القوقاز: لعبة متعددة الجنسيات ودور ناشط لـ"إسرائيل"

تطوّرات القوقاز الأخيرة زادت من أهمية الأدوار التي تؤديها القوى المعنية في الصراع القديم. قضية ناغورنو كاراباخ أصبحت مدخلاً لتركيا وروسيا و"إسرائيل" إلى المنطقة.

  • القوقاز: لعبة متعددة الجنسيات ودور ناشط لـ
    القوقاز: لعبة متعددة الجنسيات ودور ناشط لـ"إسرائيل"

في الأيام الأخيرة من آب/أغسطس الماضي، أعلن وزير الدفاع التركي خلوصي أكار أنَّ "تركيا طرف أيضاً في نزاع ناغورنو كاراباخ، وتقف مع دولة شقيقة، وتدافع عن حقوقها".

هذا الصراع المستمر الذي يعدّ واحداً من مشكلات الجغرافيا السياسية المعروفة في العلاقات الدولية المعاصرة يخفت لفترة، ثم يعود مشتعلاً وأكثر التهاباً من ذي قبل، وخصوصاً أنه يجري في منطقة مشبعة بالأحداث التاريخية والمعارك القديمة بين القوى الإقليمية على النفوذ والسيطرة، وفي منطقة مسكونة بالصراعات الهوياتية العرقية والدينية. 

ترجع الأزمة إلى تاريخ طويل من التوترات بين الجارتين القوقازيتين، وبالتحديد إلى السنوات الأولى لانهيار الاتحاد السوفياتي، ومطالبة الجانبين بملكية منطقة "ناغورنو كاراباخ". في العام 1994، هزم الجيش الأرمني منافسه، وسيطر منذ ذلك الحين على منطقة ناغورنو كاراباخ، لكن المسؤولين في جمهورية أذربيجان ما زالوا يعتبرون هذه المنطقة جزءاً من أراضيهم، وهناك اشتباكات شديدة نسبياً تندلع من وقت إلى آخر بين قوات الجانبين في هذه المنطقة. 

وفي الجولة الجديدة من هذه الاشتباكات التي بدأت في 15 تموز/يوليو، شنَّ الجانبان هجمات على معاقل عسكريّة لبعضهما البعض على طول الحدود، ما أسفر عن مقتل وإصابة العشرات من قواتهما. ومن بين جيران هذين البلدين، تدعم روسيا الحكومة الأرمنية، وتدعم تركيا جمهورية أذربيجان تقليدياً، لكن لم يكن لأي منهما وجود عسكري مباشر في نزاع ناغورنو كاراباخ حتی الآن، وتركتا حلّ الأزمة للمحادثات بين البلدين.

الجيش الروسي، ومع امتلاکه قاعدتين عسكريتين، هما "أربوني" و"جيومري" في وسط أرمينيا وشمال غربها، وتواجد مقاتلاته من طراز "ميغ 29" فيها، مسؤول عن الأمن الجوي للعاصمة "يريفان" والمجال الجوي العام لأرمينيا، لكنه لا يتخذ أبداً أي إجراء مباشر في منطقة ناغورنو كاراباخ، حتى لا يثير انزعاج جمهورية أذربيجان.

وعلى الرّغم من أن روسيا هي المورد الرئيس للأسلحة للجيش الأرمني، ولكنّها باعت في السنوات الأخيرة كميات كبيرة من الأسلحة المتقدّمة، من مثل أنظمة الدفاع "إس 300" و"بوك إم 3"، للجيش الأذربيجاني.

 

اليد التركية في أزمة أرمينيا وأذربيجان

لطالما أصدرت تركيا بشكلٍ دوري تصريحات تدعم أذربيجان في مطالبتها إبان الحقبة السوفياتية، وخصوصاً خلال المرحلة الستالينية، بمنطقة ناغورنو كاراباخ التي يسكنها الأرمن، لكن هذا الإعلان التركي الأخير عن الدعم يكتسب أهمية مختلفة لعدة أسباب، فقد جاء إعلان خلوصي أكار مع تصاعد التوترات الإقليمية التي نشأت بعد حادثة 12 تموز/يوليو، عندما اقتربت سيارة جيب عسكرية أذربيجانية من نقطة عسكرية حدودية مع أرمينيا، وتبع ذلك نزاع حدودي.

