التّصنيع العسكريّ التركيّ.. متطلّبات الداخل ومنافسات الخارج

العوامل السياسية كانت دوماً من أهم محدّدات توجّهات التصنيع العسكري التركي في شقّه التصديري، إذ وجهّت أنقرة صادراتها نحو فئة محدودة من الدول التي ترتبط معها بعلاقات وثيقة.

اتّخذ التصنيع العسكري التركي خلال السنوات الأخيرة منحى تصاعدياً ملحوظاً، مدفوعاً بعدة عوامل، أهمها التوتر المتزايد في العلاقات الدولية لأنقرة، الذي حدّ كثيراً من عمليات تصدير الأسلحة إلى تركيا، وكذا الانخراط العسكري التركي في عدة نزاعات وأزمات إقليمية، ما يجعل من الضروري توفير القدر الكافي من الأسلحة والذخائر، وكذلك تطوير المنظومات القتالية الحالية والمستقبلية، في ضوء التجارب والنتائج التي ظهرت خلال المعارك في هذه الميادين.

كانت العوامل السياسية دوماً من أهم محدّدات توجّهات التصنيع العسكري التركي في شقّه التصديري، إذ وجّهت أنقرة صادراتها من الأسلحة والمنظومات القتالية نحو فئة محدودة من الدول التي ترتبط معها بعلاقات وثيقة، وهو ما أدّى في بعض الأحيان إلى توترات في علاقة أنقرة مع دول أخرى، توجد بينها وبين هذه الدول خلافات تاريخية عميقة.

تركيا والهند وباكستان.. تعاون عسكريّ رغم الخلافات

توتَّرت العلاقات بين نيودلهي وأنقرة، وخصوصاً في الجانب العسكري، خلال السنوات الماضية، بسبب تنامي العلاقات بين تركيا وباكستان، ولا سيما على مستوى التصنيع العسكري البحري، وتحديداً مجال الكورفيتات والغواصات.

في مجال الفرقاطات، تعاقدت البحرية الباكستانية مع شركة "آسفات" التركية على شراء 4 كورفيتات من فئة "ملجم"، بحيث يتم بناء اثنتين منها في تركيا، وبناء البقية في مدينة كراتشي الباكستانية. وقد تم تدشين عمليات بناء أول كورفيت من هذه الفئة في الرابع من حزيران/ يونيو الماضي في مدينة إسطنبول.

في ما يتعلق بالغواصات، تساهم تركيا منذ العام 2016، عبر شركة "تجارة وهندسة تكنولوجيا الدفاع"، في تحديث أسطول الغواصات الباكستانية، إذ تعمل حالياً على تحديث 3 غواصات ديزل من فئة "أغوستا 90 بي"، أوشكت عمليات تحديث إحداها على الانتهاء فعلياً. ويتم تحديث أنظمة إدارة النيران والسونار في هذه الغواصات.

وقد تعاقدت البحرية الباكستانية مع تركيا في حزيران/يونيو 2019 على شراء الطوربيد المضاد "زارجانا"، الذي تصنعه شركة "أسيلسان"، لتزويد غوّاصاتها المحدثة به، وهو طوربيد ينتمي إلى فئة التجهيزات المضادة للطوربيدات، حيث يتمّ إطلاقه لاعتراض الطوربيدات المعادية.

وقد تم الكشف عنه للمرة الأولى في أيار/مايو 2019، وتتوفر منه نسختان؛ الأولى تقوم بتضليل الطوربيد المعادي ودفعه إلى الاصطدام بها، والأخرى تقوم بالتشويش على الباحث الخاص بالطوربيد المعادي، وأيضاً على إشارات توجيه الطوربيد الصادرة عن الغواصات المعادية.

يشمل التعاون التركي الباكستاني أيضاً جانب الصناعات الجوية. ففي كانون الأول/ديسمبر 2019، افتتحت شركة صناعات الفضاء التركية مكتباً لها في مجمع العلوم والتكنولوجيا في العاصمة الباكستانية إسلام آباد، لتصبح بذلك أول شركة تركية للصناعات العسكرية تفتتح مكتباً لها في باكستان.

وعلى الرغم من أن الغرض الأساسي لافتتاح هذا المكتب هو تكثيف التعاون بين البلدين في مجال أبحاث الطيران والفضاء، فإن افتتاحه كان مرتبطاً أيضاً بصفقة وقَّعها البلدان في كانون الأول/ديسمبر 2018، سيتزوّد بموجبها سلاح الجو الباكستاني بثلاثين مروحية قتالية تركية الصنع من نوع "تي-129 أتاك".

