الدور الأميركي الميداني في سوريا .. الى أين المسير؟

مدرب أميركي إلى جانب متدرب سوري
منذ تحول الاستراتيجية الميدانية الأميركية في سوريا من حالة "التهديد بضربة عسكرية " مروراً بـ "تدمير الكيمياوي" ثم "برنامج التسليح والتدريب" وصولاً إلى "محاربة تنظيم داعش"، ارتبط المجهود العسكري لها على الأرض بمجهود "التحالف الدولى ضد الأرهاب"  الذي بدأ في سبتمبر/أيلول 2014 بقصف مواقع شمال وشرق سوريا، لوحظ مؤخراً تواجد أميركي ميداني مواكب لهذا التحالف في محافظة الحسكة وعلى الحدود الأردنية – السورية أثار جدلاً كبيراً. خصوصاً أن هذه التحركات ساهمت بشكلٍ أو بآخر في تغيير مهم بتوزيع القوى المتحاربة على الأرض، وخلقت كيانات جديدة ربما لم تتصادم مع الجيش السوري حتى الآن، لكن أطرافاً عديدة فيها تنظر للجيش السوري النظرة نفسها التي تنظر بها إلى "داعش".

كانت بداية التورط الأميركي في الميدان السوري مرتبطة بالهجمات الكيميائية بالمدفعية الصاروخية التي استهدفت مناطق "خان العسل والغوطة الشرقية وجوبر" خلال الفترة من مارس/آذار وحتى أغسطس/آب 2013، وكان الرئيس الأميركي باراك أوباما في أغسطس/آب 2012 قد أصدر تصريحاً صحفياً أكد فيه أن "الخط الأحمر" الذي لا يجب تجاوزه في الأزمة السورية هو استخدام أي طرف للأسلحة الكيميائية، ولذلك شّكلت هذه الهجمات الفرصة الأولى التي توفرت للولايات المتحدة للتدخل بشكلٍ واسع النطاق في الميدان السوري. إلا ان هذه المرحلة لم تدم طويلاً حيث ظلت الولايات المتحدة خلال شهر سبتمبر 2013 تهدد بشكلٍ شبه يومي بضربةٍ عسكريةٍ للجيش السوري وحركت حينها بالفعل قوات بحرية كبيرة إلى السواحل السورية، تم اجهاض هذه المرحلة بالتفاهم الذي أوجدته روسيا والذى بمقتضاه انضمت سوريا إلى معاهدة حظر الأسلحة الكيميائية في أكتوبر/تشرين الأول 2013 وبحلول أغسطس/آب 2014 كان كل مخزون الجيش السوري من المواد الكيميائية قد تم تدميره. وفي الشهر نفسه أطلقت القوات الجوية الأميركية عمليات استطلاع بالطائرات دون طيار فوق مناطق سيطرة تنظيم داعش شمال وشرق سوريا، لتبدأ في الشهر التالي عمليات جوية وصاروخية استهدفت مواقع في هذا النطاق ضمن مجهود جوي لتحالف دولي تم تشكيله لمحاربة التنظيم في العراق وسوريا تحت اسم "عملية العزيمة الصلبة" التي شاركت فيها حتى الآن 12 دولة بطلعاتٍ جوية مباشرة مستمرة بوتيرة متقطعة.

