الحكومة اللبنانيّة أسيرة الاستحقاقات المقبلة

يعيش لبنان فراغاً حكومياً مستمراً منذ الصيف الماضي بعد استقالة حكومة حسان دياب، وتحول موانع داخلية دون الوصول إلى تسوية إنتاج الحكومة بعد تراجع حدة المانع الخارجي، فيما تدخل البلاد في فضاء المعركة الرئاسية خلال العام المقبل.

  • يعيش لبنان فراغاً حكومياً مستمراً منذ الصيف الماضي بعد استقالة حكومة حسان دياب
    يعيش لبنان فراغاً حكومياً مستمراً منذ الصيف الماضي بعد استقالة حكومة حسان دياب

ستة أشهر من دون حكومة في لبنان. البلاد التي اسودّت نهاراتها منذ سنة ونصف السنة عندما دخلت نفق الانهيار الاقتصادي والمالي والنقدي، ثم زادت تفاعلات جائحة "كوفيد-19" من ظلام ليلها، يصحو مواطنوها وينامون على أخبارٍ كارثية، آخرها تزايد مؤشرات الانفلات الأمني الذي يعبر عن نفسه بأحداث قتل متفرقة، وعمليات سرقة متكررة، وتوترات اجتماعية تتفاعل يومياً على شكل إشكاليات تنفجر في مكان لتختفي، ثم تعود فتنفجر في مكان آخر، من دون أن يكون واضحاً سبيل الخروج من المسار الحالي.

واليوم، تقزّمت طموحات اللبنانيين إلى مجرد أن تكون لهم حكومة تطلق مساراً مختلفاً، لعلّه يحمل بعض الأمل ببعض الإصلاح الذي يمكن أن يعيد لمداخيلهم المتبخرة بعضاً من القيمة، فهل يكون لهم ذلك؟ ولماذا لم تشكل حكومةٌ حتى الآن؟ وما هي ملامح المستقبل في ظل اختلاف مستويات البحث في الأزمة المتعمقة شيئاً فشيئاً، من خلافات على توزيع الحصص الوزارية والحقائب والأدوار، إلى ذهاب البعض إلى طرح إعادة تكوين النظام وبحث الصيغة اللبنانية وشكل البناء الدستوري؟

في انتظار غودو خارجي

لقد انتظرت البلاد أشهراً طويلة على وقع التوقعات بأن تتغيّر الأجواء الإقليمية المتوترة في آخر أسابيع ولاية ترامب الرئاسية، وخصوصاً أن لبنان تأثر إلى حدٍ كبير بسياسة الضغوط القصوى التي مارسها الأخير على إيران وحلفائها في المنطقة، فمُنعت كل محاولات الإنقاذ التي سعت من خلالها حكومة حسان دياب إلى وقف الانهيار بمحطاته المتتابعة طوال العام 2020.

ومع رحيل ترامب وفوز جوزيف بايدن بالرئاسة الأميركية، انتظر اللبنانيون الانفراجات المتوقعة في المنطقة، لكن مع تأجيل توقعها إلى 20 كانون الأول/يناير الفائت؛ يوم استلام مهامه في البيت الأبيض. مرّت المواعيد تلو المواعيد، ولم تشكّل حكومة في لبنان.

لقد تحول انتظار المواعيد إلى عادةٍ عند اللبنانيين. ربما ابتكروها طريقةً لاستحضار الأمل غير المتحالف معهم هذه الأيام. ينتظرون موعداً فيتلاشى، ثم يمدون لأنفسهم زمناً آخر، وينتظرون مرةً جديدة. هم أيضاً يلامون على أنهم يعتقدون بأنهم محور الكون، ويتصرفون على أن بلادهم تبقى الشغل الشاغل للدول الكبرى في خلافاتها الدائمة، ويتفاجأون في كل مرة بخيبة هذا الاعتقاد وذلك التصرف، فيجدون أنفسهم في مقابل أنفسهم، لا أحد آخر ولا شيء آخر، ثم يضطرون إلى ابتكار حلولٍ مرحلية تفيدهم لأشهر من الزمن، وينسجون فيها خيوط خلافات جديدة. إنها مسكّنات مؤقتة لمرض مزمن، لكن أجواء المنطقة لم تهدأ بعد استلام بايدن، بل استمرت بالتوتر مع تمسك البيت الأبيض بعدم رفع العقوبات عن إيران لفتح الباب أمام العودة إلى الاتفاق بين الأخيرة والدول الست.

