عودة الفاشية بالزيّ الرّسميّ

صعود موجات التطرّف، وعودة النازيين الجدد، وزيادة نشاطهم في أميركا وحول العالم، تعيد جميعها إطلاق وحش الفاشية من قمقمه، بعد أن اختفى تحت رماد الحرب الباردة، ثم ضاع بعد ذلك في مسارات العولمة. أين ينشط القوميون البيض؟ ومن يدعم نشاطهم؟

  • عودة الفاشية بالزيّ الرّسميّ
    عودة الفاشية بالزيّ الرّسميّ

لم يعد صعود موجة التطرّف العرقيّ والدينيّ محصوراً ببلد أو منطقة بعينها من العالم. باتت هذه الموجة جائحة عالميّة اجتماعية وسياسية، بكلّ ما تحمله من أبعاد مختلفة تطال مجالات لا حصر لها من مجالات نشاط الدول وسكّانها. لقد توسّعت هذه الموجة الكبرى لتشمل في جنباتها أفكاراً عنصريَّة متطرّفة، يتنوَّع فيها العنصر على مسطرةٍ واسعة جداً من الانتماءات، فتارةً يكون العنصر ديناً، وتارة أخرى يكون عرقاً، وطوراً يكون مصنَّفاً ضمن طبقية اجتماعيةٍ تخبو ثم تعود، وهي تبدو اليوم عائدة وصاعدة، ليس في بلدان العالم الثالث فحسب، بل أيضاً في أبرز الديموقراطيات الغربيّة، وفي دول العالم الأول، الّتي بدا في ما مضى أنها تجاوزت هذه الانقسامات وانعكاساتها.

وما زاد حدة هذا الاتجاه العالمي المستجدّ، أنه ترافق مع موضة سياسية - إعلامية - جماهيرية تجاوزت الحدود أيضاً؛ حدود المكان وحدود المنطق، وهي موجة الخطاب الشّعبوي والسياسات الشعبويّة التي أفرغت أفضل الأنظمة الدّيموقراطيّة من فوائدها، وحوَّلتها إلى أنظمة توصل أصحاب الخطابات العبثية المقعّرة التي لا تسمن ولا تغني من جوع، ولا تخدم سوى في الحملات الانتخابية عبر الحشد والتّحريض والتحاق النخب بخطاب العوام، مع كلّ ما يستبطنه ذلك من مخاطر وانحرافات.

 

عودة النازيين

إنّ الفائدة الوحيدة حتى الآن من صعود القادة الفاشيين الجدد في الدول الديموقراطية، هي أن مختلف الفاشيين والنازيين الجدد والعرقيين والمتفوقين الدينيين والإرهابيين من اليمين المتطرّف رفعوا رؤوسهم، وكشفوا وجوههم إلى الدرجة التي أصبح من السهل معها التعرف إليهم الآن بأشخاصهم ومنظّماتهم وعلاقاتهم.

لم تعد الحياة السياسيّة في كبريات الديموقراطيات طبيعيّة. من الولايات المتّحدة والبرازيل، وصولاً إلى الشّرق الأوسط، تغيّر الخطاب السّياسي وتبدّلت السياسات. وعندما تعود السياسة إلى طبيعتها، ربما تلفظ الشعوب قوى اليمين المتطرف التي رفعت رؤوسها وبانت، ويمكنها أن تقصيها حين تظهر، باعتبارها تهديداً حقيقياً لسلامة المجتمعات وسكانها، ولمستقبل الدول وأجيالها الجديدة.

إنها جائحة فكرية وثقافية واجتماعية وسياسية تؤسس لخرابٍ ما بعده خراب. هي وصفةٌ لمحو المجتمعات، وخصوصاً إذا ما تخيلنا انفجار التناقضات التي تحدثها في عصر التطور التكنولوجي والتقني المقبل. سيكون الجحيم أجمل من هذا العالم إذا ما استخدم المتطرفون إبداعات تكنولوجيا اليوم في أعمال الكراهية والعنف.

