دلالات على تحول أفق الصّراع لمصلحة الفلسطينيين

يعيش قادة الاحتلال معضلة متفاقمة. الخسائر الاقتصادية المتزايدة والمؤشرات المتراكمة تدلّ على اختلاف هذه المعركة عن سابقاتها.

  • تختلف المواجهة الحالية في ظروف انطلاقة انتفاضة الفلسطينيين من قلب مدينة القدس بكل من تحمله من دلالات رمزية ووطنية.
    تختلف المواجهة الحالية في ظروف انطلاقة انتفاضة الفلسطينيين من قلب مدينة القدس بكل من تحمله من دلالات رمزية ووطنية.

مرة جديدة، يجد الكيان الإسرائيليّ نفسه عالقاً فوق شجرة الحرب على الفلسطينيين. الصورة في المقلب الآخر واضحة جداً، فالاستعداد للشهادة ولمواصلة المقاومة حتى آخر مقاتل بات من المسلّمات المؤكدة لحقائق الصراع عند الفلسطينيين، ثم إن الكلفة الاقتصادية غير متكافئة على الإطلاق، فعلى الرغم من استخدام الكيان، بـ"جيشه" ومستوطنيه، أقصى درجات العنف التي يمكن استخدامها، تبقى الكلفة الاقتصادية على الفلسطينيين أقلّ بأشواط من خسائر الإسرائيليين في مؤسساتهم وبناهم التحتية ومنازلهم وأرقام اقتصادهم غير المتعافي أساساً.

لكنَّ حقائق العدوان الإسرائيلي الحالي على فلسطين، ومقاومة الفلسطينيين الممتدة على مساحة أرضهم التاريخية، تبرز دلالات جديدة على تحولات حقيقية في المشهد، تعزز بتراكمها اليومي، وبصورةٍ متسارعة جداً، الأمل بنصر جديد يفتح باباً واسعاً على المستقبل الذي يراه الفلسطينيون، ومعهم المقاومون في المنطقة والأحرار على مساحة العالم، حقيقة مؤكدة لا تفصلنا عنها سوى مساحة من الوقت.

 

خسائر الاقتصاد الإسرائيليّ

تشير الوقائع اليومية بصورةٍ واضحة إلى تضرّر الاقتصاد الإسرائيلي من استمرار العدوان على الفلسطينيين، وتطور مقاومتهم التي رفعت سياق ردها إلى مستويات مفاجئة خلال المواجهة الحالية التي تقودها على رقعة واسعة جداً من أراضيها المحتلة. 

وكالات الأنباء العالمية اهتمت بهذه الناحية من الأحداث، فقارنت بين كلفة العدوان الإسرائيلي وكلفة ردّ المقاومة. وكالة الأنباء الفرنسية أوردت أرقاماً في هذا السياق تشير إلى أنَّها المرة الأولى منذ 7 سنوات التي يتعرَّض فيها كيان العدو لهذا الحجم من الأضرار على مستوى الوحدات السكنية ومنصات استخراج الطاقة وممتلكات الكيان والمستوطنين.

ومع استمرار المقاومة بوتيرةٍ عالية، بات عدد صواريخ المقاومة المتساقطة على الأراضي المحتلة يُحسب بالآلاف، وهو مستمرّ في تصاعد مطّرد، بثورةٍ لا يمكن إيراد أرقام مستقرةٍ لها قبل انتهاء المعركة الحالية. 

بعد أيام على بداية ردّ المقاومة المسلحة على العدوان، أعلنت شركة "شيفرون" الأميركية أنَّها أغلقت منصة "تمار" الإسرائيلية للغاز الطبيعي والواقعة في شرق البحر المتوسط، والتي تضخ حوالى 10 مليارات متر مكعب من الغاز سنوياً، وذلك بناءً على تعليمات من وزارة الطاقة الإسرائيلية. 

