"أطفالٌ بكّاؤون".. بين تمّوزين

الخوف والصراخ اللذان اعتريا وحدة "ماغلان" ولواء "الغولاني" سيلازمان قوات الاحتلال في أية مواجهات بريّة. وهنا يكمن التحوّل الحقيقي.

  • الجندي الإسرائيلي، يختلف جذرياً عن المقاتل العربي المؤدلج في كلتا الحالتين: اللبنانية والغزاوية
    الجندي الإسرائيلي يختلف جذرياً عن المقاتل العربي المؤدلج في كلتا الحالتين: اللبنانية والغزاوية

"في كلّ معركة بريّة، في اللحظة التي يواجه جنودنا أيَّ مقاومة، يتوقّف تقدّم القوّة. يطلب القادةُ التعزيزات، ويتركّز القتال على إجلاء الجرحى والقتلى من أرض المعركة... لن تجد قصّة واحدة عن قوّة قاتلت حتى إكمال مهمّتها، أو قوة لحزب الله تمت هزيمتها" _ المراسل الحربي رون بن يشاي، في مقال له في صحيفة "يديعوت أحرونوت" في عام 2011.

 "يا لها من عمليّة دقيقة للغاية!" _ جون كيري معلّقاً بسخرية، في تسريب، على العمليّة العسكرية الإسرائيلية في الشجاعية في غزة في عام 2014.

سنعرض في هذا المقال مشاهد من الحربين، في محاولة لالتماس تكتيكات المقاومة في الحالتين وردّ الفعل الإسرائيلي. ومن ذلك، ستتبدى عوامل الاختلاف والتشابه والنتائج المحتملة لأيّ عمليّة عسكرية بريّة على قطاع غزة خلال العدوان الدائر حالياً. 

تمّوز الأول

لم يكن رون بن يشاي، الصحافي الإسرائيلي العتيق، أولَ مَن وضع معظم اللوم على عوامل ثقافية ونفسيّة بعد أن هُزم "جيش دولته" في الحرب، فهي عادة قديمة سبقه إليها كثيرون؛ ففي الحرب العالمية الأولى، قام الجنرال الإيطالي لويجي كادورنو، بعد أن أرسل الآلاف من جنوده إلى الموت تحت صليات الرشاشات النمساوية، متسلّحين "بالروح الوطنية السامية" التي ميّزت تلك الحقبة، قام بإلقاء باللوم على "جُبن الجنود الإيطاليين وانحطاط أخلاقهم" بعد هزيمة كابوريتو الساحقة. إنها طريق خطِرة لمن يريد أن يسلكها، وخصوصاً إذا كنت في حاجة إلى استنهاض الهمم للقيام بهجوم أو حربٍ مضادة. ولقد سلكناها، نحن العرب، إلى آخرها بعد النكسة في عام 1967.

وعلى الرغم من أن حديث الصحافي الإسرائيلي يحمل بعض الدقة في وصف ما يسمّيه "عقليةَ الأطفال البكّائين"، في مقالٍ قديم له بعنوان "الأطفالُ البكّاؤون لا يفوزون في الحروب"، فإن أسباب هذه "الروحيّة" لا تعدو كونها تضافراً لعدة عوامل، منها عقيدة "الجيش" نفسها، وبنية المجتمع وتطوّره، والاعتماد المفرط على التفوّق الناري لعناصره.

في بعض الحالات، كانت هذه "الروحية" ظاهرة للعيان على نحو واضح. وفي حين آخر، كانت الهزيمة ساحقة في المعايير العسكريّة التقليدية. وفي واقع الحال، يمكننا تفهّم الصدمة النفسيّة التي تعرَّض لها "الجيش الإسرائيلي" كمؤسسة تمثّل مجتمعَه بعد عام 2006. 

في الحالة الأولى، يمكننا ملاحظة حادثتين مثلاً. في الحادثة الأولى، قامت دبابات من الفرقة الـ366 المدرّعة الإسرائيلية بترك دبابة قائد كتيبة من الفرقة نفسها وحيدةً تسندها ناقلة جند مدرّعة في منطقة الخيام، وقام لواء مكلّف بإنقاذه عَبر التراجع نحو فلسطين المحتلة، بعد أن تعرَّض لبعض الرمايات من صواريخ "كورنيت"، أوقعت فيه إصابات وخسائر، بينما رفض قائد كتيبة آخر التقدم بدباباته، واستقال من منصبه. 