هذه الصّفقة لم يتم تنفيذها حتى الآن، نتيجة لفشل الشركة المصنعة في الحصول على ترخيص من الولايات المتحدة لشراء المحركات اللازمة لهذا العدد من المروحيات. وفي حالة نجاح الشركة في تصنيع محركات محلية الصنع بالكامل، ستتمكّن من تصنيع هذه المروحيات وتزويد باكستان بها.

من جانبها، حاولت الهند استمالة تركيا وفتح أبواب التعاون العسكري معها، على أمل تقليل انخراط أنقرة مع باكستان في المجال العسكري، فاختارت الاتحاد التركي لبناء السفن "تي أيه أي أس" في المناقصة التي أعلنتها في أيار/مايو 2019، والتي تشمل بناء 5 قطع بحرية جديدة، بكلفة تتعدى 2 مليار دولار، إلى جانب تحديث أحواض بناء السفن الهندية، وتطوير تصميمات القطع البحرية الهندية، والخدمات الهندسية واللوجيستية المرتبطة بعمليات الإنتاج، وإعداد مواصفات جديدة للمواد المستخدمة في بناء القطع البحرية المختلفة. ويأتي ذلك في سياق خطة هندية عامة بدأت في العام 2016، بهدف التحديث الشامل لسلاحها البحري. 

وقد بدا منذ ذلك التاريخ أنّ العلاقات بين الجانبين تتطور بشكل إيجابي، إلا أنّ تصريحات منسوبة إلى الرئيس التركي رجب طيب إردوغان بشأن قضيّة كشمير، أثارت غضب نيودلهي، ودفعتها في تشرين الأول/أكتوبر 2019 إلى تعليق العمل بالمناقصة التي اختارت فيها الاتحاد التركي لبناء السفن. وقد ألغت وزارة الدفاع الهنديّة هذا التعليق في شباط/فبراير الماضي. وبالفعل، تم توقيع العقد الخاص بهذه المناقصة.

الموقف التركي من ملفّ صراع أذربيجان وأرمينيا

كان الموقف التركي على الدوام مؤيداً لجانب أذربيجان في صراعها على إقليم ناجورنو كاراباخ مع جمهورية أرمينيا، وهو ما انعكس على التعاون العسكري في ما بينهما، فإضافة إلى التدريبات العسكرية المشتركة بين البلدين، زودت تركيا أذربيجان بمجموعة من المنظومات التسليحية، على رأسها راجمات الصواريخ الثقيلة "تي-300" من عيار 300 ملم، والتي يصل مداها الأقصى إلى 120 كيلومتراً، ما أعطى أذربيجان أفضلية ميدانية على المستوى التكتيكي، لأنها باتت تمتلك القدرة على شنّ هجمات مؤثرة انطلاقاً من إقليم ناختشيفان الحدودي، إضافة إلى تمركزاتها الحالية في إقليم ناجورنو كاراباخ.

والجدير بالذكر أن كلاً من أنقرة وباكو وقعتا في العام 2010 اتفاقية شاملة للتعاون العسكري والشراكة الاستراتيجية، تم بموجبها إجراء عدة تدريبات عسكرية مشتركة تكثفت بشكل أكبر خلال العام الماضي.

هذا التعاون تعزَّز أواخر حزيران/ يونيو الماضي، حين أعلن وزير دفاع أذربيجان أن المفاوضات بين بلاده وتركيا وصلت إلى مراحل متقدمة حول تزوّد باكو بالطائرات التركية من دون طيار من نوع "بيرقدار". ومن المتوقّع أن يتم تمويل هذه الصفقة من خلال الدعم المالي الَّذي تقدّمه تركيا لأذربيجان ضمن اتفاقية التعاون العسكري الآنفة الذكر.

الصادرات العسكرية التركية.. محاولات لفتح أسواق أكبر

شابت التوترات علاقة تركيا مع بعض الدول الأوروبية، وانعكس ذلك على صادرات الأسلحة التي تقدّمها بعض هذه الدول لأنقرة، حيث ما زال الحظر الذي فرضته عدة دول أوروبية، منها فرنسا وكندا والسويد وجمهورية التشيك والنرويج وهولندا وفنلندا وإسبانيا وألمانيا، على تصدير الأسلحة والذخائر إلى أنقرة، سارياً، وجدّدت مؤخراً بعض هذه الدول، ومنها كندا، هذا الحظر إلى أجل غير مسمّى. 

