سدّ "خيرسون".. شرارة مائيَّة بين موسكو وكييف

قد يكون الأمن المائي لشبه جزيرة القرم من أهم بواعث أية تحركات مستقبلية لروسيا خصوصاً أنَّ خياراتها في أوكرانيا تبدو متعددة.

  • يقع هذا السد على بعد نحو 16 كيلومتراً من الحدود الشمالية لشبه جزيرة القرم.
    يقع هذا السد على بعد نحو 16 كيلومتراً من الحدود الشمالية لشبه جزيرة القرم.

خبت الضجة التي أحدثتها مشاهد الأرتال العسكرية الروسية المتدفقة إلى الحدود الشرقية والجنوبية لأوكرانيا خلال الشهر الماضي بشكل مفاجئ، بعد أن دقت هذه التحركات ناقوس الخطر في كييف وعواصم أوروبية عديدة من إمكانية تحرك الجيش الروسي بشكل مفاجئ ومكثّف في عمق الأراضي الأوكرانية. وقد تطرَّفت بعض الآراء الأوروبية في هذا الصدد، لتضع هذه التحركات ضمن سعي موسكو لتوسيع حدودها الغربية تدريجياً.

الإطار العامّ لهذه التحركات العسكرية من جانب روسيا ربما يرتبط في أذهان البعض بالتدهور المستمر في العلاقات بين موسكو وكييف منذ انهيار الاتحاد السوفياتي، والذي كانت أبرز محطاته استعادة روسيا لشبه جزيرة القرم في العام 2014، لكن تبرز في خلفيّة هذا التدهور بعض الملفات التي تبدو في ظاهرها أقل أهمية، لكنها تشكل أحد الجوانب المستحدثة للصراعات العسكرية المستقبلية حول العالم، وهي "حروب المياه"، فقد قامت كييف منذ العام 2014 بتقييد إمدادات المياه المتدفّقة من إقليم خيرسون نحو شبه جزيرة القرم، ما أثر بشكل أساسي في حصيلة المنطقة من مياه الشرب والري، وهو ما استفزَّ موسكو ودفعها إلى الإعراب عدة مرات عن خطورة نهج كييف في هذا الصدد.

البداية.. استعادة شبه جزيرة القرم

  • موقع شبه جزيرة القرم بالنسبة إلى أوكرانيا وروسيا
    موقع شبه جزيرة القرم بالنسبة إلى أوكرانيا وروسيا

بدأت محاولات موسكو لترسيخ النفوذ الروسي في أوكرانيا فعلياً في القرن الثامن عشر، على يد الإمبراطورة الروسية كاثرين الثانية، التي وضعت اليد الروسية بشكل كامل على أوكرانيا، عن طريق فرض مجموعة من الإجراءات الصارمة، مثل توطين المئات من الروس في الأراضي الأوكرانية، وإقامة تمركزات عسكرية روسية دائمة في المناطق الوسطى والشمالية من أوكرانيا، وفرض قوانين تجبر المدارس الأوكرانية على تعليم اللغة الروسية بدلاً من اللغة الأوكرانية التي تم حظرها بشكل تام في القرن التاسع عشر.

استمرّ هذا الوضع خلال العقود اللاحقة، لكن شابت هذه المرحلة بعض الأحداث التي ساهمت في توسيع الفجوة الذهنية والعرقية بين الروس والأوكرانيين، مثل دور الزعيم السوفياتي ستالين في تفشي المجاعة التي قضت على ملايين الأوكرانيين في ثلاثينيات القرن الماضي، وكذا الاشتباكات العرقية التي تمت بين الروس من جهة، والسكان من أصل تتري وأوكراني من جهة أخرى، بسبب عمليات التوطين التي أشرفت عليها السلطات السوفياتية خلال أربعينيات القرن الماضي، وخصوصاً في المنطقة الجنوبية من البلاد التي تضم شبه جزيرة القرم، التي تحولت خلال السنوات الأخيرة إلى عنوان أساسي في الصراع بين موسكو وكييف.

انتقلت القرم منذ العام 1954 عملياً إلى السيطرة الأوكرانية، بعد أن قرَّر رئيس الوزراء السوفياتي الراحل نيكيتا خروتشوف نقل تبعيتها الإدارية من جمهورية روسيا إلى جمهورية أوكرانيا. 

ظلَّ هذا الوضع قائماً حتى بعد سقوط الاتحاد السوفياتي، إذ لم تعترض موسكو على بقاء شبه الجزيرة تحت الإدارة الأوكرانية "في شبه حكم ذاتي"، مقابل أن تحتفظ بتواجد عسكري بحري في قاعدة أسطول البحر الأسود في مدينة سيباستوبول الساحلية، لكن كان الموقف الروسي مؤقتاً، كما يبدو، إلى أن تحين اللحظة الإقليمية المناسبة.

