهود الحكومة لمعالجة "التناقضات العميقة"، مثل الإسكان طويل الأجل، وهذا ما يبقي هونغ كونغ منقسمة بشكل خطير.

ولطالما كانت التدخّلات الأجنبية المعادية لبكين تدعم هذا الشعور وهذا الميل للقوى المحلية ضد الصين، وهذا يشمل على سبيل المثال في الآونة الأخيرة اجتماع كبار المسؤولين الأميركيين، مثل نائب الرئيس مايك بنس ووزير الخارجية بومبيو، مع النشطاء البارزين من هونغ كونغ، تحت عنوان دعم الديموقراطية وقواها. والآن، كما لو أنّ سخرية القدر تجلب إلى البال احتمال دعم الصّين باسم الديموقراطيّة وحقوق الإنسان للاحتجاجات المشتعلة حالياً في الولايات المتحدة على خلفيّة قتل الشرطة لجورج فلويد.

هواجس بكين

من وجهة نظر بكين، ما تقوم به الولايات المتحدة الآن في هونغ كونغ هو تشويه نظام "بلد واحد ونظامين" واختطافه، كما تم تصوره في الأصل، فلم يفقد العديد من الناس "هونغ كونغ" إحساسهم بالدّولة الواحدة فحسب، بل إنّ الاحتجاجات العنيفة تحوّلت إلى انهيار حاد للقانون والنظام، وباتت تضع سيادة بكين أمام تحدٍ خطر، وترفع قامة الحواجز السياسية التي ستعوق تنمية هونغ كونغ في المستقبل.

لقد تمَّ التعبير عن هواجس بكين من خلال فيلم وثائقيّ من جزأين عرض قبل أسابيع فقط على تلفزيون "CCTV" بعنوان "هونغ كونغ أخرى". فبالنسبة إلى بكين، أصبحت هونغ كونغ الآن قاعدة للتخريب والأعمال السرية، وجزءاً لا يتجزأ من استراتيجية جيوسياسية لإعاقة صعود الصين. ولا يزال سنّ المادة 23 من قانون هونغ كونغ الأساسيّ، وهو ضمانة رئيسة للأمن القومي، محبطاً بعد ما يقارب 23 عاماً من المعارضة الشديدة. لقد بات نموذج "دولة واحدة ونظامين" في وضع خطر. وبغضّ النظر عن ارتدادات ذلك، فإنّ الحاجة إلى جراحة صينية عاجلة هناك تبدو ملحَّة قبل فوات الأوان.

في الحقيقة، لا يبدو أنّ بكين ستتراجع عن موقفها في مسائل حاسمة مثل الأمن القومي وإعادة النظام إلى هونغ كونغ كجزء من الصين، ولكنها في الوقت نفسه أعربت عن تأكيدها أن حريات هونغ كونغ ستظل محمية بقوانينها الذاتية (قوانين هونغ كونغ)، بما في ذلك حرية التعبير والتجمّع والاحتجاجات، لكن كيف سيتمّ إنهاء الأزمة؟

عندما يحين وقت العد التنازلي النهائي لإنهاء الأزمة الحالية، قد يُترك التنفيذ المباشر لقانون الأمن القومي الجديد لوكالات إنفاذ القانون في هونغ كونغ، مع مراعاة الضوابط والتوازن للسلطة القضائية المستقلة هناك. كما يمكن إنشاء وكالة للأمن القومي، على غرار الفرع الخاص لقوة شرطة هونغ كونغ الملكية السابقة خلال الحقبة الاستعمارية.

وإذا كان جدار الحماية الذي يحصّن الحريات المشروعة لهونغ كونغ قوياً بما فيه الكفاية، فإن الغالبية العظمى من السكان، بمن فيهم الأجانب، لا يجب أن يشعروا بالخوف، كما تقول بكين، لكن ذلك يتوقف أيضاً على طبيعة التعريف الصيني للأمن القومي وأكلافه.

في السابق، ومع كثير من الجهود، تعاملت الصين بشيءٍ من الحكمة في مسألة هونغ كونغ، لتتجنب إعطاء أي انطباع بالتدخل الدائم فيها. كانت الاتصالات الرسمية على جميع المستويات تخضع لرقابة مشددة. ورغم ذلك، عندما أصبحت الاقتصادات العابرة للحدود متشابكة بشكلٍ وثيق، زادت الصراعات "الهوياتية"، من خلال زيادة التدفّق الحرّ للأفراد والشركات وتغيّر أسلوب الحياة، وذلك على عكس ما كان يفترض به أن يحصل، أو لنقل إن الأمور جرت على عكس المتوقع.

ورغم ذلك، فإنّ حريات هونغ كونغ صمدت حتى الآن. لا تزال هونغ كونغ مدينة احتجاجات ومقراً لصحافة نشطة مناهضة لبكين وضد الحكومة. وعلى الرغم من الاحتجاجات المناهضة لتسليم المجرمين، لا تزال هونغ كونغ تحتل المرتبة الثانية في مؤشر الحرية الاقتصادية للعام 2020، الذي نشرته مؤسسة "هيرتاج" في 17 آذار/مارس 2020. وارتفعت جميع المؤشرات المتعلقة بسيادة القانون و"حقوق الملكية" و"الفعالية القضائية" و"نزاهة الحكومة".

وراء نار غضب الاحتجاجات الآن في هونغ كونغ، هناك محاولات شديدة الإصرار لتحقيق حقّ الاقتراع العام الحقيقي. الهدف الأهم لهؤلاء المحتجين هو محاولة حشد التأييد على المستوى العالمي لقضيتهم، لكن الخطورة هنا أن هذا التأييد يتم استغلاله وصرفه في دعم أعمال العنف التي يراد لها أن تتصاعد، لأسبابٍ جيوسياسية متعلقة بالحرب على الصين، والتي لم تعد باردة، على الأقل بالنظر إلى ملفّي هونغ كونغ وبحر الصين الجنوبي.

