يهود أميركا.. في السياسة والمجتمع (1)

التوجّهات السياسيّة ليهود أميركا تبقى على الدوام سؤالاً مهماً بالنسبة إلى الأميركيين وإلى جميع مواطني ودول الشرق الأوسط، فالتأثير اليهودي في واشنطن، وخصوصاً الصهيوني منه، يؤثر في حيوات الملايين عبر العالم. 

  • لمن صوَّت اليهود في الانتخابات الأميركية الأخيرة؟
    لمن صوَّت اليهود في الانتخابات الأميركية الأخيرة؟

في هذا الجزء الأول من المقال نتبيَّن كيف صوَّت يهود أميركا في الانتخابات الأخيرة، ولماذا تباينت أرقام الاستطلاعات ومعنى ذلك، بينما نحاول في الجزء الثاني تبيان تنوّعات اليهود الأميركيين اجتماعياً وثقافياً، والفوارق بين اليهود والصهاينة، واتجاهات الأجيال الجديدة من اليهود الأميركيين، ورفض قسم كبير منهم الدفاع عن السياسات الإسرائيلية، ورفض قسم آخر فكرة الدّولة اليهودية برمّتها.

بعد كلّ انتخابات رئاسية أميركية، تبدأ مرحلة تحليل البيانات المتعلّقة بتلك الانتخابات. كيف صوَّت الناخبون؟ وكيف توزّعت أهواؤهم السياسية نسبةً إلى الخلفية السياسية والثقافية والعرقية والدينية التي يأتون منها؟

لا تفيد هذه التحليلات في فهم توجّهات الناخبين الحزبيين على مستوى الاستجابة للكتل الناخبة فحسب، بل إنها تعطي مؤشراتٍ كبيرة حول مطالب هذه الكتل الناخبة - مهما كانت طبيعتها - من الإدارة الجديدة أيضاً.

يمثل اليهود واحدة من الكتل الناخبة المؤثرة في كل انتخابات أميركية، بل أكثر من ذلك، يمثل اللوبي اليهودي في أميركا، وخصوصاً اللوبي الصهيوني الداعم لـ"إسرائيل" من ضمنه، كتلةً مصلحية شديدة التأثير في الحياة السياسية الأميركية بصورةٍ عامة، وفي شؤون السياسة الخارجية بصورةٍ خاصة. لذلك، إن حملات الترشيح الرئاسية تأخذ بعين الاعتبار إرادة اليهود ومطالبهم، ومن بينهم الصهاينة، عند رسمها أطر السياسة الخارجية والسياسات المنبثقة منها.

وعلى الرغم من وجود اليهود كأقلية في المجتمع الأميركي، ووجود أقليات أكبر حجماً منهم، يبقى تأثير اللوبي اليهودي بتنوعاته المختلفة قوياً وحاضراً، وخصوصاً من ناحية التأثيرات التي يضفيها على السياسة الأميركية في الشرق الأوسط، لكن تغييرات كبيرة طالت ظروف هذه الكتلة البشرية وتركيبتها، وباتت ملحوظة في السنوات القليلة الماضية.

وفي الانتخابات الرئاسية الأخيرة التي فاز بها جو بايدن على الرئيس السابق دونالد ترامب، كان لليهود وللصهاينة كلمة في هذا الشان. 

يبلغ عدد اليهود الأميركيين وفق معظم التقديرات بين 5.5 و6 ملايين نسمة، أي حوالى 2% من الأميركيين. ومع عدم وجود أرقام رسمية تحدّد كيف صوت يهود الولايات المتحدة، اهتمت مراكز أبحاث ومؤسّسات فكر وجمعيات يهودية وغير يهودية بوجهة تصويت اليهود الأميركيين في الانتخابات الأكثر حدة التي تشهدها البلاد منذ زمنٍ طويل، كما نشر مؤيدو الحزبين أرقامهم حول توجّهات الناخبين. وتمكّنت هذه الاستطلاعات والدراسات من تظهير صورةٍ واضحة للتوجّهات السياسية اليهودية في أميركا اليوم، والتي بيّنت بصورةٍ عامة تفضيل معظم الناخبين اليهود في الانتخابات الأخيرة لبايدن.

تصويت اليهود في الانتخابات الرئاسية الأخيرة

إن الإجابة عن سؤال: "لمن صوَّت اليهود في الانتخابات الأميركية الأخيرة؟"، تعتمد على الاستطلاع الذي تؤخذ منه النتيجة، كما تعتمد على مجموعة واسعة من العوامل المرتبطة بهوية الجهات المستطلِعة أو الباحثة، وهناك هامش دائم للتفاوت بين إجابةٍ وأخرى. 

