التحدّيات العالميّة من منظور أوروبيّ

العالم يواجه تحدّيات غير قابلة للانكفاء من دون جهود جماعية صادقة. المنظومة الدولية تعوقها التناقضات والمصالح الوطنية التي ترتفع أحياناً كجدارٍ أمام ضرورة الاستجابات المفيدة. كيف يرى الأوروبيون تحديات اليوم؟ وما هو موقفهم من النظام التعدّدي؟

  • التحدّيات العالميّة من منظور أوروبيّ
    مسؤول في الاتحاد الأوروبي: العالم من دون الأمم المتحدة سيعرّض الجميع للخطر

اجتمعت كل الدّول حول العالم تقريباً لحضور الدورة الخامسة والسبعين للجمعية العامة للأمم المتحدة. يأتي هذا التجمع التاريخي في وقت يواجه العالم تحديات عالمية، ويصعب إيجاد استجابات عالمية لها.

يدعو الاتحاد الأوروبي إلى إصلاح نظام التعددية الذي تمثله المنظمة الدولية عن طريق التصميم وليس التدمير: يجب علينا إعادة تنشيط النظام لا التخلي عنه، إذ أكد مسؤول السياسة الخارجية في الاتحاد الأوروبي، جوزيب بوريل، أن الاتحاد سوف يتمسّك في المرحلة الراهنة بروح الجمعية العامة للأمم المتحدة، وسوف يدافع عن التعددية التي تحتاجها جميع البلدان بشدة، معتبراً أن العالم من دون الأمم المتحدة سيعرّض الجميع للخطر.

ويكتسب احتفال الأمم المتحدة وجمعيتها العامة بعيدها الخامس والسبعين هذا العام معنى في الظروف التي يشهدها العالم اليوم، إذ وضع انتشار وباء كورونا سيناريوهات جديدة أمام جميع الدول الأعضاء في الأمم المتحدة، وأمام المنظمة نفسها بحضورها ودورها وبما ينتظر منها.

بدايةً من شكل الاجتماع، هذه هي المرة الأولى التي يتم فيها عقد الجمعية العامة للأمم المتحدة عبر الوسائل الرقمية، الأمر الذي يراه مراقبون إشارةً إيجابية تبرز قدرة المنظمة على التكيف مع الظروف لمتابعة العمل للصالح العام العالمي، وعدم الابتعاد عن التهديدات العالمية التي نواجهها حالياً. هذه المضامين هي تحديداً ما تحدث عنه رئيس المجلس الأوروبي وممثل الاتحاد في الدورة الخامسة والسبعين للجمعية العامة للأمم المتحدة شارل ميشيل.

تحديات عالمية واستجابات متفاوتة

وتتميّز القضايا التي تواجه الأمم المتحدة اليوم بأبعادها العالمية الواضحة. هي ليست قضايا إقليمية تحاول الأمم المتحدة إيجاد حلولٍ لها، بل قضايا لا يمكن لأية دولة أن تتهاون في متابعتها وبذل الجهود من أجل الوصول إلى حلولٍ بشأنها. 

كما أن الخلافات التي عادة ما تطبع نقاشات الجمعية العامة حول قضايا محددة، لم تكن حاضرةً بحجم حضور القضايا العالمية المطروحة اليوم. لقد طال الوباء جميع البلدان وأثر في معظم نواحي نشاطها، ما جعل المجتمعات الأكثر ضعفاً أكثر عرضة للفيروس أو لنتائجه. في هذا الإطار قال الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش: "لقد كشف فيروس كوفيد -19 مواطن الضعف في العالم: تزايد عدم المساواة، كارثة المناخ، توسع الانقسامات المجتمعية، الفساد المستشري".

واليوم، يعبر الاتحاد الأوروبي عن وقوفه إلى جانب الأمم المتحدة، ويتحدث مسؤولوه عن الإيمان المشترك بأن التحديات العالمية يجب أن تلبيها حلول عالمية. ولتحقيق ذلك، لم يعد بإمكان القوى العالمية الاعتماد على الإجراءات التي تتخذها البلدان بصورةٍ منفردة، بل أصبح لزاماً عليها أن تأخذ في الاعتبار الجهود المتعددة الأطراف المتوفرة، والعمل معاً لتحقيق نتيجة مرضية للجميع.

