حرب اقتصاديَّة على اللبنانيين: السّيادة مقابل الغذاء

وقوع اللبنانيين في هوّة انهيار اقتصادي كبير يفتح الباب أمام مشاريع الدول لاستغلال الموقف وفرض مصالحها على الدولة. الحرب الاقتصادية التي تُخاض ضد البلاد اليوم، تحاول رسم معادلة جديدة تسحب من اللبنانيين عوامل قوتهم في مقابل توفير الغذاء فقط.

  • حرب اقتصاديَّة على اللبنانيين: السّيادة مقابل الغذاء
    انخفض الحد الأدنى للأجور في لبنان إلى حوالى 80 دولاراً

لم يعتد اللبنانيون أبداً الأوضاع التي يعيشونها اليوم. مشاهد جديدة كلياً يشهدها لبنان الذي يمّر بظروف تحوَّل خلالها من دولة مستقرّة نسبياً على المستوى الاقتصادي، تقع في منتصف ترتيب الدول على سلّم التصنيفات الائتمانية، إلى دولةٍ فقيرة انخفض فيها الحد الأدنى للأجور من أكثر من 400 دولار أميركي شهرياً إلى حوالى 80 دولاراً، ولا تزال عملة البلاد حتى اليوم في مسارٍ انحداريّ، وهي تخسر مع الوقت المزيد من قيمتها.

وما من شكّ في أنَّ أسباباً كثيرة اجتمعت لترسم معاً مشهد الكارثة الاقتصادية التي يشهدها لبنان، لكنّ الظروف الحالية والضغوط التي يتعرض لها، تثبت يوماً بعد يوم أن حصاراً اقتصادياً وحرباً سياسية اقتصادية ومعيشية تخاض اليوم ضد الشعب اللبناني وبعض قواه السياسية الفاعلة التي تتمسك بحقوقها السيادية في الثروات والأرض والسياسة الخارجية والمقاومة.

واللافت في الحالة اللبنانية المستجدة، وخصوصاً الأزمة الاستثنائية التي تشهدها البلاد خلال السنة الحالية، أنها مركّبة ومتعدّدة الأوجه، تتداخل فيها الأزمات والمسببات، وتتعقَّد فيها المسارات والأحداث، وهي إذ تتمظهر بوجهها الاقتصادي والاجتماعي والمعيشي، فإنها تخفي خلف هذا المظهر صراعات سياسيّة داخليّة وصراعات خارجيّة أكثر اتساعاً وعمقاً.

ويبدو من خلال تحليل الانعكاسات الحادّة التي يحدثها الحصار على لبنان باقتصاده وماليته العامّة ومؤسَّساته، أن العقوبات الأميركية الاقتصادية والسياسيّة تحاول انتزاع الانتصار الَّذي حقَّقه الفريق المقاوم في لبنان من خلال الآليات الدستورية والديموقراطية، وأبرزها فوزه في الانتخابات النيابية في الانتخابات الأخيرة في العام 2018، فوضع لبنان ضمن دائرة الاستهداف الأميركي في إطار استراتيجية الضغوط القصوى ضد إيران، أصاب بالدرجة الأولى معيشة اللبنانيين بكل فئاتهم، فزادت معاناتهم مع أزماتهم الدائمة، حتى بات جائزاً البحث عن فخ مالي واقتصادي رسم للبلاد، فأوصلها إلى أن ترزح تحت حجم هائل من المديونية العامة نسبةً إلى الناتج القومي، ووضعها في الزاوية مع القليل من الخيارات المتاحة.

لكنّ هذه الاستراتيجية الأميركية للحصار لم تصب أهدافها حتى اليوم، ولم يتمكّن الفريق الذي يدفع بها من أن يصل إلى خواتيم أهدافه كما يجب، فالخيارات الكبرى لم تتغير، وإن كان النقاش السياسي قد تحول اليوم إلى بحث قضايا تأسيسية تنذر بمواجهة أكثر حماوة في المستقبل القريب.