ومع هذا التلبد المستمر في أجواء الشرق الأوسط، تتضاءل فرص اللبنانيين في الخروج من مأزقهم، وتنحدر قدراتهم على التحمل مع تسجيل الاقتصاد نمواً سلبياً بنسبة 25%، وخسارة الليرة اللبنانية حوالى 75% من قيمتها الشرائية، ووصول معدلات البطالة إلى ما يفوق 40%، وتخطي نسبة الفقر 55% من مجموع اللبنانيين، مع توقع البنك الدولي بأن تصل هذه النسبة إلى 75%. إنها أرقامٌ مرشحة إلى التفاقم المفتوح على هاوية لا قعر لها، مع غياب المعالجات المطلوبة في ظل حكومة تصريف أعمال منذ 6 أشهر.

واليوم، يجول رئيس الحكومة المكلف سعد الحريري في العواصم العربية والإقليمية وبعض العواصم الدولية، في سعيٍ منه لإحداث اختراقٍ يمكّنه من تشكيل الحكومة، من خلال البحث عن تقاطعات بين القوى الفاعلة في الساحة اللبنانية.

يعرف الحريري أن الموقف الأميركي من إيران وحلفائها يصيب لبنان، ويحاول استبعاد شرائح واسعة من سكانه من التمثيل السياسي، كما يدرك أن الفريق المقاوم الذي تريد واشنطن استبعاده يمتلك حضوراً فاعلاً جداً في الساحة السياسية اللبنانية، ويتمثل في المؤسسات الدستورية والهيئات المنتخبة، وبالتالي فإنه يعرف أنه مضطر إلى صياغة تسوية معه تكون منتجة لحكومة قادرة على إطلاق المسار الإصلاحي من جهة، ومحتضنة من الكتل السياسية والأحزاب لتؤدي مهماتها من جهةٍ ثانية، إضافة إلى حصولها على بركة القوى الخارجية المؤثرة لتتمكن من الحصول على المساعدات الخارجية المطلوبة من جهةٍ ثالثة.

إنها صيغة سحرية صعبة التحقق، لكن الحريري يدور من أجلها بين المدن وفوق البلدان. لقد زار الإمارات. وهناك حاول الحصول على مساعدة متمثلة بمئات الآلاف من الجرعات من لقاح "كوفيد-19"، ولم يتمكن من ذلك. وفي الإمارات أيضاً، بحث الحريري عن استعادة رضا المملكة العربية السعودية المنكفئة عن الملف اللبناني بصورةٍ شبه كاملة، بعد مرور أشهر قليلة على التسوية الرئاسية التي أوصلت العماد ميشال عون إلى سدة الرئاسة في خريف العام 2016، بدعم من الحريري وحلفاء المملكة الآخرين الذين انضموا إلى حزب الله والتيار الوطني الحر في اختياره للرئاسة.

ومن السعودية والإمارات، ذهب الحريري إلى مصر، وهي الحليف الآخر للمملكة وصاحبة الدور والمكانة التاريخيين في المنطقة والعالم العربي، وهي أيضاً الدولة التي حاولت أداء دور لتعويض الغياب السعودي عن لبنان في السنوات القليلة الماضية، ومدّت يدها لبيروت لتساعد في محطات عديدة شهدتها الأخيرة.

وإلى تركيا، التي تقف على المقلب الآخر من نظرة السعودية إلى المنطقة، توجه الحريري ليكمل مقاطع الأحجية، عسى أن يقفل بعض نوافذ الصراعٍ في المنطقة بين الرياض وأنقرة، وهي نوافذ بدأت تلوح إشاراتها في الساحة اللبنانية، مع تحفز تركيا لأداء دور أكثر برودة في مدينة طرابلس الشمالية القريبة من الحدود مع سوريا، والتي تعد أقرب المدن اللبنانية إلى تركيا.