أما إذا لفظتهم المجتمعات، فسيعودون منبوذين معزولين من قبل عامة الناس، فيبتعدون عن الشأن العام، أو يحاكمون بتهمة القتل الجماعي للناس والمجتمعات، وبتهمة تدمير ما بنته الحضارة الإنسانية بسرعةٍ بالغة.

لقد شهد العالم نموذجاً في السابق للتعامل مع النازيين الجدد والفاشيين الخطرين بعد الحرب العالمية الثانية. ولا يزال هذا النموذج حاضراً في السجلات المكتوبة والشفوية لمحكمة نورمبرغ بعد الحرب. وفي هذه السجلات، آراء قانونية، وأخرى أكاديمية نموذجية، في ما يتعلق بالمخاطر التي يشكلها النازيون وأمثالهم على المجتمع والإنسانيّة.

 

تطرّف البيت الأبيض

واليوم، ربما يكون من الضروري أن تلتفت إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب إلى كلمات الرئيس فرانكلين ديلانو روزفلت في زمن الحرب، عندما قال: "عليهم (يقصد النازيين) الوقوف في المحاكم... والرد على أفعالهم".

إن الإدارة الأميركية الحالية تعج بالمسؤولين المتطرفين المروجين لـ"الفاشية الدولية"، مثل ستيف بانون، المعاون الاستراتيجي السياسي السابق لترامب، قبل أن توجّه إليه محكمة فدرالية في نيويورك تهمة الاحتيال المالي. هذا النوع من المسؤولين الذين يشغلون أعلى مواقع الإدارة الأميركية، يشكلون اليوم خطراً على العالم، ويتسببون بجرائم الكراهية العابرة للحدود.

ولكن هذه النوعية من المسؤولين والنافذين السياسيين، من أمثال بانون، ليست حكراً على أميركا. هناك الكثير منهم في إيطاليا والبرازيل وبلجيكا وألمانيا وفرنسا والنمسا، وهم الذين حرضوا على العنف اليميني، وحتى الاغتيالات السياسية، مثل تلك التي تعرض لها والتر لوبكي، وهو يشغل منصب عمدة في الاتحاد الديموقراطي المسيحي (CDU)، وفي الوقت نفسه هو حليف مقرب إلى المستشارة أنجيلا ميركل.

لقد كان القاتل عضواً في "الحركة الاشتراكية الوطنية تحت الأرض"، وهي جزء من شبكة النازيين الجدد عبر أوروبا. واستهدفت المجموعة نفسها بالاغتيال هنرييت ريكير وأندرياس هولشتاين؛ العمدتين في مدينتي كولونيا وألتينا.

وفي مسعاها لكبح جماح جماعات النازيين الجدد العاملين في أميركا، ضغطت وزارات الداخلية في العديد من الدول على وزارة الأمن الداخلي ووزارة العدل الأميركيتين. هذه الجماعات التي تنشط بقوة في الولايات المتحدة، تعمل بصورةٍ حثيثة على تصدير معتقداتها إلى الخارج، من خلال الدعم الذي تقدمه في وسائل التواصل الاجتماعي لحاملي هذه الأفكار والمسافرين بها إلى بقاع أخرى من العالم.

 

تصدير الكراهية

رعت مجموعات النازيين الجدد في الولايات المتحدة، على سبيل المثال "بوغالو بوا" و"براود بويز"، إنشاء مجموعات مماثلة في الخارج: "مجتمع لادز" في أستراليا و"قسم سونينكريغ" في المملكة المتحدة.

لقد ساعدت المجموعات النازية الأميركية في تعزيز المجموعات ذات التفكير المماثل في أستراليا وبلجيكا وفرنسا وألمانيا وغواتيمالا وإيطاليا ونيوزيلندا والنرويج وسلوفاكيا والسويد. وفي المقابل، فإن المنظمات النازية الدولية، بما في ذلك المجموعة النازية The Order of Nine Angles (O9A) في المملكة المتحدة، تكتسب دعاة لها في الولايات المتحدة وكندا.

