بعد عام من اغتيال قادة النصر.. ماذا تحقق؟

سنة نارية شهدها الشرق الأوسط بدأت باغتيال وانتهت باغتيال. أسئلة كثيرة وكبيرة تطرح اليوم: ماذا حصدت أميركا بعد عام من اغتيال سليماني والمهندس؟ ماذا تغيّر في المنطقة؟ وأية مقاصد تحققت لترامب جرّاء هذا العمل؟

  •  كسبت إيران تأكيد مشروعها النضالي الداعم للقضية الفلسطينية
    كسبت إيران تأكيد مشروعها النضالي الداعم للقضية الفلسطينية

لا يمكن القول إنَّ المنطقة اليوم لا تزال على حالها كما كانت قبل عام. أمورٌ كثيرة تغيّرت، وأحداث كبيرة وقعت. رابحون وخاسرون يمكن رصد أرباحهم وخساراتهم. قوى وقعت في الفخ، وقوى صمدت وعانت. دولٌ جمحت بأقصى ضغوطها، ودولٌ تركت كل ثوابتها، وأخرى تمسَّكت على حد السكّين بما تراه مشروعاً حيوياً لشعوبها. 

قبل عام، افتتحت الولايات المتحدة الأحداث النارية باغتيال قائد قوة القدس في الحرس الثوري الإيراني اللواء قاسم سليماني ونائب رئيس هيئة الحشد الشعبي العراقية أبو مهدي المهندس قرب مطار بغداد. لقد كان واضحاً أن عام الانتخابات الأميركية سيشهد أحداثاً كبرى أخرى ستتأسس على الحدث الأول في العام، من خلال الرسالة الكامنة في مضامينه، وهي إزاحة الرجل الذي يرمز إلى مقاومة المشروع الأميركي في المنطقة، والذي أدى عملياً الأدوار الكبرى في بناء حركات المقاومة وتمتينها في وجه "إسرائيل" والجماعات التكفيرية.

 

أهداف الاغتيال.. ماذا تحقق منها؟

أعلن حينها الرئيس الأميركي دونالد ترامب أنه أمر بتوجيه الضربة التي قتلت سليماني والمهندس، لمنع "هجمات وشيكة وخبيثة على أميركيين" في المنطقة، على حد تعبيره، لكن الأحداث اللاحقة تثبت أن الاغتيال لم يكن يستجيب لهجمات وشيكة على الأميركيين، بل كان تمهيداً بالنار لحراك سياسي استسلامي ستقدم من خلاله دول في الخليج على توقيع اتفاقيات تطبيع العلاقات مع الكيان الإسرائيلي، وهي في ما بدت عليه بعد التوقيع اتفاقيات تحالف جديد معلن في المنطقة، إذ يمكن اعتبار الاغتيال في واحدٍ من جوانب معانيه عملاً استباقياً لمنع أي مسار شعبي أو ميداني معاكس لحركة التطبيع الآتية. 

لكن "منع العمليات ضد الأميركيين" من خلال الاغتيال أدى إلى نتائج عكسية تماماً لهدفه منذ اللحظة الأولى، فالضربات الإيرانية المباشرة على مواقع عسكرية أميركية لم تحدث قبل الاغتيال، إنما حدثت كردٍ أولي عليه بعد تنفيذه، وبالتالي فإن ترامب تسبب من خلال هذا القرار بتعريض جنوده لقصف إيراني مباشر وعلني، وهو أمر له ما له من تأثير في هيبة القوى الكبرى في العالم، والتي جعلها رئيسها تخسر موقع "الدولة التي لا يمكن التجرؤ عليها". 

وعلى مستوى النتائج في المنطقة، سعى ترامب إلى تعطيل قدرة إيران على التأثير في الدول التي تشهد نشاطاً في محور المقاومة، من خلال استهداف رمز التعاون بين طهران وبين هذه الدول وحركاتها المقاومة، على أساس أن الضربة لهذا الرمز ستخيف الجميع، وستخفض أي صوتٍ معارض للهيمنة الأميركية وللجرائم الإسرائيلية المستمرة منذ عشرات السنوات في المنطقة، فما الذي تحقق من ذلك بعد عام؟ 

عملياً، استمر عمل حركات المقاومة في العراق وسوريا ولبنان وفلسطين، ولم تتأثر هذه الحركات بصدمة الموجة التطبيعية الكبيرة التي حدثت، بل لم تنسَق أي واحدة منها إلى التعبير، ولو عن نسبة خفيضة من التغاضي عما ذهبت إليه الأنظمة المطبعة، بل كان أن اجتمعت كل الحركات التي شاركت في العمل المقاوم ضد "إسرائيل" والتكفيريين على قلب واحد، وفي موقفٍ واحد رافض كل الرفض للهدف الأميركي من اغتيال سليماني ولانعاساته العربية. وكان أيضاً أن وقفت كل الفصائل الفلسطينية، على اختلاف أساليبها، موقفاً موحداً في المقلب الآخر من محور التطبيع.