لقد أشار الممثل الأعلى للسياسة الخارجية في الاتحاد الأوروبي، جوزيب بوريل، إلى التحديات المنهجية التي تواجه أسلوب عمل القوى الكبرى، ومعها الدول الأقل تأثيراً، حين قال: "نرى كل يوم كيف أن القومية الضيقة والتنافس الاستراتيجي، وخصوصاً بين الولايات المتحدة والصين، تشلّ مجلس الأمن والنظام الدولي الأوسع. من تغير المناخ والحد من انتشار الأسلحة، إلى الأمن البحري وحقوق الإنسان وما هو أبعد من ذلك، لقد تم إضعاف التعاون العالمي، والتخلي عن الاتفاقيات الدولية، وتقويض القانون الدولي أو تطبيقه بشكل انتقائي"، ووجدت هذه الكلمات صدى في كلام الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش.

لقد تضخّمت في الآونة الأخيرة هذه المخاوف التي أشار إليها بوريل، وساهم في الأمر تخلي قوى أساسية في النظام العالمي عن مسؤولياتها في الحفاظ على نظام دولي قائم على القواعد التي بُنيت عليها المنظمة الدولية، وأدى ذلك إلى تعزيز الخلافات الدولية من أجل المنفعة المحلية أو الدولية، وبالتالي ساهم في إعاقة الجهود الرامية إلى التغلب على التحديات المشتركة.

 وكان لافتاً جداً قول غوتيريش إن العالم اليوم يواجه لحظة شبيهة بالعام 1945. يومها، واجه العالم حاجة غير مسبوقة لإعادة بناء النظام الدولي على أنقاض حربين عالميتين. واليوم، يواجه العالم تحدياً يمتد بآثاره إلى جميع البلدان، إلى جانب الحاجة إلى إصلاح النظام المتعدد الأطراف. وفي رأي غوتيريش، حان الوقت الآن لفهم حقيقة مفادها أن الاستجابة لا يمكن تحقيقها إلا عندما تتم تهيئة الظروف للتعاون المشترك.

إن العالم الذي تحكمه قواعد متفق عليها هو الأساس الحقيقي للأمن المشترك ولتحقيق الحرية والازدهار. والنظام الدولي القائم على هذه القواعد لا بد له من أن يجعل الدول آمنة، ويحافظ على الناس أحراراً، ويتيح الفرصة للشركات لتوسيع استثماراتها، ويضمن حماية بيئة الكوكب الذي يعد مساحة يعيش فيها الجميع جنباً إلى جنب.

إن الأهداف المحددة للنظام الدولي، والالتزام الذي تم التعهد به في الأمم المتحدة، لا يمكن أن يحققه بلد واحد بمفرده. هذا الأمر يتطلب إجراءات جماعية، ولهذا تبرز الحاجة اليوم إلى انخراط الجميع في حوارات جماعية.

الاتحاد الأوروبي والأمم المتحدة يواجهان "كوفيد 19"

يحارب الاتحاد الأوروبي التفشّي الواسع لوباء "كوفيد 19" داخل حدوده وخارجها، ويعود ذلك إلى اعتقاده بأن محاربة هذا النوع من الكوارث لا تنجح من دون التعاون الضروري للتخفيف من انتقال الفيروس عبر الحدود، إضافة إلى الآثار الجانبية التي يحدثها في ميادين النشاط الاقتصادي والاجتماعي في الفضاء الأوروبي.

وتتركز الجهود اليوم على توفير المعدات الوقائية والطبية، وتكييف المشروعات الجارية مع الظروف الحالية المستجدة، وتعزيز عملية البحث العلمي عن لقاح، وتنشيط التعاون مع الجهود العلمية التي تجري خارج حدود أوروبا باتجاه الهدف. ويعتبر الاتحاد أن استجابته لهذا الوباء وطريقة مكافحته له تمثل نموذجاً طليعياً بين الاستجابات العالمية له. ومن أبرز الدروس التي يمكن استخلاصها من التجربة الحديثة مع هذا الوباء وأوضحها، هو أن ما يصيب دولة ما يترك تداعيات في النظام الدولي بأكمله.

جهود الاتحاد هذه تتلاقى مع جهود منظمة الصحة العالمية، ومع جهود الأمم المتحدة نفسها لمحاربة انتشار "كوفيد 19"، سعياً إلى تحقيق نتيجة سريعة ولكن مستدامة في الوقت نفسه، إذ يعد الاتحاد الأوروبي بدوله أكبر مانح لمنظمة الصحة العالمية. ففي العام الفائت (2019)، تم التبرع بمبلغ 146 مليون يورو للمنظمة. وإضافة إلى التمويل، اضطلع الاتحاد الأوروبي أيضاً بدور رئيس في الدفاع عن أهمية منظمة الصحة العالمية التي تواجه تحديات جديدة وجدية تتعلق بانخفاض الثقة فيها، وخصوصاً بعد التشكيك في دورها في مواجهة فيروس "كوفيد 19"، والهجومات المتكررة التي شنها الرئيس الأميركي دونالد ترامب ضدها.