أصبح اسم اللواء بعد الحرب "اللواء الذي هرب". لواء "الكرمل" (Carmeli)، الذي كان يقاتل في محيط عيتا الشعب، سحب إحدى كتائبه بعد خسارتها جندياً وبعض الجرحى، فيما سمّاه "تراجعاً تكتيكياً"، على الرغم من حاجة لواء "الناحال" والمظلّيين الى دعمهم في الهجوم على القرية التي يحميها ما يزيد على فصيل بقليل من مقاتلي المقاومة. في كِلتا الحالتين، تعرّضت قيادتا الفرقتين الـ 91 والـ 366 للتقريع الشديد بعد نهاية الحرب التي انتهت باستقالة قادتها أو طردهم.

في المقلب الآخر، في مارون الراس وبنت جبيل، كان المشهد مغايراً تماماً، إذ اصطدمت وحدة "الماغلان" (وهي قوات نخبة للاستطلاع) بكمين للمقاومة في جلّ الدير، وسقط أكثر من نصفها بين قتيل وجريح في ثوانٍ، بينما "تجمّد" مَن تبقى منهم، الأمر الذي دفع القيادة إلى إرسال سريّة "إيغوز"، ثمّ إرفاقها بأخرى، لإسناد الوحدة المحاصَرة التي تعرَّضت بدورها لرمايات بصواريخ "مالوتكا" من بنت جبيل، حصدت 5 من جنودها، بينهم العقيد بنيامين هيلمان. وكان ذلك اليوم هو الأكثر دمويّة في تاريخ الـ"إغوز".

أحد جنود "الماغلان" قال بعد الحرب: "توقعنا أن نجد خيمة و3 كلاشنيكوفات، وإذ بنا نجد باباً هيدروليكياً فولاذياً يؤدي إلى سلسلة أنفاق محصّنة"، فما اصطُلح على تسميته لاحقاً "المحميات الطبيعية"، وهي مواقع محصَّنة شكّلت حائطاً أمام "الجيش" الإسرائيلي حتى نهاية الحرب، بعد أن منع قائد المنطقة الشمالية، أودي آدم، الهجوم عليها خوفاً من الخسائر قائلاً: "إن محميّة طبيعية قادرة على أن تبتلع لواءً بأكمله".

في بنت جبيل، بعد عدة أيام من معركة مارون الراس، لم يمنع الحذر المفرط الكتيبةَ الـ 51 من لواء "غولاني" من الوقوع في كمين محكَم ابتلع السريّة بعد السريّة منها، وانتهى بمقتل أحد قادة السَّرايا، ونائب قائد الكتيبة روعي كلاين، بالإضافة إلى إصابة قائد سريّة آخر ومقتل نائبه. 

كانت الكتيبة، حرفياً، على وشك التفكك بالمعنى العسكري في مربّع التحرير، وتحوَّلت مهمّتها إلى مهمّة إنقاذ لها. في رواية لاحقة لأحد الجنود الذين شاركوا في المعركة، يروي أنه سمع عبر الراديو، في أثناء تعرُّضه لصليات من صواريخ "مالوتكا" في المعركة من كلّ حدبٍ وصوب، العميد غيل هيرش، المسؤول عن العمليّة، وهو يصرّح بـ"أن العمل على وشك الانتهاء، وأن الإرهابيين يفرّون". يقول الجندي هنا: "تدرك عندئذٍ أن هناك أمراً خاطئاً". لا يتعلّق الأمر بالـ"أطفال البكّائين" في هذه الحالة، عندما يخرج التشكيل القتالي المكلّف عن الخدمة تقريباً.