في ظل النتيجة التي وصلت إليها الولايات المتحدة في سوريا خلال عام 2013 انتقلت إلى مرحلة أخرى بدأت أوائل 2014 بتوسيع مستوى التسليح المقدم للفصائل المسلحة، والذي كانت المخابرات المركزية الأميركية قد أطلقت برنامجاً محدوداً له في أوائل 2013 لتزويد بعض مجموعات ما يسمى "الجيش الحر" بأسلحةٍ خفيفة. توسعت هذه الاستراتيجية لتشمل تزويد فصائل أخرى تنتمى للجيش الحر بجانب تجمعات أخرى مثل "جيش المجاهدين" و"حركة حزم" بنوعياتٍ من الأسلحة المتوسطة ومضادات الدروع، كان أهمها الصاروخ المضاد للدروع " "BGM-71 TOW الذي ظهر للمرة الأولى في الغوطة الشرقية لدمشق. واستمرت استراتيجية التسليح هذه بوتيرة متغيرة حتى وقتنا الحالي بمساهمة من المملكة السعودية وقطر والإمارات العربية المتحدة وتركيا، وقد تم تناول هذه الاستراتيجية بشكلٍ مفصل في مقالة سابقة، في سبتمبر/أيلول من العام نفسه عدلت الولايات المتحدة هذه الاستراتيجية لتصبح في شكل برنامج متكامل باسم "برنامج التدريب والتسليح" حين أٌقر الكونغرس الأميركي خطة لتدريب المعارضة التي وصفت ب "المعتدلة" في معسكرات على الحدود الأردنية والتركية مع سوريا، واستهدف هذا البرنامج تخريج دفعات من المقاتلين تصل بنهاية عام 2015 الى نحو 3000 مقاتل. لكن لم تتمكن الولايات المتحدة سوى من تدريب زهاء 50 مقاتل شكلت بهم ما يعرف بـ "الكتيبة 30" التي دخلت على دفعتين الى الأراضي السورية خلال شهر يوليو/تموز من الحدود التركية، وسرعان ما سيطر عناصر "جبهة النصرة" على المقر الرئيسي لهذه الكتيبة وأسروا معظم أفرادها الذين اضطروا لتسليم أسلحتهم واللجوء الى مجموعات مسلحة أخرى .

حاولت الولايات المتحدة إحياء هذا البرنامج مرة أخرى في يناير/كانون الثاني 2015 بإعلان نيتها إرسال 400 جندى إلى المنطقة لتدريب مقاتلي المعارضة المعتدلة ضمن برنامج أقره الكونغرس بتكلفة 500 مليون دولار استهدف تدريب نحو 5000 مقاتل خلال ثلاثة أعوام. وقد بدأ في تركيا أوائل مايو/أيار، لكنه جوبه بمصاعب عديدة كان أهمها انسحاب أعدادٍ كبيرة من المقاتلين من هذا البرنامج فى يونيو/حزيران من العام نفسه. انتهت هذه المرحلة فعلياً في أوائل أكتوبر/تشرين الأول 2015 حين أعلنت وزارة الدفاع الأميركية عن تعديل جوهري في برنامجها لتدريب المعارضة المسلحة.

كان السبب الرئيس لهذا التعديل الأميركي هو التدخل العسكري الروسي في سوريا، الذي استهدف في شقه الجوي بجانب مواقع تنظيم داعش بعض المجموعات المسلحة التي تدعمها الولايات المتحدة تسليحياً مثل "جيش الفتح" و"تجمع العزة". تلخص هذا التعديل الذي يعد منذ ذلك التوقيت العنوان الرئيس للاستراتيجية الأميركية في سوريا في إدامة وصول الأسلحة والذخيرة للمجموعات المسلحة المرتبطة بالولايات المتحدة، وإيقاف برنامج تدريب العناصر المعارضة بشكلٍ تدريجي.

عودة تدفق السلاح والذخائر

جنود أميركيون
منذ ذلك الحين وحتى هذه اللحظة بدأت مجموعات مسلحة عديدة في الميدان مثل "صقور الجبل" وبعض فصائل ما يسمى "جيش الفتح" و"الجبهة الجنوبية" وفصائل أخرى في "الجيش الحر" بتلقي أعتدة عسكرية أميركية أكثر نوعية مما سبق إرساله، سواء كانت من الولايات المتحدة مباشرة أو من دول أخرى مثل تركيا والمملكة السعودية. وقد ظهرت نوعيات هذا التسليح في أيدي عناصر هذه التنظيمات مؤخراً في ريف اللاذقية وحماه وحلب والحسكة مثل القاذف المضاد للدروع "M72 LAW"  الذي ظهر في حوزة عناصر "الفرقة الثانية الساحلية" في جبل التركمان بريف اللاذقية. أيضاً ظهر خلال الشهر الماضي ضمن تسليح مجموعات "الجيش الحر" في شمالي حلب عدة أنواع من الأسلحة الفردية الأميركية منها المدفع الرشاش "M240B" والبندقية الهجومية "M16A2" وبندقية القنص "M39" ومدفع الهاون عيار 120 مللم "Soltam K6"  والمدفع الرشاش عيار 12.7 مللم"M2 Browning"، كما ظهر في محافظة الحسكة للمرة الأولى على الإطلاق القاذف المضاد للدروع  "FGM-148 Javelin" في حوزة قوات الحماية الكردية المنضوية تحت لواء "قوات سوريا الديموقراطية".

