كيف تحاول "إسرائيل" استثمار الأزمة الاقتصادية في لبنان؟

الكيان الإسرائيلي يسعى إلى استغلال الانهيار الاقتصادي في لبنان لتحقيق أطماعه في ثروات الغاز والمياه اللبنانية، ودفعه إلى مسار التطبيع كحلٍ سحري، لكن ماذا تقول حقائق المواجهة؟

  • يحاول الكيان الإسرائيلي استخدام سلاحه الأبرز في مواجهة لبنان، وهو الموقف الأميركي الداعم لمطالبه في السر والعلن.
    يحاول الكيان الإسرائيلي استخدام سلاحه الأبرز في مواجهة لبنان، وهو الموقف الأميركي الداعم لمطالبه في السر والعلن.

ليس من قبيل المبالغة القول إنَّ لبنان يعيش اليوم أصعب أيامه منذ تأسيسه قبل 100 عام. التحدّيات التي تواجهها هذه الدولة اليوم لا تقتصر على المستويات الاقتصادية والاجتماعية والمالية غير المسبوقة، إنما تضاف إلى التربص الإسرائيلي الدائم ومحاولة الكيان استغلال الانهيار لتحقيق مكاسب لم يتمكّن من تحقيقها عبر الحرب طوال عقودٍ من الزمن. 

ملفات عديدة تتداخل لترسم ملامح الطمع الإسرائيلي في استغلال الظروف الحالية للانقضاض على الحقوق اللبنانية، من الغاز في البحر، إلى الثروة المائية، وصولاً إلى السّيادة ومحاولة جرّ الدولة اللبنانية إلى مشروع التطبيع، إما بعصا الانهيار الشامل، أو بجزرة المساعدات الدولية للخروج من المأزق.

انهيار غير مسبوق

في أيلول/سبتمبر 2019، تحرّك سعر صرف الليرة اللبنانية فوق 1507 للدولار الواحد، لأول مرة منذ العام 1993، يوم تم تثبيت سعر العملة اللبنانية لتخدم نموذجاً اقتصادياً ومالياً لإعادة الإعمار بعد الحرب الأهلية. هذا التحرك لم يكن مفاجئاً؛ فطوال السنوات القليلة السابقة، كانت المؤشرات تتراكم لتدل على قرب انفجار النظام المالي تحت وطأة الديون وخدمتها من جهة، والخلافات السياسية الحادة المنعكسة تعطيلاً للمؤسسات ولمسار الإصلاحات ومكافحة الفساد من جهة ثانية.

واليوم، تواجه البلاد نقصاً في المحروقات الضرورية لأساسيات الحياة، إضافة إلى انقطاع شبه دائم للكهرباء التي توفرها الدولة عبر مؤسسة كهرباء لبنان بشكل أساسي، وارتفاع جنوني لسعر التغذية بالتيار الكهربائي عبر مولدات القطاع الخاص، فضلاً عن انعكاس انهيار الليرة اللبنانية على القدرة الشرائية للبنانيين، ولا سيما الطبقتين المتوسطة والفقيرة، إذ تقلَّصت الأولى إلى حد التبخر، وتوسعت الثانية إلى حد التمزق.

كل ذلك يحدث وسط تراجع ملموس في منسوب الاهتمام الخارجي بلبنان، إذ لم تنشط الدول التي درج تدخّلها الدائم في الشؤون اللبنانية لتساعد الدولة الصغيرة على النهوض بأعباء المرحلة والسير نحو الخروج من نفق الانهيار. وعلى رأس هذه الدول، تقف الولايات المتحدة الأميركية والمملكة العربية السعودية، اللتان لطالما انغمستا في كلّ صغيرة وكبيرة في لبنان. 

