"سوبر ليغ": الجماهير تنتصر لشغفها ضد اقتصاد الكرة

مشروع إطلاق "السوبر ليغ" أحدث شرخاً كبيراً بين الأندية واتحادي الكرة الأوروبي والدولي، لكن ما خلفيات الطرح؟ وكيف دافعت الجماهير عن شغفها في وجه جشع عمالقة الأعمال؟

  • لقد رفعت الكرة شعوباً، وأعزّت أمماً، وانتشلت الكثيرين من فخ الفقر المدقع.
    لقد رفعت الكرة شعوباً، وأعزّت أمماً، وانتشلت الكثيرين من فخ الفقر المدقع.

لن يكون من المبالغة القول إن كرة القدم أكثر من لعبة. لقد تجاوزت منذ زمنٍ طويل الحد الذي يجعلها لعبةً رياضيةً كأية لعبة أخرى. لقد باتت مع الوقت مصدر حياةٍ للكثيرين حول العالم. في الحقيقة، للمليارات منهم! إنها لعبة مليارية بعدد ممارسيها، لكن مصدر الحياة هنا ليس مقتصراً على الجانب المادي، أي مجموع الناس الذين يعيشون على عائدات كرة القدم، أو على مهن قائمة في فضاء المباريات وحول الملاعب، أو من خلال بيع المنتجات المرتبطة باللعبة، أو غير ذلك من صنوف الأعمال التي ترتبط بالمستديرة الساحرة، بل إن المقصود من الحياة هنا أشمل وأعمّ. إنه نوع من الشعور الذي ينتاب من يعيش حياة كرة القدم؛ يعيشها لأنها أسلوب حياة متكامل، يرتفع فيها المزاج الجمعي بكرة واحد ملعوبة بمهارة على رقعة خضراء مستطيلة. ومثلما يرتفع بالكرة، ينهزم هذا المزاج دفعة واحدة من كرةٍ معاكسة.

أكثر من ذلك بعد. لقد رفعت الكرة شعوباً، وأعزّت أمماً، وانتشلت الكثيرين من فخ الفقر المدقع، من لمعان الملاعق الفارغة، ووضعتهم أمام وميض آلات التصوير، وعلى صفحات المجلات، وفي عدسات العيون المتسمّرة حول العالم.

لقد حملت كرة القدم الأرجنتين في العامين 1978 و1986، وأعادت لها كرامتها التي أزهقتها الانقلابات العسكرية والتوترات السياسية والأزمات الاقتصادية التي وصلت في ذلك الوقت إلى أسوأ الأحوال، إلى أن جاءت يد مارادونا لتمسك بشعبٍ كاملٍ على طريق استعادة العنفوان المفقود.

قبل ذلك، كانت البرازيل، البلاد الفقيرة، هبة كرة القدم. لقد أطلقت اللعبة نهراً من المجد يفوق بغزارته الأمازون، لتصبح مصدر دخلٍ للملايين هناك. وحتى اليوم، تتصدر البرازيل قمة مصدّري اللاعبين المهرة إلى العالم. جواهر تلمع على بساط الملاعب.

انتشلت الكرة بلاداً كثيرة من أزماتها، من خلال العوائد المالية واقتصاد الكرة حيناً، ومن خلال تغذية الجماهير بالفخر اللازم للعيش حيناً آخر. لقد دخلت مساحة الشعور الوطني، وخلقت فيه زوابع بعد الأخرى، لتكون عاملاً من عوامل القوة الوطنية للدول، ينظر إليها الشعب ليقول شيئاً للعالم. اللاعبون تحوّلوا إلى سفراء. تُعرف بلادهم بهم. مصر العظيمة بآلاف السنوات إلى الوراء، بالنّسبة إلى الكثيرين في بريطانيا وخارجها اليوم (خصوصاً عند الجيل الجديد)، هي بلاد محمد صلاح فقط. وعلى القاعدة نفسها، الأرجنتين هي بلاد ميسي، والبرتغال بلاد رونالدو، والنرويج بلاد هالاند... تماماً مثلما حملت الكرة يوماً جورج وياه إلى رئاسة ليبيريا.