المحاور الجديدة في تغير الاستراتيجية الأميركية

من معارك إدلب
لم يقتصر التغير في التكتيك الميداني الأميركي في سوريا على إيقاف التدريب وإدامة التسليح لكن تطور بصورةٍ أكبر نتيجة لإرهاصات الهدنة العسكرية التي تم إعلانها برعايةٍ روسية في فبراير/شباط الماضي، بات عنوان "محاربة الإرهاب" هو العنوان "الأوحد" لاستراتيجيتها المعلنة في سوريا والتي انقسمت في الشهور الأخيرة إلى ثلاثة محاور:

أ- تطوير التدخل الجوي: تغيرت أولوية الطلعات الجوية للتحالف الدولي من ضرب مواقع تنظيم داعش الى تقديم الدعم الجوي للمجموعات المسلحة المشتبكة مع قوات التنظيم في شرق سوريا وشمال حلب كأولويةٍ أولى يليها ضرب مواقع التنظيم. وهذا التغير ظهر واضحاً في عمليات فصائل "الجيش الحر" المسلحة في حلب بشكلٍ عام، والتي قامت فصائلها بالتنسيق مع قيادة عمليات التحالف الدولي لتنفيذ عمليات دعم جوي لقواتها التي تواجه عناصر تنظيم داعش خصوصاً فى الريف الشمالي.

ب- تشكيل مجموعات مقاتلة جديدة: وهذا تمثل حتى الأن في تشكيل ثلاثة مجموعات مسلحة على الأرض يتم دعمها نيرانياً ولوجيستياً وتسليحياً وهي:

- قوات سوريا الديموقراطية : تم إعلانها في اكتوبر/تشرين الأول من العام الماضي في محافظة الحسكة بدعم أميركي وتضم خليط من الأكراد ومجموعات مسلحة تابعة للجيش الحر وقوات من غرفة عمليات "بركان الفرات". هذه القوة مثلت منذ تأسيسها ثقلاً مهماً ورئيسياً في الميزان الميداني بعد تمكنها من إحراز مكاسب كبيرة في ريف حلب الشمالي وريف الحسكة.

- جيش سوريا الجديد: وهو فصيل تم تشكيله في نوفمبر/تشرين الثاني الماضي تحت إشراف فصيل "جبهة الأصالة والتنمية" الذي تدعمه أيضاً الولايات المتحدة وعلى عكس قوات سوريا الديموقراطية لم يتمكن من تحقيق نجاح ميداني يذكر في ما عدا السيطرة على معبر "التنف" الحدودي بين العراق وسوريا في مارس/آذار الماضي.

3- قوات "النخبة" السورية: وهي فصيل تم الإعلان عنه في شهر أبريل/نيسان الجاري من قبل رئيس تيار "الغد" السوري أحمد الجربا ويتمركز نشاطه في دير الزور والحسكة بالتنسيق مع قوات التحالف الدولي وقوات سوريا الديموقراطية.

ج- التواجد على الأرض: حتى معركة "كوباني – عين العرب" بين الفصائل الكردية  تنظيم داعش لم يكن للقوات الأميركية وجود محدد على الأرض السورية لكن بعد تمكن الأكراد من السيطرة على المدينة وإحكام القبضة على جزء مهم من الشمال الشرقي السوري بدأت الولايات المتحدة تدريجياً في تعيين نقاط مراقبة ودعم في عدة مناطق بالشرق والجنوب، كانت البداية في نوفمبر/تشرين الثاني الماضي بإقامة غرفة عمليات مشتركة مع الأكراد في عين العرب يتبع لها مركز قيادة متقدم في مصرين بريف حلب، ثم تلا ذلك في ديسمبر/كانون الأول من العام نفسه انتشار للقوات الخاصة الأميركية في محيط المدينة السكنية في سد تشرين بعد تمكن قوات سوريا الديموقراطية من تحريره من سيطرة تنظيم داعش، بجانب انتشار آخر لقوات أمركية خاصة في موقع بمنطقة اليعربية في الحسكة.