وفي حين أصبح رائجاً أنَّ السعودية لا تريد في هذه المرحلة التدخل العلني في السياسة اللبنانية، تركز الولايات المتحدة على منظمات المجتمع المدني من جهة، وعلى المؤسسات العسكرية والأمنية من ناحيةٍ ثانية، ما يطرح الكثير من التساؤلات حول الأهداف الكامنة وراء انكفائها عن الدعم المفيد للبنان كدولة، وتركيزها على محاولة خلق وترويج طبقة نخبوية من منظمات المجتمع المدني وتمكينها من وسائل العمل السياسي، وتحضيرها للانتخابات النيابية بعد أقل من سنة، وضمان حماية نشاطها من قبل المؤسسات الأمنية.

هذه المقاربة الخارجية للأزمة تدفع بلبنان باتجاه الوصول إلى دولة فاشلة. قبل أسابيع قليلة، أصدر البنك الدولي تقريراً يتضمَّن معطيات مقلقة حول حجم الأزمة اللبنانية، ليس أقلها القول إنَّ "من المرجح أن تكون الأزمة المالية والاقتصادية في لبنان ضمن أقصى الأزمات العشر حدة على مستوى العالم منذ منتصف القرن التاسع عشر، وربما ضمن الأزمات الثلاث الأولى".

ودعّمت المؤسسة الدولية تقريرها بأرقام كارثية، إذ "انخفض إجمالي الناتج المحلي للبنان بنحو 40% بين العامين 2018 و2020، وارتفع معدل البطالة من 28% في شباط/فبراير 2020 إلى 40% في كانون الأول/ديسمبر 2020، ووصلت الليرة اللبنانية إلى سعر صرف حقيقي في السوق السوداء لامس 18 ألف ليرة أمام الدولار الأميركي، كما انخفضت واردات البضائع بنسبة 45%، إذ أجبر التضخم مخزون العملة المتداولة على الزيادة بنسبة 197%. ونتيجة لذلك، يعيش الآن أكثر من نصف السكان تحت خط الفقر. ويحدد التقرير، مستنداً إلى مرصد الاقتصاد اللبناني لخريف 2020، الأزمة بأنها "الكساد المتعمد".

وبعيداً من بحث المسؤوليات الداخلية ومشكلات النظام السياسي، وتالياً النموذج الاقتصادي المتبع، وتوزع الثروة، والانعكاسات الاجتماعية لذلك، والحلول واحتمالاتها، لا يقف الكيان الإسرائيلي موقف المتفرج من الأزمة، بل إن أحداث السنتين الأخيرتين تشيران إلى محاولات حثيثة لاستغلال أزمة لبنان، من أجل تغيير خياراته الاستراتيجية تحت وطأة الانهيار الكبير.

عين "إسرائيل" على التطبيع

في قلب الانهيار الاقتصادي في لبنان، انطلقت قبل أكثر من عام مفاوضات غير مباشرة لترسيم الحدود بين لبنان والكيان الإسرائيلي برعاية الأمم المتحدة والولايات المتحدة الأميركية. قبلها، دارت مفاوضات لسنوات طويلة عبر الوسطاء الأميركيين، وصلت في ختامها إلى الاتفاق حول الإطار العام للتفاوض، وأعلن رئيس مجلس النواب اللبناني نبيه بري التوصّل إلى هذا الاتفاق الذي يرسم إطار المفاوضات، والتي بدأت فعلياً في 15 تشرين الأول/أكتوبر في مقر قوات الطوارئ الدولية العاملة في جنوب لبنان "يونيفيل" في منطقة الناقورة على الحدود اللبنانية - الفلسطينية، وهي مفاوضات أرادها لبنان، بحسب رئيس البرلمان وقوى المقاومة، "غير مباشرة" وفنية - تقنية بين وفدين عسكريين من الجانبين اللبناني والإسرائيلي، إضافة إلى وفد الأمم المتحدة الذي ترأّسه ممثل الأمين العام في لبنان يان كوبيتش، ووفدٍ أميركي ترأسه في الجلسة الأولى مساعد وزير الخارجية الأميركي لشؤون الشرق الأدنى دايفيد شينكر.