وفي فرنسا، يجمع الحريري مقاطع الصورة المتشظية ليركّب حكومةً تبدو معطياتها الخارجية والأدوار المطلوبة منها شديدة التعقيد وسهلة الحل، بينما تبدو معطياتها الداخلية أكثر بساطة، ولكن أكثر استعصاءً على الحل، وذلك في مفارقةٍ مدهشة لمن لا يعرف لبنان جيداً.

مكمن الخلاف

وفي محاولة تركيب سيناريو الحكومة الجديدة، تخرج أصوات تطالب بسيناريو حكمٍ جديد. وفي خضم الانزلاقات اليومية من منحدر إلى آخر أكثر عمقاً عمودياً، واتساع الانهيارات أفقياً لتطال كل يوم مجالاً جديداً من مجالات نشاط البلاد، تبدو الأطراف السياسية المختلفة قاصرةً عن إيفاء واجباتها الوطنية تجاه لبنان في أحلك مرحلة يمر بها منذ تأسيسه.

وعلى المستوى الداخلي أيضاً، يبدو ظاهر الخلاف المانع لتشكل الحكومة مرتبطاً ببضع حقائب وزارية يريدها رئيس الجمهورية، ومن ورائه التيار الوطني الحر الذي كان يرأسه شخصياً قبل انتخابه رئيساً للبلاد، في مقابل تمسك رئيس الحكومة المكلف بعدم السماح بتشكيل حكومة محاصصة سياسية علنية توزع فيها الحقائب على الأحزاب، والاستعاضة عنها بحكومة متخصصين غير منتمين حزبياً، لكن من ضمن صياغة حكومية تأخذ بعين الاعتبار عدم اعتراض الأحزاب الكبيرة عليها.

وبحسب سيناريو الحريري، فإن اختياره أسماء الوزراء واستمزاج الأحزاب حولهم، أفضل بكثير من طلب أسماء الوزراء من الأحزاب السياسية، لكن خلف هذا المشهد والخلاف التفصيلي على الحقائب والأسماء، يتمحور الحديث اليوم عن خلاف أكثر عمقاً يتعلق بتفسير المادة الدستورية التي تعنى بتأليف الحكومة، ففي حين تقول هذه المادة إن مراسيم تشكيل الحكومة تصدر بالاتفاق بين رئيسي الجمهورية والحكومة، يصر عون على منطق أحقيته بتسمية الوزراء المسيحيين في الحكومة وترك أسماء الوزراء المسلمين لرئيس الحكومة، تحت ذريعة تحقيق التوازن، وفي ذلك محاولة بالممارسة لاستعادة صلاحيات رئاسية لم تعد موجودة منذ اتفاق الطائف الذي وقع قبل 3 عقود.

ويستند رئيس الجمهورية، ومعه رئيس التيار الوطني الحر جبران باسيل، إلى مطالبتهما بوحدة المعايير حين تشكيل الحكومة، ويعنيان بذلك إعطاءهما الوزارات التي يطلبانها أسوةً بحزب الله وحركة أمل اللذين أصرا على تسمية الحريري وزير المالية في حكومته بالاتفاق معهما، وعلى أن تكون شخصية الوزير غير مناهضة لهما، لمجموعة اعتبارات تتعلق بحساسية عمل وزارة المالية وطبيعة التركيبة القانونية التي تتيح توقيع وزير المالية مع رئيس الجمهورية والحكومة على المراسيم ذات البعد المالي كافةً.

في المقابل، يتمسَّك الحريري بالمنطق الدستوري الذي درجت عليه العادة بعد الطائف في كل الحكومات التي تشكلت في مختلف العهود، إذ لم يكن رئيس البلاد يمتنع عن توقيع مراسيمها قبل الحصول على حصة طائفته منها. ويستند الحريري في ذلك إلى طبيعة النظام البرلماني الذي يلقي المسؤولية على الحكومة في أعمالها ويحاسبها من خلال الاستجوابات وتقديم الأسئلة داخل البرلمان خلال مسيرتها، كما لا تحصل على شرعيتها قبل نيلها ثقته.