والأزمة اللبنانية انتقلت اليوم من باب النقاش في مأزق المالية العامة المثقلة بأكثر من 90 مليار دولار من الدين العام، وسبل الحصول على المزيد من الديون، إلى سباقٍ بين انهيار سعر صرف الليرة اللبنانية أمام الدولار الأميركي والمواطن اللبناني الساعي إلى تأمين قوت يومه ومقوّمات عيشه الكريم، فما هي مظاهر الكارثة الاقتصادية والانفجار الاجتماعي اللذين يشهدهما لبنان اليوم؟

 

لبنان مختلف

لم يعرف لبنان خلال العقود الأخيرة أنماط الهجرة المعروفة في بلدان العالم الأكثر مرضاً بمرض الفقر المدقع. قوارب الهجرة التي تخرج اليوم من سواحل لبنان نحو قبرص، وهي أقرب بلدٍ أوروبي إلى الشاطئ اللبناني، ليست أسلوباً لبنانياً في الهجرة. صحيح أن اللبناني مهاجر قديم، لكن رمي اللبنانيين أنفسهم في قوارب الهجرة غير الشرعية بطريقة عشوائية لم تعرفه البلاد من قبل، على الأقل بعد الحرب الأهلية التي انتهت قبل نحو 30 عاماً من اليوم.

ثمة مؤشر آخر مستجدّ على اللبنانيين، وهو الارتفاع الجنوني في الأسعار نسبة إلى المداخيل، وذلك بسبب اعتماد الاقتصاد اللبناني على الاستيراد بنسبة كبيرة جداً، في مقابل نسبة متواضعة من الإنتاج المحلي. هذا الاعتماد زاد من تأثر المستهلك اللبناني بانهيار سعر صرف الليرة مقابل الدولار الأميركي، من 1500 ليرة مقابل الدولار الواحد إلى ما يقارب 8000 ليرة اليوم، الأمر الذي أضعف القدرة الشرائية للبنانيين، وأرغمهم على حصر الاستهلاك بالسلع الضرورية فقط.

ومن المظاهر غير المعتادة أيضاً في لبنان، اعتماد اللبنانيين على سلة من المواد المدعومة على سعر الصرف القديم الذي لا يزال يعتمده مصرف لبنان المركزي، في مقابل أسعار أخرى متعددة في المصارف وفي السوق السوداء. إن الاعتماد على سياسة الدعم المباشر من قبل المصرف المركزي للسلع الأساسية أدى إلى استنزافٍ سريع للاحتياطات الأجنبية في مصرف لبنان. وبالتالي، فإن تأمين الحاجات الأساسية للمواطنين بأسعار مقبولة نسبةً إلى دخلهم، يتناقض بصورةٍ واضحة مع مصالحهم في الغد القريب، لكونه يؤدي إلى زيادة المخاطر على العملة الوطنية، وبالتالي فإن ذلك يعمّق المأزق في المستقبل القريب.

سياسة الدعم لمواد محدّدة تُعتمد في لبنان منذ فترةٍ طويلة، لكنها كانت تقتصر على سلع أساسية محددة، كمشتقات الطاقة والطحين. أما اليوم، فهي تطال نحو 300 سلعة أعلنت عنها وزارة الاقتصاد والتجارة قبل أشهر، الأمر الذي أضعف موجودات المصرف المركزي من العملات الأجنبية، قبل أن تفكّر الوزارة في رفع هذا الدعم بصورته الحالية والبحث عن آلياتٍ جديدة لتهديفه.

وإضافةً إلى الهجرة غير الشرعية والمأزق الاقتصاديّ والمعيشيّ، زادت أعداد اللبنانيين المهاجرين إلى الخارج بصورةٍ نهائية أضعاف ما كانت عليه في السنوات السابقة. مئات الألوف منهم قدموا طلبات للهجرة، ورفعت من وتيرة هذه الموجة الجديدة الإجراءات التي اتخذتها الدولة اللبنانية والمصرف المركزي والمصارف، والتي قضت بتقييد حركة رؤوس الأموال إلى الخارج، ومنع اللبنانيين من سحب أموالهم الموجودة في المصارف، مع كل ما يحمله ذلك من مخاطر بانت بوضوح في الأفكار التي طرحت حول الاقتطاع من هذه الودائع لاستعادة التوازن المالي للدولة.