منذ البداية، وتحديداً في مرحلة تشكيل الوفود، حاول الكيان جر لبنان إلى تشكيل وفد يغلب عليه الطابع السياسي والدبلوماسي، من خلال ضم الوفد الإسرائيلي دبلوماسيين ومسؤولين سياسيين وإداريين، وحصر المشاركة العسكرية بضابطٍ وحيد.

وتقف خلف هذا التكتيك رغبة الكيان الإسرائيلي في إدخال المفاوضات التقنية حول ترسيم الحدود في مسار التطبيع بين الكيان والدول العربية، والذي شهد تطورات دراماتيكية مع توقيع معاهدات "سلام" بين الكيان وبعض هذه الدول.

وفي الوقت نفسه، روّج الكيان لشائعات تقول إنَّ التفاوض سينحو باتجاه معاهدة سياسية، لكن لبنان الرسمي والشعبي، وعلى المستويات كافة، أكد حصر المفاوضات بالشق التقني - الفني، ورفض إدراجها في مسار التطبيع الذي تنشط الإدارة الأميركية، ومعها "إسرائيل"، لتوسيعه ليضم أكبر عدد ممكن من الدول العربية. أما المقاومة، فقد وقفت بصورةٍ حاسمة بوجه تلك النيات، إلى درجة رفض تشكيلة الوفد اللبناني حينها.

النفط والمياه أيضاً

تبلغ المساحة المتنازع عليها بين لبنان والكيان الإسرائيلي في البحر المتوسط نحو 860 كم مربعاً، وهي مساحة ثبت احتواؤها كميات كبيرة من الغاز الطبيعي، ويتمسك لبنان بها كلّها. وكان قد رفض في السنوات السابقة عرضاً أميركاً بالحصول على ثلثي هذه المساحة وترك الثلث تقريباً لـ"دولة" الاحتلال. 

ينطلق التمسك اللبناني بهذه المساحة من قواعد القانون الدولي وقانون البحار اللذين يحددان طرق احتساب المساحات البحرية انطلاقاً من البر. ويصر الموقف اللبناني على عدم أحقية العدو باحتساب تأثير جزر صغيرة جداً في المياه الإقليمية لفلسطين المحتلة (مثل جزيرة تخليت)، لكن دراسات جديدة تؤكّد أن حق لبنان يتعدى ذلك إلى حوالى 1770 كم مربعاً.

ويغلب التشاؤم اليوم على التحليلات التي تبحث في أفق المفاوضات المتوقفة الآن، وذلك لمجموعة من الأسباب، أهمها السياق الضاغط في المنطقة على قوى المقاومة والدول الداعمة لها، لإجبارها على تقديم تنازلات في ملف ترسيم الحدود، كما في ملفات عديدة أخرى. إضافةً إلى عوامل داخلية في لبنان تصعّب من مهمة التفاوض، وتؤدي إلى زيادة الضغوط على القوى المتمسكة بالحقوق السيادية اللبنانية، خصوصاً في ظل الأزمات الحادة التي تعيشها البلاد.

إنَّ الطمع الإسرائيلي بثروات لبنان يمتد أيضاً إلى المياه من خلال محاولة السطو الدائم على مصادر المياه العذبة في الجنوب اللبناني، ومنها ما يقع ضمن الأراضي التي لا تزال محتلة في مزارع شبعا وتلال كفرشوبا، وهي مناطق غنية بالثلوج وخزانات المياه الجوفية، فضلاً عن أنها صالحة للتزلج، ويمكن استغلالها كمركز سياحي بارز.

لذلك، ركزت المؤسسات الإنمائية الحكومية والخاصة في الجنوب اللبناني على حماية مخزونات المياه العذبة، وأقامت آباراً وبنى تحتية للاستفادة منها وتثبيت الحق اللبناني فيها، ومنها مشروع الوزاني في بلدة الخيام، والذي يقع على الحدود مع فلسطين المحتلة تماماً.