عن القوة النارية والتمييز بين المدنيّ والعسكريّ

يدّعي مسؤولو العدوّ أن "جيشهم الصغير والذكي" من الجيوش الأكثر إنسانيّة في العالم، ودائماً ما يطالعون الإعلام الغربي، كما في وسائل التواصل الاجتماعي، بمقاربات من شاكلة: "لو تعرّضت أي دولة أوروبية/غربية لما نتعرّض له، لَما رأينا هذا المستوى من التساهل في التعامل مع مسبّبي هذه الأضرار. هذا من جهة. من جهة أخرى، فإن جيشنا يتجنّب تعريض المدنيين للخطر خلال العمليّات العسكريّة". ويصدّقون ادعاءاتهم نفسها، وتصبح جزءاً من السرديّة المجتمعية يشأن تفسير سبب فشل "الجيش المعجزة" في حرب تموز/يوليو 2006.

لمن يتحدّر من الجنوب، كان يكفي الذهاب إلى المناطق التي ذُكِرت في القسم السابق، لمعرفة حجم الدمار الذي تعرّضت له القوّة النارية المستخدَمة في ذلك، لكنْ، لنذكر بعض الأرقام هنا، حتى نُثبت أن "الجيش" الصهيوني هُزم "رَجلاً لرَجل".

 بلغ عدد ما تم إلقاؤه من قذائف مدفعية على جنوبي لبنان أكثر من 170 ألف قذيفة في شهر ونيّف، وهي ضِعف كمية القذائف المستخدَمة في حرب العام 1973. في مارون الراس، وفي "محميّتها الطبيعية"، وهي مساحة محدودة جداً، قامت المدفعية الإسرائيلية بإلقاء أكثر من 8000 قذيفة خلال يومين قبل الدخول. بمعنى آخر، لقد "قلبوا عالي التل سافله". في عيتا التي غادرتها الأغلبية الأعم من أهلها عند بداية الحرب، سلم من التدمير 100 منزلٍ من أصل 1300 منزل في القرية، وكان عدد الشهداء المدنيين محدوداً مقارنة بالحروب السابقة.

في كثير من المواضِع، تبين أن "الجيش الإسرائيلي" وضع الخسائر المدنيّة في قائمة "مقاتلي حزب الله القتلى"، بحسب موسوعة "يديعوت أحرونوت". الممارسة نفسها اتَّبعها الجنرال وستمورلند خلال حرب فيتنام، ليخدع الرأي العام الأميركي، مستخدماً إحصاءً سطحياً عن نسبة "القتل/الموت" (K/D ratio)، بحكم أن وزير دفاعه روبيرت ماكنمارا كان مهووساً بعلم الإحصائيات، فكانت الأرقام مرعبة لمن لا يدرك السياق، 1/20 مثلاً، أكثر من نصفهم مدنيون، المهمّ هو تعداد الجثث. لم يختلف ذلك في حرب تموز/يوليو 2006، فلقد طلب دان حالوتس، رئيس الأركان شخصياً، من المسؤول عن العمليّة، الإتيان بجثث شهداء المقاومة لتصويرها وعرضها على الجمهور الإسرائيلي، لإقناعه بتحقيق تقدّم ما.

في معركة الشجاعيّة في تموز/يوليو 2014، عاد لواء "غولاني" المهشَّم إلى الضوء من جديد. خلال محاولة اقتحام الحيّ، فاجأ مقاتلو المقاومة العدو خارجين من أنفاقهم وتحصيناتهم عند اقترابه على نحو يمنعه من استخدام الدعم الجوي والمدفعي، وقاموا بتدمير مدرعة من طراز "أم-113" وقتل 7 جنود في داخلها فوراً، باستخدام صاروخ "آر بي جي-29".

حاول الإسرائيليون استعادة جثث الجنود من المدرعة التي ظلّت تحترق لليوم التالي عبر قطرها، وأسفرت العمليّة عن مقتل عدد إضافي من الجنود، منهم 3 جنود قضوا بصاروخ مضاد للدروع، يعيد إلى الذاكرة تكتيكات المقاومة في تموز/يوليو 2006.

كان بين الجرحى قائد لواء "غولاني" غسان عليان. وانتهت المعركة بسقوط 13 قتيلاً إسرائيلياً وعشرات الجرحى. وعندما لم تسفر عن نتيجة واضحة، أمر القادة الإسرائيليون جنودهم، في خطوة غير تقليدية، بالدخول لمدرّعات "النمر" (NAMER) الثقيلة، والمبنية على "شاسيه" "الميركافا"، وتبع ذلك قصف مدفعي شديد العنف على الجزء الذي تجري فيه المعركة من الحي.