أما عن تعطيل قدرة إيران على تحقيق الأثر الفعلي في الأرض بعد سليماني، فإن هذه القدرة بقيت، وفق المعطيات المتوفرة، سليمةً تماماً من المساس بها. 

في المقابل، كان تقدير الموقف الإيراني بعد الاغتيال منسجماً مع التقدير الإيراني الاستراتيجي لطبيعة الأهداف المطلوبة من الاغتيال، فأحد السيناريوهات المتوقعة بعد ذلك كان أن تقدم إيران على تفجير المنطقة على نطاق واسع، الأمر الذي سيجرها إلى مواجهةٍ كبرى حسبت لها القوى المعادية حساباتها، وأدخلت ضمنها تحول الموقف العربي الخليجي بصورةٍ علنية وأكثر وضوحاً إلى جانب أميركا و"إسرائيل". ولو حدث هذا السيناريو المتسرع من جانب طهران، فإنه كان ليعطي ترامب فرصة إثبات تبريره لقرار الاغتيال، الذي قال إنه "لمنع هجماتٍ وشيكة... على الأميركيين".

لقد أفشلت طهران حسابات ترامب في هذه الجزئية، وتابعت عملها الذي يعتبر بحد ذاته الرد الأكثر تناسباً مع الفائدة الاستراتيجية، وليس مع الحماس الجماهيري الذي كان يطلب ثأراً مباشراً قوياً ورادعاً. لقد حقق الرد العسكري الأولي باستهداف القواعد العسكرية الأميركية بعد ساعات قليلة من الضربة هدفه المعنوي، ثم كان بعد ذلك وقت الرد الاستراتيجي الذي ترجم بمتابعة "العمل المخيف" لأميركا و"إسرائيل"، وهو تدعيم حركات المقاومة، وبناء القدرات الاستراتيجية، وتشديد القبضة على راية المشروع السياسي في المنطقة، والذي يعلوه علم فلسطين.

على المستوى الداخلي، كان الرئيس الأميركي يأمل بأن يستثمر الاغتيال في الانتخابات، فيخرج أمام الأميركيين بطلاً على أساس المساواة بين اغتياله سليماني وقتل سلفه باراك أوباما زعيم تنظيم القاعدة أسامة بن لادن، والفوز بولاية ثانية كما فعل أوباما، لكن هذه الحسابات - وعلى عادة ترامب - أغفلت فوارق جوهرية بين المحطتين والشخصيتين والمنظومتين، فابن لادن كان زعيماً لتنظيمٍ يعتبره كل العالم إرهابياً، وكان في نظر الجميع من مشرق الأرض إلى مغربها مسؤولاً عن عملياتٍ إرهابية "لا-دولتية" طالت المدنيين العزل، في حين كان سليماني مسؤولاً عسكرياً دولتياً يشغل موقعاً رسمياً في دولة إقليمية كبيرة معترف بها دولياً، وهو ما حوّل معنى عملية اغتياله من سياق مكافحة الإرهاب الذي أراده ترامب إلى سياق آخر اتخذ معنى الاعتداء من دولةٍ على مسؤول رسمي في دولةٍ أخرى. وفي النتيجة، فإنه لم يسهم بهذا المعنى في تدعيم حملة ترامب انتخابياً على الأقل.

تأكيداً لذلك، بعد الاغتيال مباشرةً، تلمَّس جو بايدن، المرشح المنافس لترامب في الانتخابات الرئاسية، والذي أصبح رئيساً في ما بعد، هذه المعاني للاغتيال، والتي تفضي، بحسب رأيه، إلى نتائج عكسية، وهو إذ أكد أنه لن يحزن لمقتل سليماني، أكد في المقابل "أن الهدف من هذه الخطوة (جريمة الاغتيال) هو منع ايران من القيام بهجمات جديدة، لكن من المؤكد أن هذه الخطوة ستأتي بنتائج عكسية". 

 

تحوّل نحو اغتيال سياسي لدور سليماني

لقد ترافق اغتيال سليماني والمهندس مع تحركات ميدانية سياسية تديرها أميركا في المنطقة، وتحديداً في الساحات التي برزت فيها أعمال المقاومة، والتي تعتبر مساحةً للنجاحات الإيرانية في وجه المشروع الأميركي-الإسرائيلي في المنطقة. تمثّلت هذه التحركات بدعم واشنطن لحركات الاحتجاج الشعبي في بغداد وبيروت من باب القضايا المطلبية، لتصل إلى استهداف حركات المقاومة وتحميلها مسؤولية تردّي الأوضاع الاقتصادية والفساد. 