حانت هذه اللحظة في الانتخابات الرئاسية الأوكرانية في العام 2004، إذ تمكَّنت موسكو من دعم نجاح المرشح الموالي لها، فيكتور يانكوفيتش، عبر سكان المناطق الجنوبية والشرقية الأوكرانية ذوي الأصول الروسية. شابت فترة حكم يانكوفيتش خلافات حادة بينه وبين قطاعات سياسية عديدة، بسبب مقاومته لمحاولات البعض إجباره على التوقيع على اتفاقيات للتكامل التجاري مع الاتحاد الأوروبي، بدت مقدمة لضم البلاد إلى الاتحاد في نهاية المطاف.

 وقد أدى هذا التجاذب الداخلي إلى نشوب احتجاجات شعبية على الأرض، تركزت في غرب البلاد. وبحلول شهر شباط/فبراير 2014، سقطت الحكومة الأوكرانية، واضطرّ يانكوفيتش إلى مغادرة البلاد إلى روسيا. وفي هذا التوقيت بالتحديد، بدأت موسكو بتنفيذ خطتها لاستعادة شبه جزيرة القرم.

هذه الخطة كانت خاطفة وسريعة بشكل لم يوفر لكييف وحلفائها الوقت الكافي للتصرف بشكل مضاد، إذ فوجئت الحكومة الأوكرانية بالانتشار السريع لوحدات روسية خاصة في مناطق شبه الجزيرة كافة منذ أواخر العام 2013، سواء عبر التحرك من قاعدة أسطول البحر الأسود في سيباستوبول، أو من خلال الانتقال بحراً من الأراضي الروسية عبر مضيق كيرتش. وقد حشدت من أجل هذا الغرض قوة عسكرية أساسية بلغ مجموع عناصرها 16 ألف جندي، تألفت من لواء مشاة بحري وكتيبة مشاة مساندة، إلى جانب كتيبة مشاة أخرى محمولة جواً وكتيبة قوات خاصة.

تمكَّنت هذه الوحدات بحلول آذار/مارس 2014 من السيطرة بشكل كامل على شبه جزيرة القرم، بشكل لم يمكّن الوحدات العسكرية الأوكرانية المتواجدة داخلها من إبداء أيّة مقاومة، وفشل السواد الأعظم من القطع البحرية الأوكرانية الموجودة داخل موانئ القرم من الهروب منها، وأعلن معظم طواقمها الولاء لأسطول البحر الأسود الروسي.

حشد الجيش الأوكراني بشكل سريع خارج حدود القرم لواءين مدرّعين ولواء مشاة وفوج مشاة ميكانيكياً ولواء مدفعية، لكن التحرك السريع للقوات الروسية داخل شبه الجزيرة جعل من محاولة استخدام كييف لهذه القوات مهمة شبه انتحارية، وهو ما مهّد بشكل سريع للاستفتاء الذي تم في الشهر نفسه داخل شبه الجزيرة على انضمامها إلى الاتحاد الروسي.

ظهور معضلة سد "خيرسون"

مدفوعةً بعدم تمكّنها من مواجهة ضمّ موسكو لشبه جزيرة القرم ميدانياً، لجأت سلطات كييف إلى عدة إجراءات للتضييق على سكان الإقليم الذي غدا جزءاً من الأراضي الروسية. من أبرز هذه الإجراءات، تشييد السلطات الأوكرانية سداً مؤقتاً من الرمال والطين في منطقة كالانتشاك؛ إحدى مناطق مقاطعة خيرسون المحاذية للحدود الشمالية لشبه جزيرة القرم.

يقع هذا السد على بعد نحو 16 كيلومتراً من الحدود الشمالية لشبه جزيرة القرم. وقد تسبّب بتحجيم جزء كبير من الإمدادات المائية الواردة إلى شبه جزيرة القرم، نظراً إلى أن هذا السد المؤقت تم تشييده على قناة "القرم الشمالية" التي يصل طولها إلى 400 كيلومتر، وتربط بين شبه الجزيرة ونهر دنيبرو. وتمر نحو 85% من احتياجات القرم من مياه الشرب ومياه الري من هذه القناة.

أدّى هذا السدّ المؤقت إلى معاناة شبه الجزيرة من التناقص المستمر في مياه الشرب، بشكل دفع وزارة الموارد الطبيعية الروسية إلى إطلاق مشروع لاستغلال المياه الجوفية في شبه الجزيرة في العام 2016، يضمن حفر سلسلة من الآبار الجوفية، بلغ عددها 36 بئراً، وفّرت لشبه الجزيرة 195 ألف متر مكعّب من المياه يومياً، لكن رغم ذلك ما زالت شبه الجزيرة بحاجة إلى المزيد من كمّيات المياه، وخصوصاً بعد إعلان الحكومة الأوكرانية في نيسان/أبريل 2017 نيّتها بناء سد دائم لمنع تدفق المياه إلى شبه الجزيرة، بكلفة تصل إلى 1.3 مليون دولار.