سقط خلال نصف ساعة نحو 600 قذيفة مدفعية من عيار 155 ملم، و100 قنبلة جوية، وزن كل منها طنّ. وبلغ عدد القذائف الإجمالي نحو 7000، سقط بعضها على مسافة 100 متر من تمركز القوات الإسرائيلية. ويعلّق خبير أميركي على الأمر بالقول إنه لم يكن جَزّاً للعشب، كما سماه الإسرائيليون، بل كان إزالة لسطح التربة على نحو كامل. كان من المستحيل على المدنيين أن ينجوا من قوّة نارية بهذا الحجم، تصبّها عليهم 11 كتيبة مدفعية إسرائيلية في آنٍ واحد، واستشهد العشرات منهم. 

في إثبات آخر، لم يمارس "هذا الجيش المحترف"، في أيّ لحظة، ما يدّعي أمام الإعلام الغربي بأنه "ضبطٌ" للنَّفْس. وإن كان لأهل الجنوب أن ينسحبوا من أماكن القتال المباشِر في عام 2006 (على الرغم من أن ذلك لم يُنقذهم من همجية قصفه)، فإن واقع أهلنا في غزة المحاصَرة مُغاير تماماً. بحسب الخبراء العسكريين الذين قابلهم الكاتب العسكري الأميركي مارك بيري، لم يستهدف القصف مجرّد "هدم أنفاق "حماس""، بل كان ستاراً زاحفاً (Creeping barrage) يهدف إلى جعل المكان حفرة ضخمة.

الأطفال البكّاؤون من جديد

يختلف الكتّاب وعلماء النفس والعسكريون أنفسهم في تحديد الأسباب التي تجعل الجندي يقاتل ويَقتل ويُقتل، في أن تجعل رجالاً محترمين يقترفون أفعالاً شنيعة، كما يعبّر المؤرخ البريطاني جون كيغان، أو أن تُرجعهم إلى طبيعة الهمجية الأولى، كما يقول الكاتب والجندي الأميركي السابق كارل مارلنتس. إلاّ أنه لا يمكننا إنكار وجود اتِّجاه عام في المجتمعات ذات الدخل الأعلى (أي الدول الغربية والمشابهة لها) إلى الابتعاد عن هذه "العاطفية" في الحرب، وتحويلها إلى حسابات ميكانيكية صرفة.

الجندي الإسرائيلي، الذي يعيش حالاً من الرخاء المعيشي النسبي، يختلف جذرياً عن المقاتل العربي المؤدلج في كلتا الحالتين: اللبنانية والغزاوية. ما كان ينقص العربي، كما تبدّى، هو عامل التنظيم الفعّال، بكل ما فيه من جوانب. بحسب إحدى الصديقات الفلسطينيات الباحثات في هذا المجال، فإن "الجيش الإسرائيلي" يعيش حالة من الهوس في إعادة إحياء عصره الذهبي، حين كان يقاتل معه ناجون أوروبيون من المحرقة. هذا من جهة. من جهة أخرى، يسري هوسٌ يتمحور حول فهم حالة التنظيمات التي تجابه جيشهم الآن، وحول تفكيك العوامل التي تجعل سريةً من الجنود المهرة تصمد في وجه عدّة ألوية من قوات النخبة التي تفوقها عدةً وعديداً.

ثمة عنصران أساسيان في العقيدة الإسرائيلية العسكريّة تحوّلا في هذا الإطار إلى نقطة ضعف قاتلة مع تطوّر المجتمع، وزيادة الرخاء فيه، وابتعاده عن الحالة التي تسود فيها غريزة البقاء الجمعي الأولى في اتجاه الخلاص الفردي. يتمحور الأول حول الحرب الخاطفة العنيفة التي تحاول إنهاء الجهد العسكري للعدوّ باستخدام القوة النارية المفرطة، بينما يتمحور الآخر حول الأهمية المحوريّة لإرساء مفهوم مفاده أن حياة الجندي، أو جثته، عاملٌ محوري في المعركة.