في الولايات المتحدة، النتائج التي توصل إليها تقرير مكتب التحقيقات الفيدرالي للعام 2006، والذي ذكر أن صفوف الشرطة الأميركية تم اختراقها من قبل النازيين الجدد والمتفوقين البيض، أثمرت الآن، حيث نفذت الشرطة عمليات إعدام ممنهجة خارج نطاق القضاء للأقليات العرقية. وقد شهد العالم ذلك بصورةٍ حقيقية في حادثة جورج فلويد وغيرها، وهي صورة انتقلت عبر منصات التواصل الاجتماعي، كما عبر وسائل الإعلام التقليدية. لم يولد هذا الفعل في لحظته. لقد كان نتيجة تربية عنصرية اخترقت أجهزة الأمن الأميركية، وأوصلت إلى ممارسة الكراهية ببزة الشرطة وتحت ستار القانون.

لقد وجد النازيون الجدد والقوميون البيض متعاطفين في المراتب العليا في الشرطة، ولا سيما في قيادة نقابات الشرطة. هذه النقابات تشبه النظام الأخوي للشرطة، وجمعيات "الشريف" الخيرية ليست أكثر من مضارب حماية للابتزاز، تعمل على حماية رجال الشرطة العنصريين وضعضعة مجالس المدن والبلدات، وكذلك رؤساء البلديات، بسبب النفقات المتضخمة التي يقدمها دافعو الضرائب لإدارات الشرطة.

هناك أيضاً أعداد متزايدة من النازيين ينضوون داخل الحزب الجمهوري. لقد نشر المرشح الجمهوري لمجلس النواب عن ولاية كارولينا الشمالية، ماديسون كاوثورن، صورة له في موقع "إنستغرام" في العام 2017، وهو يقف خارج منزل عطلات أدولف هتلر في جبال الألب البافارية. 

أشار كاوثورن إلى هتلر باسم "الفوهرر"، وكتب أنّ الوقوف في عرين "عش النسر" كان أحد المعالم البارزة في حياته. قد ينتهي الأمر بكوثورن في الكونغرس الأميركي مع آخرين تبنّوا وجهات نظر قومية بيضاء، بما في ذلك المرشحون الجمهوريون في ولايتي جورجيا وكولورادو.

بعد الحرب العالمية الثانية، صنّف الحلفاء المعتقلين النازيين الذين ظلوا أوفياء لمعتقدهم تحت اسم "Belastete"، وتم تفسير هذا المصطلح على أنه للدلالة على كون هؤلاء "مثقلين بالذنب النازي". هذه الفئة من المتطرفين اعتقلت على الفور، نظراً إلى خطورتها، وتعرض كل واحد من أعضائها للسجن 10 سنواتٍ على الأقل، لكنَّ النازيين الجدد اليوم، ممن يحملون الأفكار نفسها، لا يسجنون، ولم يتعرّضوا لأي وصم أو اسم أو إقصاء. إنهم أحرار، ويمارسون حريتهم في تسميم العالم، مستخدمين أدوات وأفضليات الأنظمة الديموقراطية التي بناها أعداؤهم من المناضلين لحرية المعتقد عبر التاريخ.

 

"المسرّعون" واستغلال "كوفيد 19"

في 22 أيار/مايو 2020، أصدر مكتب الأمن الداخلي في ولاية نيو جيرسي تحذيراً صارخاً بشأن التهديد الذي يشكله النازيون الجدد والقوميون البيض. حمل التقرير عنوان "المتطرفون على الإنترنت يستغلون COVID-19 لإلهام المؤيدين"، وقال المكتب فيه: "يستغل المتطرفون البيض جائحة COVID-19 للدعوة إلى نظرية التسارع".

تقول النظرية إن المشاركة في الهجمات الجماعية أو خلق أشكال أخرى من الفوضى سيعجّلان الانهيار الوشيك والضروري للمجتمع من أجل بناء أمة عرقية نقية. شجّعت مجموعات إعلامية نازية جديدة تروّج لهذه النظرية مؤيديها على التحريض لإثارة الذعر بين الناس أثناء الحجر المنزلي خلال الفترة الأولى من تفشي فيروس كورونا.