 

العالم يحبس أنفاسه

الآن، بات وكلاء الأعمال يسيطرون على اللعبة. يحددون وجهة اللاعبين. يوزعون المواهب على الأندية - الشركات الكبرى. لا يهم من يلعب وأين. المهم فقط أن تكون حصة وكيل اللاعب من الصفقة كبيرة بما يكفي. الفرق الصغيرة لا تستطيع أن تحلم بلاعبٍ من الصف الأول. لقد تحوّل سوق الانتقالات إلى سوق مالية لا مكان فيها تقريباً لخيارات المشجعين أو خيارات اللاعبين أنفسهم، الذين سلّموا مصيرهم للوكلاء طمعاً بالمال، حتى إن بعضهم فضّل صفقةً مالية مضمونة على مسيرة كروية أكثر ضماناً.

مينو رايولا هو واحد من أشهر وكلاء اللاعبين في أوروبا. في جعبته وكالة عن أهم اللاعبين، وهو متخصّص في انتزاع اللاعبين من أنديتهم وبيعهم لمن يدفع أكثر. قصّته الحالية الأكثر ضجيجاً هي محاولته بيع حارس ميلان الإيطالي جيجيو دونارونا للغريم يوفنتوس، مقابل مبلغ كبير لرايولا نفسه، بينما لا تزيد حصة جيجيو من الصفقة كثيراً على عرض فريقه الحالي الّذي شجّعه من طفولته وتربى فيه. الفتى يمثل موهبةً إيطالية صاعدة في حراسة المرمى، ويُشار إليه بالبنان كجوهرة مع الأرقام التي يحقّقها، وهو ما يزال في عمر 22 عاماً فقط.

إنّه مثال واحد عن تحوّل شغف كرة القدم وأحلام اللعب بألوان الفريق المفضّل والولاء للقميص إلى مجرد مجال من مجالات الأعمال. اللعب في الأندية في هذا النظام مماثل للوظيفة في شركة أعمال عادية. المهم فيه هو قيمة الراتب، ومن يدفع أكثر يحصل على الكفاءات الأبرز.

قبل سنوات قليلة إلى الوراء، كانت الأمور مختلفة. وكلَّما رجعنا إلى الماضي ازدادت الصورة تناقضاً. إنّ ما حدث خلال 48 ساعة في أوروبا، ومتابعته بقلق حول العالم، يمكن قياسه كحدثٍ رياضي على حدث سياسي شهد منسوب توتر مرتفعاً جداً؛ يوم حبس العالم الأنفاس في تشرين الأول/أكتوبر 1962، خلال ما يعرف بأزمة الصواريخ الكوبية التي هددت بحرب نووية لا تبقي ولا تذر.

أزمة "السوبر ليغ" هددت بنهاية كرة القدم، فالكرة الأوروبية هي كرة العالم اليوم. كأس العالم لا يحدث إلا مرةً واحدة كل 4 سنوات، لكن ما يبقي جوع مليارات مشجعي الكرة حول العالم حاضراً وملحّاً هو الكرة الأوروبية بالتحديد.

 

فكرة تجارية قديمة

بدأت الأزمة، كما بات معلوماً، في 19 نيسان/أبريل الحالي، عندما أعلن 12 نادياً من عمالقة الأندية في أوروبا والعالم وأصحاب أكبر تاريخ في اللعبة اتفاقهم على إنشاء مسابقة "دوري السوبر الأوروبي" (يوروبا سوبر ليغ)، معلنين انطلاق النسخة الأولى من المسابقة في موسم 2021-2022.