هذه المعضلة يمكن اعتبارها من الأسباب الرئيسية للتصعيد الروسي الأخير، إذ تشير التقديرات الأوكرانيّة إلى أنّه من ضمن السيناريوهات المستقبلية للانخراط الروسي في أوكرانيا، لجوء الجيش الروسي إلى شنّ عملية عسكرية محدودة شمال جزيرة القرم، بهدف منع الحكومة الأوكرانية من اللعب بورقة قناة القرم الشمالية من جهة. ومن جهة أخرى، تحقيق اتصال جغرافي بين جزيرة القرم والمناطق الموالية لموسكو شرقي أوكرانيا، عبر دخول مدينتي ماريوبل وبيرديانسك، وهو اتصال مهم في حالة حدوثه، نظراً إلى أن المناطق الشرقية في أوكرانيا تعد الورقة الثانية المهمة لروسيا في هذه الساحة.

في نيسان/أبريل 2014، بدأت مجموعات انفصالية مدعومة من موسكو بإجراء تحركات عسكرية ميدانية تركّزت في مقاطعتي دونيتسك ولوهانسك في أقصى شرقي أوكرانيا، وتحديداً في إقليم الدونباس الواقع على الحدود مع روسيا. وتزامنت هذه التحركات مع احتجاجات شعبية عمَّت كلّ مقاطعات هذا الإقليم، وخصوصاً مقاطعة خاركيف شمالي مقاطعة لوهانسك. 

وحدات الجيش الأوكراني اشتبكت منذ ذلك التوقيت وحتى الآن مع هذه المجموعات الانفصالية، وتمكَّنت بحلول شهر آب/أغسطس من العام نفسه من تحقيق تقدم ميداني كبير أمام تلك المجموعات، إلا أنَّ القوات الأوكرانية مُنيت بخسائر كبيرة في عدة معارك، وخصوصاً في منطقتي ديالتسيفي وإيلوفيسك.

 كان الدعم الروسي المباشر للمجموعات الانفصالية سبباً أساسياً في هذه الهزائم، ما أجبر الحكومة الأوكرانية على التوقيع على اتفاقيتين لوقف النار، وهو ما كرَّس بشكل أو بآخر الوضع القائم حالياً لكلا المقاطعتين اللتين أعلنتا استقلالهما بشكل منفرد أوائل العام 2015. ومنذ ذلك التوقيت، لم تتوقف المعارك على خط الجبهة بين قوات المقاطعتين والقوات الأوكرانية.

التحركات العسكرية الروسية الأخيرة في الميزان

تشير التقديرات الغربية إلى أنَّ الجيش الروسي نقل إلى الحدود الجنوبية الشرقية والجنوبية لأوكرانيا نحو 110 آلاف جندي بين آذار/مارس ونيسان/أبريل، عبر نقطتين أساسيتين تتمثلان بمدينتي فولجوجراد وفورونيج. وتبعد الأخيرة نحو 180 كيلومتراً فقط عن خط الحدود، إذ تمَّ توزيع القوات في عدة اتجاهات تشترك جميعها بأنها تحيط بالأراضي الأوكرانية؛ ففي اتجاه الشمال الشرقي، تم الدفع بالقوات إلى مدينتي بيلوجراد ولاجوف، وشرقاً باتجاه مدينتي روستوف دون وتاجنوروج، ومنهما بحراً نحو التخوم الشرقية لمدينة ماريوبل التي تسيطر عليها أوكرانيا. أما جنوباً، فتم الدفع بالقوات في اتجاه مدينتي ستافروبول وكراسوندار، ومن ثم عبر الجسر العابر لمضيق كيرتش في اتجاه شبه جزيرة القرم.

يُضاف إلى ما سبق، وصول تعزيزات قتالية إلى الوحدات الانفصالية في شرقي أوكرانيا، تركَّزت بشكل أساسي على المدفعية الصاروخية ومدفعية الميدان، كما كان لافتاً رصد تحركات عسكرية لوحدات موالية لروسيا في جمهورية ترانسنيستريا في مولودفيا، وهي جمهورية انفصالية تريد الانضمام إلى الاتحاد الروسي، وتقع على الحدود الغربية لأوكرانيا.

وعلى الرغم من أنَّ موسكو أعلنت أن نقل هذه القوات يعود إلى أغراض تدريبية بحتة، ضمن برنامج المناورات السنوية التي تجريها وحدات المنطقة العسكرية الجنوبية وأسطولا البحر الأسود وبحر البلطيق، وأنها أمرت أواخر نيسان/أبريل بعودة هذه القوات إلى قواعدها الأساسية، فإنَّ كييف شكّكت في هذه التصريحات، وقالت إن نحو 80 ألف جندي روسي ظلوا في مواقعهم التي انتقلوا إليها مؤخراً. 