استفادت المقاومة الخبيرة بالعدو من نقطتي الضعف هاتين، بالإضافة إلى حالة الصدمة المتأتية من مواجهته لأول مرة قواتٍ عسكريّةً خبيرة، إذ يقول المقدم روني أمير إنه في إحدى المرات التي التقت القوات الخاصة الإسرائيلية مثيلاتها الخاصةَ بالمقاومة، ظنت لوهلة أن قواتها اختلطت بكوماندوس بحري تابع لها. 

ثمة تعليقات لا تُحصى من جنود صهاينة بعد الحرب، تركّزت على مفاجأتهم برؤية مقاتلين مجهَّزين يرتدون البزات المموَّهة والخوذ، يقاتلون بمهارة، ويخرجون من تحت الأرض التي فلحها سلاح الجوّ الإسرائيلي والمدفعية الإسرائيلية مراراً وتكراراً. كانت كلّ هزيمة تحلّ بالقوات الإسرائيلية في حرب العام 2006 تعمّق خوف الجنود الإسرائيليين ورهبتهم من التعرض لخسائر فادحة، وكانت كلّ خطوة حذِرة تدفعهم إلى أن يدوروا في الحلقة المفرَغة نفسها: تقدم متواضع، وخسائر، وتحول العملية إلى عملية لإجلاء المصابين والقتلى، كما كانت سبباً في ثنيهم عن الهجوم على "محميات المقاومة الطبيعية"، والتي بقيت تضايقهم وترمي الصواريخ من تحت أنوفهم حتى آخر يوم في الحرب.

على المستوى التكتيكيّ، لا يبدو من الصّورة الكبرى أن كثيراً تغير من عام 2006 حتى عام 2014، فيما بدا للحظة أنَّ الإسرائيليين يقاتلون العدو المدرَّب نفسه. وهنا تكمن قيمة نقل الخبرة من النواحي العسكرية والإدارية والتنظيمية. 

يبدو أنّ التكتيك الوحيد المغاير الذي اتَّبعه الإسرائيليون في دخولهم الناقلات واستدعاء الدعم الناري الكبير، لن يكون بالفعالية نفسها في طبيعة الجنوب الطبيعية والطبوغرافية، وفي هدفه للحد من تأثير تكتيك "التعلّق بالحزام" (أي القتال عن قرب)، كما سمّاه الفيتناميون، لحرمان العدو المتفوق من الدعم الناري. 

خاتمة 

ما زال من المبكر جداً الحديث عن فعاليّة تكتيكات العدو أو المقاومة في غزّة، في ظلّ العدوان القائم حالياً. لست من هواة المحاكاة النظريّة، والتي نادراً ما أثبتت دقّتها في صراعنا، لكن من شبه المؤكد أن لا تحرّك برياً إسرائيلياً داخل القطاع في هذه الجولة. 

بدا من تعليقات بعض قادة العدوّ ومصادر المقاومة أن الخطّة "العبقرية" لضرب سلسلة أنفاق المقاومة، أو ما يسمّيه العدو "مترو حماس"، كانت محدودة التأثير. لا أدري لماذا يَطِيب لقادة جيش العدو قراءة الفلسفة الفرنسيّة الحديثة وابتداع خططهم من مفاهيمها عن "الإدراك" و"الوعي" وهذه الميتافيزيقيات. فتراهم يتخيّلون أنهم لعبوا بـ"إدراك" المقاومة التي أرسلت المئات من مقاتليها إلى الخطوط الأمامية لمجرد تحريك بعض الدبابات خارج القطاع، وتغريدة لحساب الجيش حمّالة الأوجه. 

بعد مجزرة القبية في عام 1953، والتي ذهب ضحيّتها 69 مدنياً فلسطينياً على أيدي قواتٍ إسرائيلية بقيادة أرييل شارون، يقول صحافيّ "التايم" دونالد نيف إنَّ بن غوريون كان يعتقد آنذاك - على الرغم من تعليقات الأسف الرسمية - أنه كان يجب استخدام القوّة أمام العرب لإظهار أن "إسرائيل" وُجدت في الشرق الأوسط لتبقى، وأن هذه السياسات الانتقامية يجب أن تستمرّ.