هذه التوترات جعلت أنقرة تمضي قدماً في استراتيجية ثنائية، تستهدف من خلالها الوصول إلى حالة الاكتفاء الذاتي في مجال تصنيع مختلف أنواع الأسلحة والمنظومات القتالية من جهة. ومن جهة أخرى، تستهدف فتح أكبر قدر ممكن من الأسواق الخارجية الجديدة لمنتجاتها العسكرية.

في ما يتعلَّق بالأسواق الخارجية، ووفقاً لأحدث البيانات الصادرة عن معهد "ستوكهولم" الدولي لبحوث السلام، فقد انخفضت واردات تركيا من الأسلحة بين العامين 2015 و2019 بنسبة 48 في المائة عن فترة السنوات الخمس السابقة، في حين تصاعدت صادرات الأسلحة التركية إلى الخارج بنسبة 86 في المائة بين العامين 2015 و2019.

وشملت هذه الصادرات الطائرات من دون طيار، والصواريخ، والمركبات المدرعة، والمدفعية، والقطع البحرية التي تم تصديرها إلى دول مثل باكستان وماليزيا وسلطنة عمان وقطر وأذربيجان.

وقد لوحظ توجّه تركيا، مؤخراً، نحو فتح أسواق جديدة لأسلحتها في منطقة الشرق الأوسط والخليج العربي، فوقّعت شركة "أسيلسان" للصناعات الدفاعية في أيار/مايو الماضي عقداً مع مملكة البحرين، من أجل تزويدها بمنظومة الدفاع الأوتوماتيكية "أر سي دبليو أس"، لتثبيتها على متن قطعها البحرية المختلفة، بهدف حمايتها من المقذوفات والصواريخ المعادية.

يأتي ذلك ضمن صفقات أخرى في المنطقة وقَّعتها تركيا مع كلّ من قطر وعمان، لتزويدها بزوارق سريعة مخصّصة لعمليات الدورية البحرية والاعتراض. يُضاف إلى ذلك تعاقد وزارة الداخلية التونسية على شراء 9 عربات مدرّعة تكتيكية من نوع "فوران". ويتوقّع أن يتزود الجيش التونسي في وقت لاحق بعربات الإسعاف الميداني المدرعة "يالتشين" التي تنتجها شركة "نورول" التركية.

دولياً، تحاول تركيا أيضاً الترويج لأسلحتها في أوروبا، فبعد تصاعد تعاونها العسكريّ مع أوكرانيا، التي تزوَّدت بطائرات تركية من دون طيار ومنظومات أخرى، بدأت تركيا التوجه نحو ألبانيا، ووقّعت معها اتفاقية للتعاون المالي والعسكري تشمل تقديم مساعدات مالية.

وقد تم إقرار هذه الاتفاقية في 11 أيار/ مايو الماضي، بعد أن وقَّعها كل من الجانبين في أواخر العام الماضي. المساعي التركية في هذا الصدد تصطدم أحياناً بصعوبات لوجستية، مثل ملف المحركات، حيث تراجع سلاح الجو الفيليبيني عن شراء المروحيات القتالية التركية الصنع "تي-129 أتاك"، بعد اتضاح فشل تركيا في توفير المحركات والتجهيزات اللازمة لإتمام تصنيعها، والتي يتم توريدها من الولايات المتحدة والمملكة المتحدة. وهذه هي المعضلة نفسها التي تواجهها تركيا في ما يتعلق بصفقة توريد هذا النوع من المروحيات القتالية إلى باكستان.

على مستوى التصنيع العسكري المحلي في تركيا، تسعى أنقرة بحلول العام 2023 إلى أن تصبح دولة ذات اكتفاء ذاتي في مجال تصنيع الأسلحة والمنظومات القتالية. وقد صعدت مؤخراً من عمليات اختبار الأسلحة الجديدة، ومنها عربات القتال غير المأهولة التي يطلق عليها اختصاراً "يو جي في"، إذ شرعت شركتا "أسيلسان" و"كاتميرشيلار" في تطوير واختبار مجنزرة صغيرة يتم التحكّم بها عن بعد، مزوّدة بأبراج قتالية متخصّصة أو بمعدات خاصة بالتعامل مع الألغام أو تنفيذ عمليات الاستطلاع.

في مجال الطائرات المسيّرة، ستبدأ شركة الصناعات الجوية والفضائية "توساش" العام المقبل في إنتاج طائرات شحن عسكرية مسيّرة قادرة على الإقلاع العمودي، وعلى نقل حمولات تتراوح زنتها بين 50 و150 كيلوغراماً. 

كذلك، تعتزم شركة "أس تي أم" للصناعات الدفاعية تزويد القوات المسلحة التركية بنوع جديد من أنواع الطائرات المسيرة الانتحارية، وهي الطائرة "إلباغو" التي تصل زنتها إلى 2 كيلوغرام.