ويترأس رئيس الحكومة حكومته فيحاسب عن أدائها، وقد تتم الإطاحة به داخل أسوار البرلمان، بينما يترأس رئيس الجمهورية الحكومة من دون أن يسأل أو يحاسب أو يكون مسؤولاً عن أعمالها. إن هذا المنطق القائم على مبدأ موازاة المسؤولية بالصلاحية، إضافة إلى تاريخ الممارسة السياسية طوال العقود الثلاثة الماضية التي تعطي رئيس الحكومة صلاحية تشكيل الحكومة وإصدار مراسيمها بالاتفاق مع رئيس الجمهورية، هذا من ناحية. 

من ناحية ثانية، يستند الحريري إلى المناخ الداخلي الذي يطالب بالإصلاح وباستبعاد التدخلات السياسية عن عمل حكومة المهمة التي يطلبون منها استعادة أموالهم المحتجزة في المصارف، وإعادة القيمة إلى عملتهم الوطنية، وبالتالي مداخيلهم المتبخرة.

في خلفية المشهد، تعيش البلاد في ظل هذه التصادمات كلها، لكن الأخطر أن المسار الحالي يقودها بسرعة نحو العام 2022 الذي يفترض أن يشهد في ربيعه الانتخابات النيابية التي سينبثق عنها مجلس نيابي ينتخب في خريف العام نفسه رئيساً جديداً للبلاد.

إذاً، تنزف ساعة الرمل اللبنانية قبل تلك المواعيد الوقت بسرعة مطردة، الأمر الذي يصعب تشكيل حكومة في الوقت المتبقي، فلو تشكلت الحكومة اليوم، سيكون أمامها سنة واحدة فقط قبل الانتخابات النيابية التي تعني حلها حكماً.

لكن خلف ظواهر الخلاف الحكومي على الحصص والحقائب والتفسيرات الدستورية المستجدة، وبعيداً من تعقيدات الصراعات الخارجية المنعكسة على الداخل اللبناني بصورة أعباء تثقل جهود الحل، يتفق المراقبون على أن البلاد تدخل بصورة متزايدة كل يوم في مساحة المعركة الرئاسية المقبلة في خريف 2022.

ويقول أنصار تحميل المعركة الرئاسية مسؤولية تعقيد تشكيل الحكومة إنَّ باسيل لا يملك اليوم سوى ورقة تشكيل الحكومة ليفاوض بها على تسوية تحمله رئيساً إلى بعبدا بعد نهاية ولاية الرئيس الحالي.

كما يقول هؤلاء إنَّ صعوبة إجراء الانتخابات النيابية بعد عام من الآن في ما لو استمرت الأزمة على حماوتها، والدخول في فراغ رئاسي بعد ذلك مع نهاية ولاية عون، يعنيان أن الحكومة العتيدة هي التي ستحكم حتى إجراء الانتخابات النيابية وبعدها الرئاسية، وبالتالي فإن المرشح الرئاسي الأقوى في الحكم حينها هو الذي يفرض شروطه للتسوية، بعد أن كان منطق السنوات الماضية يقول إنّ المرشح الأقوى على المستوى الشعبي هو الذي ينال حق الوصول إلى قصر بعبدا.

وبين هذا وذاك، وفي حين يحاول اللاعبون استخدام كل أسلحتهم لضمان مواقعهم في الحكم، يحاول الرئيس الفرنسي إعادة تزخيم مبادرته، من خلال التشبيك مع القوى الإقليمية من جهة، والحصول على تفويض أميركي واضح من جهة ثانية، لكن البلاد في سباق مع الوقت، وهي تتذوق يومياً طعماً جديداً من ألوان الوجع المعيشي والأمني، وتنحسر أمامها آمال المستقبل.