منذ أوائل العام الجاري وسّعت الولايات المتحدة تواجدها على الأرض فمهدت ثلاثة مهابط للطائرات في المنطقة الشرقية إحداها في منطقة رميلان شمالي شرق الحسكة والثاني مطار "أبو حجر" الزراعي في ريف الحسكة الشرقي الذي تم تمهيده لهبوط طائرات الشحن العسكري المحملة بالذخائر والثالث مهبط يقع الى الجنوب الشرقي من مدينة عين العرب.

يضاف الى المواقع السابق ذكرها تمركز لقوات مدفعية صاروخية أميركية قرب الحدود الأردنية-السورية قدمت في الشهر الماضي للمرة الأولى دعماً نارياً باستخدام راجمات " "M142 الصاروخية لقوات "جيش سوريا الجديد" أثناء هجومها على معبر التنف الحدودي وهو تمركز تم مؤخراً لدعم العمليات الاستخبارية التي ينفذها أكثر من 200 جندى أميركي انطلاقاً من الأردن منذ أبريل/نيسان 2013.

في المجمل نستطيع أن نعتبر أن الدور الأميركي في سوريا تطور منذ عام 2013 بشكلٍ ملحوظ، لكنه لم يحقق الأهداف التي بدأ من أجلها وعلى رأسها إنهاء نظام الرئيس السوري. ولقد كان تطور هذا الدور إلى "محاربة داعش" انعكاساً لهذا الفشل، لكن في الوقت نفسه مثلت الأطراف الجديدة التي دفعت بها الولايات المتحدة إلى الميدان السوري "خصوصاً قوات سوريا الديموقراطية" نقاط سيطرة جديدة للولايات المتحدة تلعب بها على وتر "القضية الكردية" ربما للضغط المستقبلي على الحكومة السورية بعد انتهاء مرحلة الحرب على داعش ولكسب نقاط على مائدة التفاوض المتعثرة حالياً، ربما تمثل أحداث متتالية مثل النهج الكردي في التعاطي مع الهجوم السوري "المتوقف حالياً" في ريف حلب الشمالي والدعم التسليحي الذى عاد للتدفق عبر الحدود للمجموعات المسلحة وآثاره في تجدد الخروقات للهدنة وعودة السخونة الى بعض الجبهات التي كانت قد هدأت مثل ريفي اللاذقية وحماه مؤشرات على عدم استبعاد نظام الرئيس بشار الأسد من قائمة الأهداف الأميركية، لكن المؤكد أن جعبة الولايات المتحدة حالياً قد فرغت تماماً وستظل كذلك على ما يبدو حتى انتخاب رئيس أميركي جديد أما أن يعيد تعبئتها .. أو يحكم إغلاقها.

محمد منصور

كاتب مصري وباحث فى الشؤون العسكرية. بدأ العمل الصحافي منذ عام 2008. ليسانس في الأدب الأنجليزي ودبلوم في الترجمة. إنضم لفريق الميادين نت فى أبريل 2016.

إقرأ للكاتب

"الدرونز" الانتحاريّة.. المستقبل القديم للحروب الحديثة

خطأ كبير يقع فيه من يعتقد أن فكرة "الدرونز الانتحارية" هي فكرة حديثة العهد أو نتاج للتطوّر...

التعاون العسكريّ بين كييف وأنقرة.. روسيا ليست غافلة

تراقب روسيا تطوّر العلاقات التركية الأوكرانية ولهذه الغاية نفذّت مناورات بعد أيام من إسقاط...

سماء اليمن.. التكنولوجيا الغربية في مواجهة ابتكارات الضرورة

أول إسقاط سجّلتها الدفاعات الجوية اليمنية لطائرات التحالف السعودي كان في أيار/مايو 2015، لمروحية...

كيف تفوّقت إبداعات صنعاء العسكرية على منظومات السلاح الغربية؟

التطور الذي ظهر بشكل كبير خلال السنتين الماضيتين على التسليح اليمني في ما يتعلق بالصواريخ...

نمو التسليح الأميركي لتايوان.. من الدفاع إلى الهجوم

تصاعد ملحوظ في العلاقات التسليحية بين تايوان والولايات المتحدة، منذ أن تولى دونالد ترامب منصبه،...

سفن السطح غير المأهولة.. أميركا تتفادى الغرق في بحر الصين

مفارقة لافتة أن تفاجئ الصين الجميع هذا الشهر بالكشف عن أول زورق غير مأهول من إنتاجها، وذلك بعد...