وعلى الرغم من وقوع الحقل على بعد 90 كيلومتراً في البحر، غربي مدينة حيفا الشمالية، فإن قرار الإغلاق ارتبط بعاملين رفعا مخاطر استهدافه؛ الأول يتعلق باندلاع حريق ضخم في خطوط أنابيب النفط بين مدينتي عسقلان وإيلات في أقصى الجنوب، بسبب صاروخ أطلق من قطاع غزة، بحسب قناة "كان" الإسرائيلية، والآخر يرتبط بشمول رد المقاومة جميع الأراضي المحتلة، وبالتالي إن حقول النفط في الشمال لن تكون بعيدةً من الخطر في ما لو قرَّرت المقاومة استهدافها بصورةٍ مباشرة.

هذا التطور اللافت دفع كيان الاحتلال إلى إنشاء مجموعة اقتصادية لاستشارتها في موضوع الخسائر الحالية وتلك المحتملة جراء الأحداث، في خطوة تعد الأولى من نوعها في أحداث مماثلة. 

أكثر من ذلك، لقد دفع استهداف مطار بن غوريون، وقصف تل أبيب بصورةٍ مباشرة ومستمرة، إلى زيادة المخاطر على الاقتصاد الإسرائيلي، وذلك بسبب اضطرار قطاعات اقتصادية واسعة إلى الإقفال، مع تعطيل الملاحة الجوية وإيقاف الدراسة ونزول ملايين المستوطنين إلى الملاجئ خوفاً من ضربات المقاومة المتواصلة.

على الرغم من أنَّ وكالات الأنباء العالمية دسّت في أخبارها حول خسائر العدوّ مقابلات لطلاب إسرائيليين يتحدثون عن تعطّل دراستهم، وأغفلت في السياق نفسه، في المقلب الآخر، أن الطلاب الفلسطينيين لا تتعطّل مدارسهم فحسب، بل يتحولون أيضاً إلى أشلاء تنثرها صواريخ الطائرات الإسرائيلية في الأرجاء، فإن الكلفة الاقتصادية المرتفعة تتحول مع الوقت إلى عامل ضغطٍ على قادة العدوان لإيقاف العدوان. 

 

دلالات على مواجهةٍ مختلفة

وعلى الرغم من أنَّ مستوى إجرام الإسرائيلي لم يتراجع عن معدله في المواجهات السابقة، بل إنه يحاول ابتكار وسائل إجرامية جديدة تطال كلّ الفئات العمرية وكل أنواع المنشآت، بما فيها الإعلامية، التي طالت مكاتب وكالات الأنباء العالمية ومحطات إعلامية وبيوت الإعلاميين، ومن بينها منزل مراسل "الميادين" أحمد غانم، فإن دلالات كثيرة تتجمع لتفضي إلى نتيجة واحدة، وهي أن المواجهة الحالية مختلفة عن سابقاتها، وهي تبشّر بأفق أكثر إشراقاً لخيار المقاومة وللشعب الفلسطيني المتطلع إلى استعادة أرضه وحقوقه. ومن هذه الدلالات:

 

العنف المفرط 

يشير مستوى العنف "غير المسبوق" (بحسب تعبير رئيس هيئة أركان جيش العدو أفيف كوخافي بعد لقائه نتنياهو السبت) الذي يستخدمه "جيش" العدو، بالتوازي مع الحملة المسعورة التي يقودها المستوطنون ضد الفلسطينيين، أصحاب الأرض، إلى نفاد الحلول أمام كيان الاحتلال وتضاؤل الخيارات أمامه في التعامل مع المقاومة المتحفزة والمتصاعدة والمتوسعة مع مرور الوقت، وهو ما يحمل انعكاساتٍ بالغة التأثير في صورة الكيان في الخارج وظهور حقيقته ككيان تطهير عرقي يتفوق على كل ما عرفه العالم في العقود الماضية، ليتحول إلى نازية جديدة في القرن الحادي والعشرين، ولكن هذه المرة على مرأى ومسمع من العالم بأسره. 

إضافةً إلى ذلك، إنّ تأثير العنف الإجرامي المفرط يدفع جزءاً من اليهود إلى التحرك رفضاً لممارسات كيانهم الذي يحولهم إلى مجرمين مرمّزين عالمياً، وهو ما يفسر اندماج المزيد من هؤلاء اليهود المعترضين على الحرب في النشاط الرافض لها.