الموقف التركي من الحلقة الجديدة من هذا الصراع أتى في أعقاب استعراض عسكري كبير للدعم التركي لأذربيجان، من خلال رعاية المناورات الحربية على طول حدود أرمينيا مع أذربيجان. وتركيا التي تعاني انخفاضاً كبيراً في قيمة عملتها الوطنية، وركوداً اقتصادياً يحمل معه مخاطر جدية على الاقتصاد المتنامي منذ 20 سنة، تجد نفسها اليوم في موقف الباحث عن مخرج لمشكلاتها، انطلاقاً من أدوارها الإقليمية، إن كان شمالاً في القوقاز، أو جنوباً في الشرق الأوسط وحوض المتوسط.

لقد انخرطت تركيا في خطاب عدائي ضد اليونان ومصر وقبرص، ومارست خطاباً دعائياً ضد "إسرائيل"، ما لبثت أن بانت تناقضاته مع استقرار علاقة الطرفين. وتضع أنقرة الاستفادة من احتياطات الغاز في شرق البحر المتوسط في موضع الركيزة لأهدافها الإقليمية المتوسطة والبعيدة المدى، فيما تضع أهدافاً تكتيكيةً أكثر قرباً على طريق الوصول إلى الهدف الاستراتيجي البعيد المرتبط بفرص الاقتصاد التركي، وبهوية تركيا الاقتصادية في المستقبل، وبدورها على تقاطعات الشرق والغرب، ووسط تداخل مشاريع القوى الكبرى الطاقوية بالجيوبولتيك المعقد في المنطقة، وخصوصاً أن تركيا تقع على تقاطعات مشروع "نابوكو" الأميركي المتعثّر لإمدادات الطاقة من جهة، ووسط مشروع "الحزام والطريق" الصيني نحو أوروبا من جهةٍ ثانية. وبعد هذا وذاك، فإنّ تركيا تقع في فضاء مشروع إمدادات الغاز الروسي إلى أوروبا عبر مشروعات عديدة، أقربها إلى المجال التركي هو مشروع "السيل الجنوبي" وفرعه المعروف بـ"السيل التركي".

وتضع تركيا نصب عينيها مخطّطات عديدة لاستخراج الغاز من شواطئ ليبيا، فتراها اليوم تشارك مع قبرص الشمالية في مناورات حربية بحرية. وتمتد المخططات التركية هذه من ليبيا إلى بحر قزوين، حيث كررت باكو دعمها الثابت للأعمال التركية التوسعية والعدوانية، كاستجابةٍ لموقف تركيا من قضاياها، وخصوصاً مع أرمينيا. ولا يزال غير واضح متى أو بأي شكل قد تتصاعد التوترات في جنوب القوقاز أو البحر الأبيض المتوسط.

لكن الموقف التركي المحدّث من قضية ناغورنو كاراباخ لا يؤدي إلا إلى تفاقم التوترات. وهنا يدخل الدور الإسرائيلي النشط في أذربيجان، وفي منطقة القوقاز بصورةٍ عامة، فـ"إسرائيل" تحاول، من خلال تنشيط علاقاتها مع أذربيجان وجورجيا، التواجد في منقطة القوقاز بصورةٍ أكثر فاعلية، تمكّنها من جهة من أداء دورٍ في المنطقة الفائقة الأهمية، الواقعة في جنوب روسيا وشمال إيران، وهي بحاجة إلى التواجد بين هاتين القوتين، بينما تمكنها من جهةٍ ثانية من الحصول على عقودٍ وإمدادات اقتصادية ومصالح طاقوية مهمة لها. 

وتتزود تل أبيب بأكثر من 40 في المائة من حاجاتها من إمدادات النفط الخام من أذربيجان، مع احتفاظها بخيارات عديدة أخرى تستطيع شراء الخام منها. ومن المحتمل أن يكون مجموع الاستثمار الغربي في إنتاج الهيدروكربون ونقله عبر أذربيجان إلى الشمال قريباً من 100 مليار دولار، من بينها نحو 75 ملياراً من "بريتيش بيتروليوم" وحدها.

إنّه صراع موسّع من شأنه أن يدمّر خطوط أنابيب النقل في المنطقة في ما لو استمرَّ محتدماً وملتهباً، كما ينحو اليوم. إنَّ المشاركة التركية ضمن هذه اللعبة للسيطرة على خطوط الأنابيب، سيعيد إليها فرصة كسب العقد التاريخي أو ما كان يعرف بـ"عقد القرن" الذي تطمح إليه، والذي إذا نجحت أنقرة في خنق أوروبا وابتزازها في قضيّة اللاجئين السوريين، فسيكون تحت سيطرتها.