وبعد فشل اغتيال سليماني في أهدافه السياسية، عجّلت واشنطن من آليات تغذيتها لهذه الاحتجاجات التي تغيرت شعاراتها بسرعة من التعبير عن مطالب اقتصادية واجتماعية إلى رفع شعاراتٍ سياسية مناهضة لقوى المقاومة، وتصاعدت الوتيرة باغتيال سليماني، ثم انضمت إلى السياق نفسه تطورات دراماتيكية عبرت عنها "اتفاقيات أبراهام"، لتجتمع المعطيات الثلاثة ضمن مسار واحدٍ أريد له أن يحدث الصدمة النهائية التي ستؤدي وفق التقدير الأميركي إلى هزيمة إيران وحلفائها بصورةٍ تامة، وقلب الأنظمة والحركات الحليفة لها بحربٍ ناعمة، فيما تعطل القدرة الإيرانية المباشرة على الدعم بالعمل العسكري المباشر (وهنا يبرز دور الاغتيالات)، لتصل المنطقة إلى نتيجةٍ كبرى صريحة: إخراج قوى المقاومة في لبنان والعراق من دائرة التأثير السياسي، وحشر إيران ضمن حدودها الداخلية وتحت ضغط شعبي مطالب بالرد، وإعلان التحالف العربي-الإسرائيلي، الأمر الَّذي سيخيف من بقي متمسكاً بموقفه المقاوم، وخصوصاً الفصائل الفلسطينية التي ستسارع - وفق هذه الخطة - إلى الموافقة على الانخراط في المشروع الانهزامي، إذ تعطلت قدرة حلفائها على المساعدة، وسقطوا تحت هول "الصدمة" الثلاثية الأبعاد، لكن ذلك لم يحدث.

 

ماذا حدث فعلاً بعد عام؟

أولاً: نجح الاغتيال في قتل سليماني والمهندس، فسارعت إيران إلى تعيين إسماعيل قاآني ليتابع العمل في المسار نفسه وللأهداف نفسها، وفشل هدف تعطيل مشروع سليماني في المنطقة. استمر الدعم لحركات المقاومة بصورٍ مختلفة، الأمر الذي يستدل عليه باستمرار أدائها السياسي والعسكري والتنظيمي بالوتيرة نفسها، كما لو أن الاغتيال لم يتم.

ثانياً: فشل ترامب في استثمار الاغتيال انتخابياً، فلم يتحفز الناخبون الأميركيون لانتخابه على أساس أنه البطل الذي تمكَّن من قتل الأشرار. وفي النتيجة، خسر الانتخابات (أسباب خسارته للانتخابات واسعة ومعروفة، لكن الإشارة هنا محصورة بهذه الجزئية فقط).

ثالثاً: لم يفضِ الاغتيال إلى إجبار إيران على التراجع عن نهجها المقاوم في المنطقة، بل إن المواقف التي أطلقتها خلال العام التالي للاغتيال كانت أكثر إصراراً وشدةً في مواجهة المشروع الأميركي وحركة التطبيع في المنطقة.

رابعاً: خلافاً للافتراض القائل إنَّ "اتفاقيات أبراهام" ستحدث صدمة تؤدي بوهجها إلى استتباع القوى الفلسطينية وإرغامها على السير في ركب الموقف العربي المطبّع، توحّدت المواقف الفلسطينية بين مختلف الفصائل والقوى وحركات المقاومة على رفض التطبيع ودعوة الدول العربية إلى العودة عنها، واقتربت قوى المقاومة الفلسطينية من إيران بدرجة أكبر من لحظة اغتيال سليماني.

خامساً: لم يؤدِ المسار الثلاثي الأبعاد الذي ضم الاغتيال ودعم التظاهرات الشعبية ضد حلفاء إيران و"اتفاقيات أبراهام" إلى إبعاد حركات المقاومة الحليفة لإيران عن التأثير السياسي في لبنان والعراق، ولم يخفض من قوتها، وها هي ولاية ترامب تنتهي وهذه القوى صامدة في دولها، على الرغم من متابعة نهج العقوبات ضد أفرادها ومؤسساتها.

سادساً: أدى الاغتيال وما تبعه، وصولاً إلى موجة التطبيع، إلى ترك عرب الخليج راية القضية الفلسطينية نهائياً من يدهم، ووضعها بصورةٍ كاملة بيد إيران. ورغم أنَّ القضية الفلسطينية خسرت باغتيال سليماني حليفاً مهماً على المستوى العسكري والميداني، وصديقاً مخلصاً على مستوى الالتزام المعنوي والعقائدي، كما خسرت موقف الدول العربية الذي كانت تراهن عليه كموقفٍ أخوي داعم، ولم تكن لتصدق أن يتحوّل إلى موقف عدو أو حليف لعدو، فإن القضية الفلسطينية كسبت على المستوى الاستراتيجي انفصال القوى المؤثرة فيها بقسمةٍ حادة إلى معسكرين: معسكر أميركا و"إسرائيل"، ومعهما دول التطبيع من جهة، ومعسكر آخر يضم حركات المقاومة الفلسطينية جميعها، وحركات المقاومة في المنطقة، إضافة إلى سوريا وإيران من جهة ثانية. 

وبحسابات الرّبح والخسارة على المستوى الاستراتيجي، كسبت إيران تأكيد مشروعها النضالي الداعم للقضية الفلسطينية، وأثبتت ثباتها في اللحظة التي تخلّى عن القضية من لطالما تغنّى بحمايته القدس وبخدمته الحرمين. وبعد كل ذلك، من يكون الرابح؟ ومن يكون الخاسر؟