في المحصّلة، وجد الكثير من اللبنانيين أنفسهم من دون أموالهم وأعمالهم، مع تراجع مداخيل من بقي منهم في عمله إلى المستوى الأدنى من القدرة الشرائية منذ ثلاثين عاماً على الأقل، لكن ما هي الأسباب الداخلية لهذا الانهيار الاقتصادي؟ وإلى أي حدٍ تسهم الحملة الأميركية على البلاد في تجويع اللبنانيين؟

 

نوافذ مفتوحة للأعداء

لا بدَّ عند الحديث عن أسباب الكارثة الاقتصادية التي يشهدها لبنان من أن نفصل بين أمرين؛ الأول هو مسؤولية اللبنانيين أنفسهم، بكل أطيافهم، عن إدارة المرحلة الماضية بعد انتهاء الحرب الأهلية، والآخر هو سياق الحصار الأميركي لشعوب المنطقة، وتحديداً الشعوب المنضوية في إطار المواجهة مع "إسرائيل" ضمن محور المقاومة.

لقد عانى لبنان منذ انتهاء الحرب الأهلية من نظام حكم مليء بالثغرات التي تحتاج إلى ضابط خارجي لضمان حسن سير العلاقات بين المؤسّسات والأطراف المكونة للحياة السياسية. وكانت هذه الثغرات هي المدخل الدائم للقوى الخارجية الساعية إلى أداء دورٍ في الحياة السياسية اللبنانية.

وقد سارت البلاد منذ ذلك الوقت في نظام اقتصادي مثّل الوجه الآخر للنظام السياسي الذي اعتمد في نصوصه على تعديلات اتفاق الطائف، لكن انتقائياً، فتم نتيجة ذلك تحييد البنود الإصلاحية في الاتفاق، والتي تنصّ على تشكيل الهيئة الوطنية لإلغاء الطائفية السياسية، وإقرار قانون انتخابي خارج القيد الطائفي، وتطوير المؤسّسات الرسمية، ولا سيما الرقابية منها. 

وكنتيجةٍ منطقيّة لتغييب الجانب الإصلاحي من مندرجات وثيقة الوفاق الوطني في الطائف، تعزز الفساد في البلاد، وتحوّلت الحياة السياسية إلى نزاعٍ مستمر على المواقع والإدارات والمؤسسات، مع استمرار الدولة في نهج الاستدانة والإنفاق المتفلّت من أية معايير استثمارية في مستقبل الدولة، ومن دون التفكير بجدية في لحظة الحقيقة عند وصول حجم الدين العام وكلفة خدمته إلى نقطة اللاعودة، وهو ما حدث خلال العام 2019.

لقد تداخلت عوامل الفساد السياسيّ، والتدخل السياسي في السلطة القضائية تعييناً وتوجيهاً واستزلاماً، وضعف أجهزة الرقابة، واعتماد نموذج اقتصادي قائم على اجتذاب رؤوس الأموال بفوائد عالية جداً تفوق معدل الفوائد العالمية بصورةٍ شبه مستمرة، وعدم استغلال هذه الأموال في بناء اقتصاد منتج، إضافة إلى الصراع السياسي المستمر والمحموم طوال العقود الثلاثة الماضية. 

ساهمت هذه العوامل في وصول البلاد إلى لحظة الانفجار الشامل الذي فتح الباب أمام استغلال الدول الخارجية، وعلى رأسها الولايات المتحدة، لهذه المعطيات، من أجل أن تتدخل في لحظة إعادة صياغتها للنظام الإقليمي، لمحاولة خطف لبنان ضمن سياق ما يُسمى بمشروع "السلام" في المنطقة. 

وفي نتيجة ذلك، استثمرت الولايات المتحدة، ومعها الأحزاب الحليفة، في لبنان، من أجل تصوير المقاومة على أنها سبب الانهيار الكبير الذي ضرب البلاد، وبالتالي اقتراح الوصفة السحرية التي تعتبر وحدها الوصفة المؤهّلة لانتشال لبنان من الهاوية التي وقع فيها. هذه الوصفة الموحّدة اليوم للبنان والعراق على حدٍ سواء هي الحياد.