 

أذربيجان حاجة غربية

إنَّ أذربيجان بموقعها الجيوسياسي في قلب منطقة القوقاز تخدم مصالح غربية محددة، كدولة ممتثلة للإرادة الغربية على الحدود مع إيران، وفيها أغلبية دينية مماثلة لتلك الموجودة في إيران. 

لقد اتهمت أذربيجان خلال المرحلة الماضية، بأنها قاعدة للعمليات وجمع المعلومات الاستخبارية حول إيران. وهي لطالما نفت هذا الاتهام واعتبرت أنها تدير سياسة وطنية. واليوم، إذا تصاعدت التوترات في جنوب القوقاز بسبب المغامرة التركية الجديدة، فلا يمكن لإيران أن تبقى مكتوفة الأيدي، وخصوصاً أنَّ الملايين يعيشون في المقاطعات الحدودية بين البلدين في تداخل ديموغرافي وعرقي قديم.

وخلال المرحلة الماضية، واجهت إيران بعض الأصوات الأذربيجانية حينما تجاوزت في خطابها الوقائع الحالية والتاريخية، وذهبت باتجاه إحياء لغة "أذربيجان الشمالية". ففي عام 2013 وجّهت إيران مذكرة احتجاج إلى أذربيجان، واستدعت جافنشير أخوندوف، السفير لدى طهران يومها، وسلّمته مذكرة احتجاج من السلطات الإيرانية على تنظيم الجبهة الشعبية لتحرير أذربيجان الجنوبية، لفعالية في العاصمة الأذرية باكو، ناقشوا خلالها قضية أذربيجان الجنوبية. وكان بعض أعضاء مجلس النواب الأذربيجاني طالبوا في العام نفسه بتغيير اسم الدولة من أذربيجان إلى أذربيجان الشمالية، كما طالبوا بإجراء مراجعة قانونية لمعاهدات تاريخية منحت روسيا وإيران الحالية سيطرة على مناطق يعتبرونها أذربيجانية.

أما الآن، وفي سياق الصراع الذي تقف فيه روسيا وتركيا على طرفي نقيض، كل دولة إلى جانب حليفتها، فقد أعلن حكمت حاجييف، كبير مستشاري الرئيس الأذربيجاني إلهام علييف في 29 آب/أغسطس الماضي، إن روسيا كانت "تسلّح أرمينيا بشكلٍ مكثف" بعد نزاع تموز/يوليو مباشرة، إذ توجهت طائرات النقل الجوي الروسية من طراز "Il-76" نحو أرمينيا بعد 17 تموز/يوليو.

انتشر هذا الاتهام من حاجييف لموسكو على نطاق واسع في شبكة الإنترنت. وحتى لو كان ذلك صحيحاً، فإنّ ادعاء حاجييف لا ينتمي إلى سياقٍ واضح من الأحداث المعروفة. ففي المقابل تلقت أذربيجان على الأقل طائرات من دون طيار تركية من طراز "بيرقدار" منذ 17 تموز/يوليو. ولم يتم الكشف عن كمية الأسلحة التركية التي تركت لأذربيجان في أعقاب المناورات الحربية، لكنْ لإعلان هاجييف آثار كبيرة.

يعلم الجميع في القوقاز أن الغرب حساس تجاه النفوذ الروسي خارج حدوده. وإذا كان حاجييف ينوي تفجير الموقف بوتيرة أعلى، فقد تتبع ذلك آثار غير متوقعة. قد يكون ادعاء حاجييف نتيجة قيام الرئيس الأذربيجاني علييف بإقالة وزير خارجيته المخضرم، إلمار محمدياروف، مع اتساع نطاق الأعمال العدائية في شهر تموز/يوليو، متهماً إياه بالتساهل مع الأرمن. أما بديله، فلديه خبرة قليلة أو معدومة في السياسة الخارجية.