إنّ عقيدة "مبدأ التسارع" أو "نظرية التسارع" تهدف إلى إحداث الفوضى والدمار، وتعتبر أنَّ الحكومات الغربية، من وجهة نظرها، فاسدة بطبيعتها. ولهذا، إن الخيار الوحيد الذي يمكن أن يفعله أصحاب نظرية تفوّق العرق الأبيض هو تسريع نهاية المجتمع، من خلال بث الفوضى وتفجير التوترات السياسية.

واليوم، تزخر منتديات القوميين البيض وغرف الدردشة بأفكار "التسريع" التي تضمَّنها البيان الذي نشره قاتل المُصلين المسلمين داخل مسجدين في نيوزيلاندا في العام 2019. وبحسب كتابات عدد من قيادات النازيين الجدد في الولايات المتحدة ومُنظريهم، فإنَّ هدف "المسرّعين" هو إحراق كل شيء، واستخدام العنف لاستهداف الأعداء، والتحريض على رد فعل علني ومتطرف من الحكومة، وهي الاستراتيجية التي تتردّد في كتابات غوستافو جوريتي حول جماعة "الطريق المضيء" المتطرفة، بأنَّ هدف الحركة كان "إثارة ردود فعل عمياء ومفرطة من الدولة".

وبدلاً من أن تواجه إدارة ترامب ما يجري، قدّم الأخير وإدارته وأنصاره الجمهوريون في الكونغرس وفي عواصم الولايات الدعم المعنوي لمثل هذه الجماعات اليمينية المتطرفة، من خلال البيانات والتغريدات والخطاب المتطرف.

في العام 2017، أشاد ترامب بالنازيين وأعضاء جماعة "كو كلوكس كلان" الّذين شاركوا في مواكب أضاءت الشعلة في شارلوتسفيل في ولاية فيرجينيا لإحياء مسيرة "توحيد اليمين". أرسل ترامب بشكل فعال رسالة إلى النازيين الجدد والمتفوقين البيض وغيرهم من اليمين المتطرف، مفادها أنهم حصلوا على دعمه الكامل.

لقد دعم ترامب باستمرار هذه الجماعات اليمينيّة المتطرّفة، بما في ذلك الميليشيات المسلّحة المناهضة للإغلاق بسببCovid-19 ، والتي هدَّدت حكام وأعضاء المجالس التشريعية في ولايات ميشيغين وأوهايو ونيو هامبشاير وأيداهو بالعنف الجسدي.

وفي العام 2019، بعد أن قام أحد العنصريين البيض بقتل المصلين في مسجدين في كرايست تشيرش في نيوزيلندا، غرَّد ترامب الذي حاول فرض حظر سفر على جميع المسلمين الذين يدخلون الولايات المتحدة، قائلاً: "أحرّ تعاطفي وأطيب تمنياتي للناس في نيوزيلندا بعد المجزرة المروعة في المسجد. 49 شخصاً بريئاً لقوا حتفهم بلا معنى، مع إصابة عدد أكبر بجروح خطيرة"، لكنَّ استناداً إلى خطاب ترامب المليء بالكراهية، فإنَّ مسؤولية هجومات شبيهة بهجوم نيوزيلندا تقع أيضاً على عاتقه شخصياً، تماماً كمسؤولية القاتل الذي نفذ الفعل بنفسه.

واليوم، يدين الرئيس الأميركي بشكل روتيني "مناهضي الفاشية"، بوصفهم إرهابيين ومجرمين. خلال الحرب العالمية الثانية، ندد الرئيس روزفلت وحلفاؤه، ونستون تشرشل وجوزيف ستالين، بالفاشيين، بوصفهم قتلة ومجرمين. يجب على العالم أن يعود إلى الأيام التي كان فيها الفاشيون العدو المشترك للبشرية.