قانون الأمن القومي وحقّ الاقتراع

إن الديموقراطية في كل أنحاء العالم نسبية. لا يمكن لنوع الديموقراطية في منطقة هونغ كونغ الإدارية الخاصة أن يتبع النماذج الوطنية بصورة عمياء. إنّ مبدأ "التقدّم التدريجي والمنظّم" في حقّ الاقتراع العام منصوص عليه في المادة 45 من القانون الأساسي في هونغ كونغ. 

وفي هذه المسألة، من المفيد جداً أن يثق حكّام هونغ كونغ ببكين، وأن يعملوا معها بشكل وثيق، على عكس محاولات تحويل النهج الحاكم هناك ليكون مسكوناً بأفكار تقرير المصير والانفصال، ناهيك بفكرة الاستقلال التام والنهائي. ففي غياب الثقة المتبادلة، لا يمكن تجنّب الانعكاسات الكارثية للأحداث الحالية على اقتصاد البلاد وأمنها ومعيشة سكانها في حال الذهاب نحو استقلال تام.

ففي ظلّ نظام "One Country Two Systems"، لا توجد الدّولة الواحدة بالاسم فقط، ولا يمكن أن تتحقّق درجة عالية من الاستقلالية للحكم الذاتي الكامل. وكلّما شعرت بكين بالتهديد، ستبذل جهوداً أكبر وأكثر قساوة لاستعادة التوازن، والعكس صحيح أيضاً. إذا كان الأمن القومي محمياً بشكل كافٍ، وإذا نجح المعسكر الديموقراطي في بناء ثقة متبادلة كافية، فمن المرجّح أن تسمح بكين بمزيد من المكاسب لهونغ كونغ، وخصوصاً في مسألة الاقتراع العام. فعلى سبيل المثال، يمكن توسيع هامش المرشّحين المقبولين، على الرغم من الحفاظ على إجراء الفحص المسبق للأهليّة.

وعلى المدى الطويل، لا يزال نظام الدولة الواحدة يشكّل أهمية حيوية لمصلحة بكين، فهونغ كونغ هي أكبر مركز خارجي للصين لتداول العملة الصينية، وهي تستعد لأداء دور أكبر في منطقة الخليج، وفي مبادرة الحزام والطريق، بعد اكتمال مشروعها. هذه مكوّنات استراتيجية لتحقيق الحلم الصيني. لذلك، فطبيعة الحكم في هونغ كونغ الحالية مفيدة للصين، ذلك أنّ تحويلها إلى شنغهاي أخرى لا معنى له.

صيغة رابحة للتهدئة

إنّ مكانة هونغ كونغ كمنطقة جمركية منفصلة تنبع من موافقة منظمة التجارة العالمية، وليس من الإملاءات الأميركية بصورةٍ مباشرة. ويدعم ارتباط عملتها بالدولار الأميركي باحتياطيات ضخمة من العملات الأجنبية فيها (حوالى 441 مليار دولار)، مستفيدة من دعم بكين غير المشروط.

وتمثل التجارة الخارجية لهونغ كونغ مع الولايات المتحدة حوالى 2% فقط من الناتج المحلي الإجمالي للمدينة. لذا، من غير المحتمل أن يضر بها أي فرض للتعريفات الجمركية التجارية الأميركية كثيراً.

وفي الحالات القصوى، قد يكون المنع من الوصول إلى الدولار مربكاً، ولكن ليس بالضرورة قاتلاً في حالة هونغ كونغ، حيث توجد عملات عالمية أخرى ذات سمعة طيبة، بما في ذلك اليورو والجنيه الإسترليني.

وفي الوقت الذي تقف بكين خلف هونغ كونغ بشكل كامل، من المرجح أن يؤثر الهجوم الأميركي سلباً فيها، ولكنه لن يكون كافياً لقتلها. من ناحية أخرى، تمتلك الولايات المتحدة أكبر فائض تجاري لها مع هونغ كونغ - حوالى 30 مليار دولار سنوياً. تستضيف هونغ كونغ 290 مقراً إقليمياً لشركة أميركية و434 مكتباً إقليمياً أميركياً. في المحصلة، تستفيد الشركات الأميركية بشكل كبير من الوضع الخاص للمدينة.

وعلى المستوى الجيوسياسي، يبدو من المنطقي جداً أن تدعم الولايات المتحدة مكانة هونغ كونغ الخاصة، كبطاقة مهمة تلعبها في وقت يزداد التنافس بين الولايات المتحدة والصين. وبخصوص الوضع المستقبلي لهونغ كونغ، من المرجح أن تسود العقلانية على الجانبين في نهاية المطاف، وستضمن بكين أن الأمن القومي لن يدمر استقلال هونغ كونغ. 

وفي المقابل، من المرجّح أن تتراجع واشنطن عن قتل الدجاجة التي تبيض ذهباً. وإذا كان الأمر كذلك، فمع قانون الأمن القومي المعمول به حالياً، قد تصبح هونغ كونغ مكاناً أكثر أماناً وهدوءاً للجميع للعيش والاستثمار والازدهار، من دون أن تفقد بريقها، باعتبارها لؤلؤة الشرق المثيرة حيث يلتقي الشرق بالغرب. إنّ هونغ كونغ المستقرة والمزدهرة هي في مصلحة الجميع، لشعب هونغ كونغ، والصين، والولايات المتحدة، بل وبقية العالم.