لقد نأى فاعلون عالميون عديدون عن هذه المنظمة، وتركوها تواجه الوباء في أصعب ظرف تمر به، وخفضوا مساهمتهم فيها، بل إن بعضهم قطع هذه المساهمة عنها نهائياً، فبقيت تعتمد على الدول الأخرى التي لا تزال تؤمن بدورها، وخصوصاً دول الاتحاد الأوروبي، التي تعمل على تعزيز الحاجة إلى العمل المشترك ضمن هذا الإطار.

في السابق، كانت حماية حقوق الإنسان والديموقراطية وسيادة القانون ثلاثة عناصر رئيسة تقود الأمم المتحدة العمل لأجلها. لقد قدم الاتحاد الأوروبي دعماً كبيراً لهذه الجهود التي دخلت في نفق المصالح السياسية وفي حسابات الخرائط الكبرى، واستغلت هذه العناوين من أجل مصالح جيوسياسية، لكن بالإجمال قام الاتحاد والدول الأعضاء فيه بإنفاق نحو 36 مليار يورو على البلدان الشريكة، من أجل معالجة العواقب الإنسانية والصحية والاجتماعية والاقتصادية للأزمة الراهنة مع تفشي فيروس "كوفيد 19".

في بداية أيار/مايو الماضي، رعى الاتحاد الأوروبي مؤتمراً كبيراً هدفه الوصول إلى توفير الاختبارات والعلاجات واللقاحات ضد فيروس كورونا والمساعدة على التعافي العالمي منه. وقد أدت هذه الجهود إلى انضمام دول أخرى من جميع أنحاء العالم قدمت نحو 16 مليار يورو لخدمة الهدف نفسه.

الجهود الجماعية حاجة أوروبية

لا يمكن تغييب العلاقة الوثيقة بين الاتحاد الأوروبي والأمم المتحدة، فالطرفان يتشاركان القيم الأساسية، ويعلنان أنهما شريكان طبيعيان كمنظمتين كبيرتين تعلنان عن لائحة عالمية من القيم المتفق عليها. تقود هذه الشراكة الدفاع عن التعددية والنظام الدولي القائم على قواعد معرّفة وواضحة، على الرغم من عدم انعكاس ذلك بصورةٍ حقيقية في حياة بقية سكان العالم، لكن هذه الشراكة بما لها وبما عليها تعكس انسجاماً بين الطرفين أكثر مما نجده في العلاقات بين الولايات المتحدة والأمم المتحدة، في ما لو جازت هذه المقارنة.

وكترجمة لهذه العلاقة على الأرض، يعمل الاتحاد الأوروبي والأمم المتحدة اليوم معاً في أكثر من 170 دولة. هذا التعاون انعكس في تصريحات جوزيب بوريل، حين قال إن ذلك لا يتم فقط على المستوى الخطابي، ولكن أيضاً سياسياً ومالياً، وكذلك دبلوماسياً، من خلال محاولة العمل لبناء جسر بين الجهود في مجلس الأمن، إذ لم يعد بالإمكان اعتبار التعددية (وخصوصاً ضمن المنظمات الدولية) أمراً مفروغاً منه، بل إن قوى أخرى تحاول إضعاف النظام المتعدد الأطراف أو تجاهله، لكن مصلحة الأوروبيين في تدعيم هذا النظام وتطويره ليكون تعددياً بالفعل، تعتبر حاجة ملحة اليوم، وذلك بسبب تراجع دورهم في الصراع على قمة العالم اقتصادياً وسياسياً. لذلك، إن الإيمان بالأمم المتحدة، وبالجهود الجماعية، وبالنظم المعتمدة على هذه التعددية، تعتبر هدفاً واضحاً للأوروبيين اليوم.

إن هذا التركيز الأوروبي على العلاقة مع الأمم المتحدة، والذي بدا جلياً خلال أعمال الجمعية العامة في عيدها الخامس والسبعين، يعتبر عملاً ضمن السياق الاستراتيجي الطبيعي بالنسبة إلى الأوروبيين، لمواجهة التحديات العالمية التي تطرح أمام مستقبلهم ومستقبل دورهم مخاطر جديدة لا بدَّ من أن يجدوا الاستجابات المناسبة لها. 

هذه التحديات القائمة يمكن أن تتحول إلى فرص لدول الاتحاد وللاتحاد نفسه، وخصوصاً إذا دخل الأخير من باب ملفات عالمية الطابع، مثل مكافحة تغير المناخ، وتحسين الرفاهية الإنسانية، ومواجهة الوباء الذي يلف العالم اليوم. وتضاف الظروف الحالية إلى المسؤولية الجماعية، لإعادة بناء إطار متعدد الأطراف مطلوب من الكثير من الدول، لإعادة بناء عالم أكثر أماناً ومساواة.