وتعتزم الشركة في نهاية هذا العام إتمام الاختبارات عليها، وإدخالها إلى الخدمة الفعلية في الجيش التركي، كي تنضم إلى طائرة "كارغو" الانتحارية الموجودة بالفعل في الخدمة. وتم استخدامها ميدانياً في ليبيا عدة مرات.

بحرياً، تستمرّ تركيا في عمليات تطوير عدد من الزوارق البحرية غير المأهولة التي يتم التحكّم بها عن بعد، منها القاربان الهدفيان "ألباتروس-ك" و"ألباتروس-تي"، المخصصان لعمليات تدريب القطع البحرية والطائرات على إصابة الأهداف البحرية المتحركة.

أيضاً من أنواع الزوارق البحرية التركية غير المأهولة الجاري تطويرها حالياً، القارب المتعدد المهام "ليفينت"، الذي يمكن استخدامه في مهام مختلفة، مثل عمليات مكافحة الألغام، وعمليات الاستطلاع والمراقبة، وتنفيذ الدوريات البحرية، وعمليات مكافحة التجسّس.

في أوائل الشهر الجاري، أجرت البحرية التركية التجربة الأخيرة على صاروخ "أطمجة"، وهو صاروخ مضاد للقطع البحرية، يمكن إطلاقه عن منصات أرضية أو عن متن القطع البحرية. برنامج تطوير هذا الصاروخ بدأته شركة "روكيتسان" منذ سنوات، بهدف إيجاد بديل محلي لصواريخ "هاربون" الأميركية.

وقد تم الاختبار الأول لهذا الصاروخ في تشرين الثاني/نوفمبر 2019، وهو يمتلك رأساً حربياً زنته 250 كيلوغراماً، ويصل مداه الأقصى إلى 220 كيلومتراً، ما يمنحه أفضلية نظرية عن الصاروخ الأميركي "هاربون"، وخصوصاً أنه يمتلك القدرة على التحليق المنخفض جداً فوق سطح البحر، ما يجعل من الصعب رصده. 

وأخيراً، في ما يتعلق بالدفاع الجوي، اختبر الجيش التركي في 17 حزيران/يونيو الماضي منظومة الدفاع الجوي القصير المدى "صونغور"، التي شرعت شركة "روكيتسان" التركية في تطويرها، بموجب عقد وقعته مع وزارة الدفاع التركية في العام 2013.

وتتميز هذه المنظومة، بحسب الشركة المصنعة، بإمكانية تركيبها على كل المركبات والمنصات البرية والبحرية والجوية، ويصل مداها الأقصى إلى 6 كيلومترات، وتستطيع ضرب أهداف تحلّق على ارتفاعات تصل إلى 4 كيلومترات.

محمد منصور

كاتب مصري وباحث فى الشؤون العسكرية. بدأ العمل الصحافي منذ عام 2008. ليسانس في الأدب الأنجليزي ودبلوم في الترجمة. إنضم لفريق الميادين نت فى أبريل 2016.

إقرأ للكاتب

تاريخ من الإخفاقات العسكريّة الإسرائيليّة في لبنان

صورة "الجيش الّذي لا يقهر" التي كانت تُسوّق دوماً على المستوى الإقليمي والدولي منذ ستينيات القرن...

السلاح الروسي في سوريا.. التجربة أهمّ من الابتكار

مثّلت الحرب في سوريا فرصة للجيش الروسي على مستوى القيادات العليا والميدانية لاختبار مدى القدرة...

التعاون العسكري البحري بين الصين وباكستان يثير قلق الهند

لا يمكن قراءة إصرار الهند على تدعيم قدراتها البحرية وتوسيعها إلا باعتبارها موجهة ضد بكين،...

الهند وباكستان والصين … الثالوث النووي في سباق للتسلّح (1)

أعاد التوتّر الحدودي الأخير بين كل من الهند والصين، والذي أسفر عن عشرات القتلى والجرحى، التذكير...

ما بين المغرب والجزائر.. توتّر عسكريّ مكتوم

لم تكد نيران هذا التوتر تهدأ حتى تصاعدت مرة أخرى، عقب قرار أصدره رئيس الحكومة المغربية سعد الدين...

تداعيات كورونا على الصناعات العسكرية وخطط التسليح.. روسيا والصين

لم تتأثر، كما يبدو، خطط البحرية الروسية لاستلام قطع بحرية جديدة وتدشينها، فقد تسلمت أواخر...