 

تراجع قيمة التفوّق الجوي

في المواجهة الحالية، تراجعت قيمة التفوق الجوي الإسرائيلي الذي لطالما شكّل عنوان الاستراتيجية العسكرية للكيان، بدليل عدم تمكن هذه التفوق من إيقاف إطلاق الصواريخ، أو الوصول إلى تعطيل حركة المقاومة. في مقابل ذلك، تطورت قدرة المقاومة على الحد من هذا التفوق، على الرغم من استمرار الطلعات الجوية التي تواصل تنفيذ مجازر مروعة بين المدنيين. لقد تمكنت المقاومة الفلسطينية في الأيام الأخيرة من إصابة مطارات حربية إسرائيلية، مرسلةً رسالة قوة تحمل أبعاداً أمنية بالغة الحساسية والدلالة على أفق الصراع.

 

تصاعد أهمّية صواريخ المقاومة

بالتوازي مع تراجع قيمة التفوق الجوي الإسرائيلي، تتعاظم الأهمية الاستراتيجية للسلاح الصاروخي الذي تمتلكه المقاومة الفلسطينية. بدا ذلك جلياً على الرغم من إدارتها هذه الترسانة بأعصابٍ باردة، وبتقنينٍ واعٍ، بحيث تحتفظ بالكشف عن القدرات بموازاة مسار المواجهة، لكن الأيام الماضية أكدت أن الدلالات المرتبطة بالصواريخ ستكون لها انعكاسات حقيقية مباشرة عندما تدفع المقاومة بمفاجآتها إلى الميدان.

 

رقعة الرد

توسّعت رقعة الرد في المواجهة الحالية لتطال كامل التراب الفلسطيني المحتل، بحيث شهدت الأيام الأولى ضربات للمقاومة على معظم المدن المحتلة، بما فيها تل أبيب والقدس، والشريط الساحلي الغربي، وصولاً إلى إيلات في الجنوب، الأمر الذي يعيد إلى الذاكرة خطابات الأمين العام لـ"حزب الله" اللبناني السيد حسن نصر الله، التي أكَّد خلالها أكثر من مرة أن صواريخ المقاومة باتت قادرة على أن تطال كامل فلسطين التاريخية، لكن تنفيذ هذا الإعلان يكتسب معاني أكثر تفاؤلاً حين يكون صادراً عن المقاومة الفلسطينية، فاليوم أصبحت المقاومتان اللبنانية والفلسطينية قادرتين على ضرب الاحتلال، في كل نقطة تحددانها، من الشمال إلى الجنوب، وصولاً إلى البحر والسماء.

 

تنوّع أشكال المقاومة

تنوّعت أشكال العمل المقاوم خلال المواجهة الحالية بين المقاومة الشعبية في المدن والقرى في أراضي الـ48 المحتلة، والعمل العسكري المقاوم الذي تتولاه فصائل المقاومة، والعمل الشّعبي في دول الطوق، وخصوصاً على الحدود مع لبنان والأردن، وفي الغرب، حيث سارت المسيرات في شوارع المدن مناديةً بدعم فلسطين، ومنددة بجرائم الاحتلال، ومطالبةً للعالم بالتدخل لنصرة الحق وإدانة "إسرائيل".

 

البداية من القدس

تختلف المواجهة الحالية أيضاً في ظروف انطلاقة انتفاضة الفلسطينيين من قلب مدينة القدس بكل من تحمله من دلالات رمزية ووطنية وقومية ودينية وعالمية. لم يقتصر الأمر على انطلاق المقاومة من القدس، بل إن مشاركة فلسطينيي الـ48 في العمل المقاوم المباشر شكّل لافتةً بارزة تعلن عن مستوى جديد للمواجهة مع الاحتلال. لقد شكل فلسطينيو الداخل المحتل علامةً فارقة، خصوصاً في المدن المشتركة سكنياً، كما في القدس واللد وغيرهما. 