على سبيل المثال، أظهر استطلاع للتحالف اليهودي الجمهوري أن 30.5 في المائة من الناخبين اليهود صوتوا لصالح دونالد ترامب على المستوى الوطني، مقارنة بـ60.6 في المائة لمنافسه الديموقراطي جو بايدن. في المقابل، أظهر استطلاع لمجموعة "J Street" الليبرالية أن 77% من اليهود الأميركيين صوتوا لصالح بايدن، و21% فقط صوتوا لصالح ترامب، بينما بقي 8.8%، إما صوتوا لطرف ثالث وإما رفضوا الكشف عن كيفية تصويتهم. وقد علّق أحد خبراء المجموعة قائلاً إن "ترامب هو الذي دفع بالصوت اليهودي نحو الديموقراطيين". 

لكنّ التعليق الأكثر إثارة للمعنى أتى على لسان آري فلايشر، السكريتير الصحافي السابق للرئيس الأسبق جورج دبليو بوش، الذي قال خلال مؤتمر افتراضي للتحالف الجمهوري اليهودي بعد الانتخابات: "ليست السفارة وحدها التي انتقلت. الناخبون اليهود يتحركون أيضاً".

وعلى الرغم من الفوارق الكبيرة بين الأرقام التي يطرحها كل من الاستطلاعين، فإنهما يتفقان على أن غالبية الناخبين اليهود صوتوا لبايدن، وذلك على عادة الناخبين اليهود في المحطات الانتخابية السابقة، لكن درجة التغيير في الشارع اليهودي بقيت هذا العام غير دقيقة المعالم، مع عدم تركيز وسائل الإعلام الكبرى، مثل "واشنطن بوست" (التي قالت إنها لن تنشر نتائج الناخبين اليهود هذا العام، بسبب عدم وجود ما يكفي من المستجيبين للتفاصيل الدقيقة للاستطلاعات) و"نيويورك تايمز" و"سي أن أن"، على الأرقام الفعلية التي تظهر ميول الصوت اليهودي.

أسباب التباين في الأرقام

في الانتخابات التي فاز بها ترامب في العام 2016، حصل على أصوات 24% من اليهود، بينما حصلت منافسته حينها هيلاري كلينتون على 71% منهم. وبحسب تحليل استطلاع أجرته وكالة "أسوشيتيد برس" شمل حوالى 3300 ناخب يهودي (3% من إجمالي 110.000 شخص شملهم الاستطلاع)، فإن 30% من اليهود الأميركيين صوتوا لصالح ترامب و68% لبايدن. 

ولتحديد أسبابٍ منطقيّة للفوارق البائنة بين هذه الاستطلاعات، يمكن القول إن تحولات كبيرة دخلت على منهجية أنظمة الاستطلاع، فرضت أغلبها ضرورات التعامل مع فيروس "كوفيد 19"، وطالت هذه التحولات نظام "فوت كاست" الذي أطلقته "أسوشيتد برس"، وشملت اللقاءات عبر الإنترنت وظروفاً أخرى جعلت من الصعب المقارنة مع استطلاعات الانتخابات السّابقة.

ولكن يمكن إعادة الفوارق التي تلحظ بين أرقام "جاي ستريت" والتحالف اليهودي الجمهوري إلى الاختلاف في التوجه السياسي لكلٍ منهما، حيث يبرز كل طرفٍ النتائج التي تناسبه. وقد تقاذف القائمون على الاستطلاعات المختلفة الاتهامات والتشكيك بجودة العمل الذي قاموا به، فاعتبر جيم غيرستين، مؤسس "GBAO Strategies"، والذي أجرى استطلاع "J Street"، إن تحليل "أسوشيتد برس" لا يمكن الوثوق به لتقويم الآراء اليهودية، لأنه لم يسعَ إلى تبيان آراء المجموعات اليهودية الفرعيّة.

ورغم تأكيده أن استطلاع الوكالة جيد ومفيد للغاية، فإنه أصر أمام المجلس اليهودي الديموقراطي على أن "أسوشيتد برس" لا تملك الأسئلة الديموغرافية الضرورية لاستطلاع عينة يهودية تمثيلية حقيقية، وبالتالي لا يمكن اعتبار استطلاعهم "استطلاعاً يهودياً" حقيقياً، على عكس استطلاع "جاي ستريت".

أما بالنسبة إلى هوامش الخطأ، فقد كانت متقاربة بما تتراوح نسبته بين 3.5% و4%، لكن كل واحد منهم شمل عينات مختلفة نسبياً من الناخبين اليهود، أو شمل أعداداً متباينة من كل فئة يهودية، فاستطلاع التحالف الجمهوري اليهودي شمل المزيد من اليهود الأرثوذكس الذين يميلون إلى التصويت للجمهوريين، وعدداً أقل من اليهود غير المنتسبين أو المائلين إلى الديموقراطيين بقوة، وذلك على العكس تماماً من سلوك "جاي ستريت" بالنسبة إلى اختيار الفئات المستطلعة، وهذا يفسر بطريقة منطقية أسباب الفوارق في الأرقام التي ظهرت بين الاستطلاعين.