هذه الخطوة فسّرها الاتحاد الدولي لكرة القدم، وخصوصاً الاتحاد الأوروبي للعبة "يويفا"، باعتبارها حرباً وتمرداً على الأطر القانونية الناظمة للعبة. الأندية التي شاركت في الخطوة "المؤامرة" هي يوفنتوس وميلان وأنتر ميلانو من إيطاليا، ومانشستر يونايتد وآرسنال وليفربول ومانشستر سيتي وتوتنهام وتشيلسي من إنكلترا، وبرشلونة وريال مدريد وأتليتيكو مدريد من إسبانيا، على أن تنضمّ فرق أخرى غير دائمة بصورة دوريّة.

ما يهمّنا في سياق البحث هنا هو الجانب المتعلق بتسليع اللعبة وتحويلها إلى سوق أعمال بحت، وذلك على حساب الجوانب الشعبية والفنية والجمالية والثقافية. لم يطل الوقت قبل أن تترنّح الفكرة تحت ضغط الجماهير التي هالها ما سمعت ورأت، وأدركت أن اللعبة المعشوقة مهددة في مركز نشاطها وفي المكان الذي تطورت فيه، حتى وصلت إلى مستوى فني وتكتيكي بالغ التقدم، الأمر الذي زادها متعةً وجاذبية، آسرةً ألباب الصغار والكبار، إلى حد الجنون الذي اتّسع ليتجاوز مجموعات "الألتراس" ويشمل فئات جديدة كل يوم.

لقد ولدت الفكرة بعد مسار طويل من تداول الأفكار التي حاولت إيجاد إطار تنظيمي بين الأندية صاحبة العلامات التجارية الكبرى، يساعدها على تحسين مردوداتها المالية، ويخرجها من سلطة الاتحادين الأوروبي والدولي لكرة القدم. الفكرة بصيغتها الجديدة طرحها رئيس نادي ريال مدريد فلورينتينو بيريز بالاتفاق مع مجموعة من مالكي الأندية الإنكليزية وأندريا آنييلي رئيس يوفنتوس الإيطالي.

وليس جديداً على ريال مدريد تقديم أفكار من هذا النوع، وخصوصاً إذا علمنا أن مسابقة دوري أبطال أوروبا للأندية انطلقت من النادي نفسه مع سانتياغو برنابيو قبل عقود من الزمن، لكن الجذر الأقدم لـ"السوبر ليغ" يعود إلى نهاية الثمانينيات من القرن الماضي، عندما اقترحها سيلفيو بيرلسكوني، رئيس ميلان، ورامون ميندوزا، رئيس ريال مدريد يومها، ثم تم إحياؤها مع بيريز في العام 2009، عندما انتقد دوري أبطال أوروبا وطرح الفكرة من جديد، ليبدأ من بعده مسؤولون كبار بتداول الطرح ودفعه إلى الأمام. وكان آنييلي من أبرز المتحمسين لقيام المسابقة الجديدة.

 

كرة المال

مع انتشار جائحة كورونا في العام 2020، تعرضت دول منطقة اليورو (وبقية العالم) لأضرار اقتصادية بالغة القسوة، الأمر الذي استعجل الفرصة بالنسبة إلى مخططي البطولة الجديدة.

إن نقطة الضعف المركزية في فكرة "سوبر ليغ" هي أن مصدرها مادي مباشر ومن دون مواربة، الأمر الذي تم التعبير عنه بصراحة من قبل عرابي الطرح. آنييلي، مثلاً، قال إن المسابقة الجديدة ستضخ أموالاً وشغفاً جديداً لمحبي كرة القدم. هذا المنطق الذي يربط الشغف بالمال هو السائد حالياً عند أصحاب كبريات العلامات التجارية للأندية الأوروبية. زاد منها في السنوات الأخيرة دخول رؤوس أموال خارجية ضخمة إلى السوق الأوروبية، من خلال شراء أندية عملاقة عريقة، مثل شراء قطر لنادي باريس سان جرمان الفرنسي، وترؤسه من قبل رجل الأعمال ناصر الخليفي، أو شراء الملياردير الروسي رومانو أبراموفيتش لنادي تشيلسي الإنكليزي. وقبل ذلك، قيام مواطنه ديميتري ريبولوفليف بشراء نادي موناكو الفرنسي... وهناك الكثيرون غيرهم ممن استثمروا في شغف الجماهير، ورفعوا أسعار انتقالات اللاعبين بين الأندية، إلى عنان السماء، لتتجاوز قيمة كسر عقد بعض اللاعبين، مثل ميسي ورونالدو، عتبة نصف مليار دولار!