 

اليد الإسرائيليّة حاضرة

لا يزال من غير المؤكد سبب رد أذربيجان بالطريقة التي تعاملت بها في أعقاب التصعيد الأخير على الحدود. ورغم ذلك، فإن مصطلح عدم الكفاءة العسكرية الأذربيجانية يبدو مناسباً بالنسبة إلى بعض الخبراء منذ أن فقدت أذربيجان لواءً وعقيداً وجنرالين وعشرات الجنود، وطائرة هيرميس 900 من دون طيار إسرائيلية الصنع بقيمة 30 مليون دولار، ما أدى إلى أن يذهب وزير الخارجية السابق ضحية ذلك، إضافة إلى تلقي اللوم من الاتحاد الأوروبي بعد أن سجن علييف العشرات من معارضته.

ردت تركيا سياسياً وعسكرياً لتعزيز موقف علييف. ويبدو أنّ المخاطر تتصاعد، فبينما تروج أرمينيا بشكلٍ متزايد لعلاقاتها الاستراتيجية مع روسيا، باعت "إسرائيل" أذربيجان ما قيمته أكثر من 5 مليارات دولار من المعدات العسكرية العالية التقنية على مدار العقد الماضي. ربما تكون هذه العلاقة قد ساهمت في الزيادة الحالية في التوتر، ما يترك انطباعاً خاطئاً بأن أي جيش عالي التقنية سيكون دائماً متفوقاً.

وفي كل الأحوال، تحاول "إسرائيل" تحقيق مكاسب في الصراع المتصاعد بين أرمينيا وأذربيجان. ورغم ذلك، فإن التشجيع والدعم الممنوحين لأذربيجان سمحا لعلييف بأن يعلن أن العلاقات بين "إسرائيل" وأذربيجان "مثل جبل جليدي، تسعة أعشاره... تحت السطح". هذه العلاقة يمكن تشبيهها بعلاقات "إسرائيل" مع تركيا قبل حادثة "مافي مرمرة".

لكن ربما لن تبقى الأمور على حالها بين أذربيجان و"إسرائيل"، ولا بين تركيا وأذربيجان، وفي الوقت نفسه بين تركيا والأميركيين الذين يبقون أعينهم مفتوحة على اتساعها على منطقة القوقاز. ففي السنوات الأخيرة، أصبحت تركيا تشكل معضلة في المنطقة، حتى بالنسبة إلى الإسرائيليين والأميركيين، فقد تقلص منسوب الثقة من قبل الطرفين بأنقرة كشريك أو حليف، حتى إن وضعية تركيا ضمن حلف شمال الأطلسي لم تعد تعني ما كانت تعنيه في السابق.

هي اليوم لا تزال عضواً في الحلف، لكن التوترات السياسية والعسكرية لا تزال تتسع في الوقت نفسه. الأمر نفسه يمكن أن ينسحب على العلاقات الأذربيجانية-الإسرائيلية، فهذه العلاقات والدعم الإسرائيلي الذي تعتبره باكو مصلحةً كبيرة لها، يمكن أن ينقلبا إلى نقيضهما في حال قرر علييف تغيير وجهة سياساته ليتفاهم مع دول الجوار حول مسائل الأمن الإقليمي والقضايا الخلافية، وخصوصاً روسيا وإيران وأرمينيا.

لكن تحديداً بالنسبة إلى "إسرائيل"، فإنّ التحالف مع أذربيجان بقيادة علييف قد لا يكون آمناً تماماً. فالمصالح الآذربيجانية العليا، والتغيرات الكبيرة التي تشهدها المنطقة، خصوصاً لناحية المشروعات الاستراتيحية الكبرة التي تمر فيها، وأبرزها خطوط الغاز في المشروعين المتصارعين الروسي والأميركي، عوامل قد تؤدي إلى انقلاب الصورة.

وفضلاً عن ذلك، فإن العلاقات الإيرانية الأذربيجانية ليست بالصورة التي يتم الترويج إليها غربياً. فالدولتان تجمعهما علاقات قديمة، ومصالح متجددة. وهما في العصر الحالي أكثر إدراكاً لفوائد التعاون المشترك، وضرورة إبعاد المشروعات الخارجية عن منطقة القوقاز التي لطالما عاشوا فيها جيراناً لقرون من الزمن.

إن رؤية الأمور من هذه الزاوية يبرز إلى الواجهة حجم التباعد بين الإسرائيليين والأذربيجانيين في العمق، نظراً لضحالة وهشاشة ما يجمعهما، ويؤشر إلى أن العلاقات الحالية تغطي تحتها جمراً قد لا يبقى خامداً. فيما يبرز في المقابل تطور العلاقات المشتركة بين باكو وطهران، واتخاذها مساراً تصاعدياً عنوان مصلحة الجارتين.