لا تقتصر أبعاد هذا التطور على النواحي العسكرية، بل إنها تتعزز أكثر بالنظر إلى انعكاساتها على المستوى السياسي في كيان الاحتلال، الذي يعاني أساساً استعصاء سياسياً داخلياً، وانسداداً في مسار الحياة السياسية التي تشهد فوضى عارمة مع غياب رجال الكيان التاريخيين وتدهور نوعية القادة الحاليين.

 

دلالات التوقيت

جاء توقيت الانتفاضة الحالية بعد أشهرٍ قليلة من توقيع اتفاقيات "أبراهام" وهرولة بعض الدول العربية إلى توقيع اتفاقيات التحالف مع الكيان، تحت عنوان "تطبيع العلاقات وإقامة السلام". اليوم، يقول الشعب الفلسطيني إنه هو المقرر في قضيته، وإنه سيقاوم بكل الأشكال في سبيل استعادة حقوقه، وإنه سيبقى إلى جانب القوى المقاومة التي ساندته في مقاومته، والتي تحمل معه عناوين القضية نفسها، من إيران إلى سوريا إلى فصائل المقاومة كافة.

 

الجيل المقاتل

يخوض المقاومون الأحداث الحالية بعد 75 عاماً على احتلال فلسطين، وبعد سنوات طويلة من المواجهات المختلفة والانتصارات والنكسات التي شهدتها القضية، لكن الجيل الحالي المقاتل في الفصائل الفلسطينية، وضمن الشِعب الفلسطينية في الضفة وغزة وأراضي فلسطين التاريخية في الداخل المحتل، يشير إلى زخم جديد وتتابع مسار المقاومة عبر الأجيال، الأمر الذي بشَّر بمستقبلٍ مشرق للقضية مختلف تماماً عن مسارات التطبيع العربية.

 

تغيرات الموقف الأميركي 

على الرغم من استمرار فاعلية اللوبي الصهيوني في التأثير في الموقف الأميركي من القضية الفلسطينية، ونشاط الأميركيين المؤيدين للكيان، فإنَّ المواجهة الحالية أبرزت مواقف أميركية،  تحمّل الكيان جزءاً من مسؤولية العنف الذي يمارسه ضد الفلسطينيين، وهو ما اختلف بدرجة واضحة عن موقف إدارة ترامب المؤيد بصورةٍ مطلقة للعدوان الإسرائيلي، الأمر الذي عبر عنه الجمهوريون، من خلال دعم نائب الرئيس السابق مايك بنس لـ"إسرائيل" بصورةٍ مباشرة، ونشاط وزير الخارجية السابق مايك بومبيو في الكونغرس دعماً للكيان. 

وعلى الرغم من دعمه ما وصفه بـ"حق إسرائيل في الدفاع عن نفسها"، عاد جو بايدن إلى أسلوب إدارة أوباما حيث اتصل بالرئيس محمود عباس، طالباَ من الجانبين خفض التصعيد، ومشدداً على حق الفلسطينيين بالعيش بسلام، الأمر الذي يعيدنا إلى أدبيات حل الدولتين الذي طبع فترتي أوباما الرئاسيتين. وإن كان هذا الموقف لا يحمل تغيراً جذرياً في الموقف الأميركي، إلا أنه يشكل على الأقل عودةً عن مستوى التصاق إدارة ترامب بالموقف الإسرائيلي، كما يؤشر إلى تضاؤل قدرة واشنطن على حماية الإجرام الإسرائيلي بصورةٍ مطلقة، والذي وصل إلى مستوى من الإجرام مناقض لكلّ المواثيق الدولية من جهة، ولمندرجات الخطاب الأميركي في السياسة الخارجية من جهةٍ ثانية.

هذه الدلالات تمثل جزءاً من إشارات التحول التي ستطبع بطابعها أفق الصراع في المستقبل. ومن حسنات ما يجري، أنَّ بوابة الأمل تفتح أمام الفلسطينيين على مصراعيها. لقد بات الأمل بأنَّ فلسطين ستعود كاملةً حقيقياً أكثر من أي وقتٍ مضى.