ولا بدّ من إنصاف الأندية من الناحية الأخرى، ذلك أنها في النهاية مؤسَّسات تبتغي الربح. وقد عاشت معاناة اقتصادية خلال السنتين الأخيرتين بسبب جائحة فيروس كورونا، الأمر الَّذي دفعها إلى البحث عن موارد مختلفة من أجل إنعاش وضعها الاقتصادي.

الأرقام توضح المسألة أكثر. صحيفة "سكاي سبورتس" أكّدت أنّ تمويل البطولة الجديدة المقترحة يبلغ ما يقارب 6 مليارات يورو، ما يؤمّن أرباحاً بمئات الملايين للأندية المشاركة في البطولة. تُضاف إلى ذلك أموال منصات النقل التلفزيوني، إذ أكّدت صحيفة "لا غازيتا ديلو سبورت" أن منصة "DAZN" مستعدة لدفع نحو 306 مليار دولار. أكثر من ذلك، هناك من تحدث عن 10 مليارات دولار ستصل إليها البطولة في وقت قريب. إنها سوق هائلة لا تحتملها كرة القدم حالياً، إذ ستتحوَّل إلى صراع محموم تدخل فيه السياسية بقسوة، وتندثر فيه معالم اللعبة كلعبة. "سكاي سبورتس" قالت أيضاً إن مصرف "ج. ب. مورغن" الأميركي سيضخ في المسابقة 5 مليارات دولار في حال إطلاقها.

في المقابل، وفي حين ترزح الأندية تحت ثقل الأزمات الاقتصادية، فإنها لا تحصل من الاتحاد الأوروبي لكرة القدم إلا على حوالى 40% من عائدات البث التلفزيوني للمسابقة. بطل دوري الأبطال، على سبيل المثال، يحصل على نحو 75 مليون يورو، بينما يمنح "سوبر ليغ" النادي المشارك حوالى 425 مليون يورو. في المقارنة، تبدو عوائد الأندية من دوري الأبطال الحالي زهيدة أمام الفرص التي تلوح أمامها من بطولة السوبر ليغ.

 

جوائز دوري أبطال أوروبا 

في المحصلة، أرادت الأندية أن تستعيد اللعبة من أيدي الاتحادات، لتجعل منها سوقاً مقفلاً خاصاً بالكبار، ونادياً لمترفي الكرة، يغرون الجماهير بتصعيد وتيرة الحماسة، من خلال تركيز أفضل لاعبي العالم ضمن فرق المسابقة، وبالتالي هم يعملون على قاعدة أن الجماهير سوف تلحق باللاعبين الجيدين والأندية الكبيرة، وأن هذا الشغف فرصة تدر أرباحاً طائلة، فلمَ تضييعها؟

والسؤال هنا: من الذي أعطى الأندية هذه الفرصة؟ ببساطة، إن إخفاقات الاتحادين الأوروبي والدولي لكرة القدم وطمع مسؤوليهما هما اللذان جعلا الأندية تجد ثغرة تحاول من خلالها الانقلاب على النظام العام للعبة، فلو كان النظام المالي سليماً وعادلاً، لما تمكّن بيريز من إقناع تلك الأندية العملاقة بالانقلاب.

في النهاية، لم يتمكّن أحد من حماية اللعبة سوى الجماهير. لقد انتفضوا على أنديتهم، ليئدوا المشروع في مهده أو يبعدوه إلى مرحلة لاحقة على الأقل.