مناهج الاستطلاعات

تظهر الاستطلاعات التي تلت الانتخابات أن غالبية كبيرة من اليهود صوّتوا للديموقراطيين، كما فعلوا في الماضي، باختيار جو بايدن على دونالد ترامب بهامش كبير، وتشير أيضاً إلى أن عدداً أكبر من اليهود - ما يصل إلى 250 ألفاً على مستوى البلاد - صوتوا لصالح ترامب مقارنة بما كانوا عليه قبل 4 سنوات.

لكنّ أرقام الفوارق كبيرة إلى درجةٍ لا يمكن تجاهلها، فالتباين بنسبة 10% في أصوات اليهود يمثل أكثر من 500 ألف ناخب، ويمكنه أيضاً تحديد ما إذا كان أحد الطرفين فاز أو خسر الناخبين اليهود بين انتخابات العام 2016 وانتخابات العام 2020.

ولا يمكن الاكتفاء بالقول إنّ سبب هذا التناقض هو أن كل استطلاع شمل مجموعة مختلفة من اليهود، بل إن استطلاع الناخبين أدى إلى نتائج مختلفة، نظراً إلى كون الاستطلاعات تفحص المستطلعين باستخدام معايير مختلفة أيضاً.

على سبيل المثال، إذا تضمّن استطلاع للرأي اليهود الذين يصفون أنفسهم بأنهم "يهود ثقافياً"، فإن البيانات سوف تنحرف باتجاه الديموقراطيين، لأن الأشخاص غير المتدينين أو غير المنتمين دينياً أكثر ميلاً إلى التصويت للديموقراطيين، بينما إذا كان التركيز في المقابل على استطلاع اليهود المتدينين، فستختلف النتيجة، وستكون أكثر تركيزاً على الناخبين الذين صوتوا لمصلحة ترامب. وبالتالي، إن المطلوب عند النظر إلى أرقام الاستطلاعات الركون إلى تعريف من هو اليهودي فعلياً، أو على الأقل هذا ما يفضله يهود أميركا الناشطون سياسياً.

ولم تتضمن نتائج استطلاع التحالف اليهودي الجمهوري تفاصيل كبيرة حول المنهجية المعتمدة، حيث يصف الأفراد الذين شملهم الاستطلاع أنفسهم بأنهم يهود. ولكن رغم ذلك، قد يكشف عامل صغير عن سبب ذهاب نتائجه لمصلحة ترامب أكثر، فقد شمل الاستطلاع المكالمات الهاتفية التي من المعروف أنها تدفع العينة نحو التركيز على الناخبين الأكبر سناً، وبالتالي تكوّن مجموعة بيانات أكثر تحفظاً. 

وفي مقابل ذلك، قامت "جاي ستريت" بإرسال رسائل نصية إلى الناخبين، تسألهم عما إذا كانوا سيكملون الاستطلاع عبر الهاتف أو عبر الإنترنت، في حين أن وكالة "أسوشييتد برس" لا تفصح عن كيفية تحديدها المؤهل لاستطلاع رأي اليهود.

إن أهمية هذه النتائج تتجاوز الحسابات اليهودية الداخلية في الولايات المتحدة، لتطال بآثارها دور اليهود في الولايات المتحدة، وقدرتهم على الحفاظ على تأثيرهم التاريخي الذي لطالما شكل أفضلية لهم على أعدائهم. لكن أبعد من ذلك، فإن الأرقام الحقيقية لتوجهات اليهود الأميركيين الانتخابية لا بد من أن تظهر ما هو أكثر أهمية من ذلك، وهو نسبة إقبال اليهود على المشاركة السياسية والاهتمام، ليس في الولايات المتحدة فحسب، بل في "إسرائيل" أيضاً.

لقد بدا جلياً في السنوات الأخيرة أن الحماسة اليهودية لفكرة الدولة اليهودية وللسياسات الإسرائيلية ضد العرب، تتلاشى في صفوف الأجيال الجديدة من اليهود الأميركيين، وإن كان التأثير الصهيوني لا يزال مرتفعاً في أروقة الإدارات الأميركية المتعاقبة، فإن الناشطين اليهود المؤيدين لـ"إسرائيل" في أميركا يواجهون اليوم صعوبات كبيرة في استمالة الشباب اليهودي لدعم القضايا الإسرائيلية بالدرجة التي كان عليها الأمر في السابق.

هذه التحولات، وطبيعة التركيبة اليهودية الأميركية، وخياراتها المستقبلية، وتأثيرها في العلاقات الأميركية - الإسرائيلية من جهة، وعلى مستقبل "إسرائيل" من جهة ثانية، مسائل سوف نتطرق إليها في الجزء الثاني من هذه المادة.