ولكن في حين تسود البلاد حالة من الخلافات السياسية الحادة بين أحزابها وقواها، تضاف إلى الانهيار الاقتصادي والمالي، يزداد التشاؤم بخصوص التوصل إلى اتفاق لترسيم الحدود بوجود الأميركيين كطرف وسيط في هذه المفاوضات، إذ لم تثبت واشنطن حيادها في أية مفاوضات سابقة كانت "إسرائيل" طرفاً فيها.

 لكنَّ الجانب المضيء من المسألة يبقى في أن الأحداث تجري على الجبهة الأكثر تمكناً من تحقيق الانتصارات المتتالية على "إسرائيل"، الأمر الذي يشير إلى عدم سهولة تحقيق اختراقٍ أميركي - إسرائيلي للموقف اللبناني، بفضل وجود توازنٍ نسبي في القدرة على الأذى بين المقاومة اللبنانية والعدو. ويضاف إلى ذلك تراكم هزائم الكيان وتراجعه الاستراتيجي في ميزان المواجهة مع المقاومة الفلسطينية، بحسب نتائج معركة "سيف القدس" الأخيرة.

وبناءً على ذلك، يحاول الكيان الإسرائيلي استخدام سلاحه الأبرز في مواجهة لبنان، وهو الموقف الأميركي الداعم لمطالبه في السر والعلن، على الرغم من تقديم نفسه على أنه وسيط محايد.

إذاً، سلاح لبنان في معركته لضمان حقوقه يتمثّل في 3 نقاطٍ أساسية:

- النقطة الأولى: القوة العسكرية المتمثلة بالجيش والمقاومة، والقدرة على مواجهة أي اعتداءٍ يقوم به العدو على الحقوق اللبنانية.

- النقطة الثانية: استناد موقف لبنان إلى قواعد القانون الدولي. وقد أكد بري عند إعلانه اتفاق الإطار أن لبنان يريد حقوقه فقط من دون زيادةٍ، ولكن من دون أي نقصانٍ أيضاً.

- النقطة الثالثة: حاجة "إسرائيل" إلى استخراج الغاز من البحر، ولكنها لن تتمكن من ذلك بصورةٍ مريحة ومضمونة، ما لم يتمكن لبنان من الحصول على حقوقه في ثرواته ومياهه وبرّه، وخصوصاً بعد التصريحات التي أكد فيها السيد حسن نصر الله القدرة على استهداف منصات الغاز الإسرائيلية.

أما سلاح "إسرائيل"، فيتمثل بالدرجة الأولى بالموقف الأميركي الراعي لكل محاولات "حفظ التفوق الإسرائيلي في المنطقة"، على حد تعبير وزير الخارجية الأميركي السابق مايك بومبيو، فيما تحاول تل أبيب الاستثمار في أوراق قوة أخرى، تتعلق في معظمها باستغلال انهيار الواقع اللبناني على المستوى الاقتصادي والمالي، والاستفادة من الضغوطات الأميركية على محور المقاومة، من أجل سرقة لحظة تبدو له مؤاتية للحصول على تنازلات معينة. وتضاف إلى ذلك، مراهنة العدو الإسرائيلي على تحول الموقف العربي في دول الخليج، ليكون داعماً للموقف الإسرائيلي الساعي إلى اتفاقيات "تطبيع" أخرى، وإن كان ذلك غير معلن من قبل الدول الخليجية حتى اللحظة، لكنه يبقى احتمالاً مرجحاً وضاغطاً على لبنان.

إن وقائع الأرض وحقائق الصراع تشيران اليوم إلى عدم قدرة الكيان على جر لبنان إلى حيث يريد، ذلك أن لا رابطة سببية واضحة بين الانهيار الاقتصادي والتطبيع كحلٍ سحري. إن قدرة لبنان العسكرية على حماية رفض هذا الخيار، فضلاً عن أن المزاج العام اللبناني يرفض مقايضة خبزه بكرامته، هما حقيقة تثبتها الأوقات الحالية.