بشكل عام، لا يعتبر انفتاح القوات الروسية في الوقت الحالي انفتاحا قتالياً، لكن لا يمكن استبعاد هذه الفرضيَّة، نظراً إلى القدرات اللوجستية الكبيرة التي يتمتع بها الجيش الروسي، وخصوصاً في ما يتعلق بعمليات النقل السريعة للآليات والوحدات المتخصصة.

إذا ما وضعنا هذه النقطة جانباً، وعدنا إلى السيناريوهات التي تم طرحها في العام 2015، فسنجد أنَّ السيناريو الأقرب في الوقت الحالي هو أنّ الحشود الروسيّة كانت جزءاً من استعراض واسع للقوة الروسية، لا يتضمّن تحركات ميدانية في الأراضي الأوكرانية، لكنه تضمن في الوقت نفسه المزيد من الدعم العسكري للقوات الانفصالية في شرق أوكرانيا. قد يؤدي ذلك إلى تغير في خط الجبهة الحالي في الدونباس، ومد سيطرة الانفصاليين إلى مقاطعة خاركيف، وخصوصاً أن وتيرة الاشتباكات المدفعية بين الانفصاليين والقوات الأوكرانية تزايدت بشكل لافت مؤخراً.

هنا، لا بد من الإشارة إلى أن البحرية الروسية قامت خلال فترة الحشد العسكري الروسي بتنفيذ ما يشبه "حصاراً بحرياً" على النقاط الأوكرانية المطلة على بحر أزوف شمالي البحر الأسود، بشكل يمنع أية وحدات بحرية أوكرانية من الدخول إليه أو الخروج منه، وهو تصرّف قد يدعم مخاوف كييف من إقدام موسكو على تحرّك ميداني لتحقيق اتصال جغرافيّ بين شرق أوكرانيا وجزيرة القرم.

إذاً، نستخلص مما سبق أن الحشد العسكري الروسي حول الأراضي الأوكرانية، رغم أنه أكبر من أية حشود مماثلة تمت خلال العامين 2014 و2015، فإنه يبقى ضمن محاولات موسكو سبر أغوار ردود الفعل الدولية بشأن الملف الأوكراني، ربما تمهيداً لاقتناص فرصة قد تبدو سانحة لتوسيع نفوذها في أوكرانيا بشكل أو بآخر. 

وقد يكون الأمن المائي لشبه جزيرة القرم من أهم بواعث أية تحركات مستقبلية لروسيا في هذا النطاق، وخصوصاً أنَّ الخيارات الروسية في أوكرانيا تبدو متعددة حالياً، وهو ما كرَّسته عوامل كثيرة، أهمها النجاح الروسي في ملفات إقليمية أساسية، على رأسها ملف القرم والملف السوري، وملفات سابقة، مثل ملف أوسيتيا الجنوبية وأبخازيا.

محمد منصور

كاتب مصري وباحث فى الشؤون العسكرية. بدأ العمل الصحافي منذ عام 2008. ليسانس في الأدب الأنجليزي ودبلوم في الترجمة. إنضم لفريق الميادين نت فى أبريل 2016.

إقرأ للكاتب

العقوبات العسكرية الأميركية على تركيا.. لعبة الوقت والمصالح

الاجتماع المرتقب بين بايدن وبين إردوغان سيكون على ما يبدو الفيصل في تحديد مصير العقوبات العسكرية...

الخلاصات العسكرية لمعركة "سيف القدس"

المثير للاهتمام، في ما يتعلّق بالمواجهات، أنها تضمّنت مجموعة متعددة من التكتيكات والأساليب...

بماذا تميّزت صواريخ غزة هذه المرة؟

المُنازلة الصاروخية المستمرة في فلسطين، تضمّنت عدداً كبيراً من المتغيّرات اللافتة، ميّزتها من...

إعادة ترتيب الأوراق.. المرحلة الجديدة لسياسات أنقرة الخارجيّة

الملمح الأساسيّ لهذه المرحلة هو التهدئة ومحاولة إدارة الانخراط التركي في الصراعات الإقليمية...

"أس 200" السوري.. مرة أخرى

لم يكن لمنظومة "أس 300" الحديثة أي دور في الاشتباكات الميدانية المتكررة بين سوريا وسلاح الجو...

الجيش الإثيوبي في ضوء التحديات الداخلية والإقليمية

يميل الميزان العسكري بشدة لمصلحة مصر والسودان إلى درجة يُستبعد فيها أن تكون إثيوبيا مستندة في...