 بعد نحو 60 عاماً على هذه المجزرة، والتي كان العربي في معظمها يرى الجندي الإسرائيلي رجلاً خارقاً، يروي أحد الجنود الناجين من عمليّة "ناحال عوز"، التي تسللت فيها قوّة من المقاومة خلف خطوط العدو وقتلت فيها عدّة جنود إسرائيليين من مسافة أمتار: "كانت لمعظمهم لحى طويلة وسوداء، وبعضهم يضع شعار "حماس" على رأسه". هنا، قام أبو مجاهد بالإجهاز على 8-9 جنود كانوا في الداخل وسط صراخهم بعد أن "بلموا"، بتعبير أهل غزة. 

هذه الصورة، وهذا التجمّد والخوف والصراخ، اعترت كلها وحدة "الماغلان" ولواء "غولاني" في عام 2006، كما حدث مع هؤلاء الجنود في عام 2014 متى رأوا  "هذا الصنف الجديد من الجنود العرب".. هذا كله هو ما سيلازم قوات الاحتلال الإسرائيلي في السنوات القادمة في أي مواجهات بريّة. وهنا يكمن التحوّل الحقيقي.

مصادر:

https://www.ynetnews.com/articles/0,7340,L-3425441,00.html

https://web.archive.org/web/20061018004246/http://atimes.com/atimes/Middle_East/HJ13Ak01.html

https://www.makorrishon.co.il/nrg/online/1/ART1/509/814.html

https://www.gvura.org/a344238-%d7%9e%d7%91%d7%a6%d7%a2-%d7%a7%d7%95%d7%a8%d7%99-%d7%a4%d7%9c%d7%93%d7%94-%d7%91%d7%99%d7%a0%d7%aa-%d7%92-%d7%91%d7%99%d7%9c

https://youtu.be/d3rhQ6BWmRI

Harel, Amos and Avi Issacharoff, 34 Days: Israel, Hezbollah, and the War in Lebanon, Palgrave Macmillan, New York, 2008

https://www.haaretz.com/1.4863558

https://web.archive.org/web/20160304030852/http://www.global-report.com/amikam/a1913-%D7%94%D7%AA%D7%95%D7%AA%D7%97%D7%A0%D7%99%D7%9D-%D7%91%D7%9E%D7%9C%D7%97%D7%9E%D7%AA-%D7%9C%D7%91%D7%A0%D7%95%D7%9F-%D7%94%D7%A9%D7%A0%D7%99%D7%94

https://www.nytimes.com/2006/08/07/world/middleeast/07hezbollah.html

https://www.timesofisrael.com/idf-releases-details-on-shejaiya-battle-in-which-7-soldiers-died/

 

علي جزيني

ماجستير علاقات دولية - جامعة بولونيا الإيطالية

إقرأ للكاتب

حين يتحول "التمرد" إلى حربٍ نظامية: من فيتنام إلى اليمن

المسألة ليست ببساطة الرومنسيات الثوريّة، أو موضوع المعنويات والروحيّة، بل هي تتعداها إلى الجانب...

جدار جابوتنسكي الحديديّ: عن "القبّة" وأمور أُخرى

من بين مئات الصواريخ التي كانت تصنع لوحات جميلة في سماء فلسطيننا جنوباً، شقّت 4 صواريخ يتيمة...

الصواريخ "الدقيقة".. من الطوربيد الطائر إلى استراتيجية الردع

بدأت القصّة في العام 1916 مع الملاح الأميركي لورنس سبيري (Lawrence Sperry)، الذي قام بتصميم...

خارج السيطرة.. كيف عطّلت إيران التفوّق الجويّ الأميركي؟ [2]

بعد 32 عاماً على استهداف أميركا طائرة مدنية إيرانية وعجز طهران عن الرد، تعود إيران للانتقام في...

خارج السيطرة.. كيف عطّلت إيران التفوّق الجوي الأميركي؟ (1)

التجارب الأليمة كان لها دور عظيم في صقل منظار النخبة الإيرانية نحو العالم والأميركيّين بشكل خاص،...