تطرح الفكرة في لبنان اليوم من قبل أعلى المرجعيات الروحية المسيحية، ومن بعض القوى الأخرى، وتواكب بصورة نشطة من الأحزاب الحليفة لواشنطن، إضافةً إلى الرعاية المباشرة للأخيرة لهذا السياق الذي يراد منه إضعاف قدرة اللبنانيين على مواجهة "التفوّق" الإسرائيلي في المنطقة، والذي تعهد وزير الخارجية الأميركي مايك بومبيو قبل أسابيع بسعي إدارته إلى ضمانه والحفاظ عليه، لكن ما الوسيلة للوصول إلى هذا الهدف في ظلّ وجود قوة هائلة عند المقاومة اللبنانية والفريق المؤيد لها؟

 

السيادة مقابل الغذاء

لقد وجدت الولايات المتحدة، ومعها "إسرائيل"، أن ميدان القتال تحول في السنوات الأخيرة إلى سلسلة من الانتصارات المتتالية لمحور المقاومة، بدءاً من تحرير جنوب لبنان في العام 2000، مروراً بحرب تموز 2006، والهزيمة التي تلقاها "الجيش الإسرائيلي" في حربه، ثم تواصل السياق بتحقّق توازن الردع بين المقاومة اللبنانية وجيش الاحتلال الإسرائيلي على الحدود طوال السنوات التي تلت تلك الحرب، وصولاً إلى مشاركة حزب الله في مواجهة الحرب التي شنّت في المنطقة لأهداف تمثل مصالح القوى الكبرى، والتي لبست لبوس الثورات، وسرعان ما تبدّلت إلى اجتياح إرهابي للأرض والدول، وخرج منها محور المقاومة منتصراً.

إنّ هذا التحوّل الّذي حصل في موازين القوى العسكرية، والنتيجة التي أفضى إليها، والهزائم المتكرّرة للمشروع الرامي إلى ضرب المقاومة في لبنان وفلسطين، والقضاء على تمدّد نفوذ محور المقاومة عبر شعوب الشرق الأوسط ودوله، أبرز بالنسبة إلى الأميركيين والإسرائيليين ضرورة تبديل وسائل المواجهة، سعياً وراء الهدف الكبير نفسه.

لقد وُضعت استراتيجية الضغوط القصوى لمحاصرة محور المقاومة، في إطار مشروع يهدف إلى تعطيل قدرة هذا المحور على مواجهة "صفقة القرن" من جهة، والقضاء على عوامل قوة هذا المحور من جهةٍ ثانية. وفي هذا السياق، استغلت الخاصرة الرخوة لضرب المقاومة في لبنان عبر ثغرات النظام السياسي، وفشل النموذج الاقتصادي، وانتشار الفساد السياسي والإداري والقضائي، واختناق الشرائح الشعبية المختلفة من الحال التي وصلت إليها البلاد، وغضبها على الطبقة السياسية التي تحملها مسؤولية رئيسية في ما وصلت إليه البلاد، فتحوّل المجتمع إلى قنبلة جاهزة للانفجار مع توفر الفتيل والشعلة.

ومن هذه الثغرات، تسلّل المشروع الأميركي ليستهدف تفجير المجتمع بسياسة العقوبات والحصار والضغط، عبر المؤسَّسات المالية الدولية والتدخّل المباشر في الحياة السياسية اللبنانية، وإعلان المعادلة الجديدة التي يخير الشعب اللبناني من خلالها بين التنازل عن حقوقه السيادية، ولا سيما جزء كبير من ثروته الغازية في البحر، عبر الإذعان للصيغة الإسرائيلية-الأميركية لترسيم الحدود، والحفاظ على لقمة اللبنانيين.

إنّها معادلة التنازل عن المقاومة والغاز والشراكة الوطنية والنضالات التاريخية مقابل الغذاء فقط! بمعنى أشمل، إنه مبدأ السيادة مقابل الغذاء، الذي سيطيح بلبنان في ذكرى مئويته إن استمرّ. وإن فشل (في لبنان والعراق)، فسيطيح بالمشروع الأميركي في المنطقة مرة أخرى.